أرامل وعوانس يرفضن الزواج المدني ويرحبن بالعرفي
سألوا يوما رجلا حكيما: “ما الحياة؟” فأجاب:” الأمان، فإني رأيت الخائف لا حياة له”.. وهذا ما تصبو إليه المرأة بسعيها الحثيث للحصول على زوج يُعيلها ويحميها فيشعرها بأنها على قيد الحياة. ولكن، يبدو أن مفهوم مصدر الأمان قد تغيّر في هذا الزمان، بعدما أخذت الأموال محل الرجال، فصارت المرأة تسعى جاهدة للحصول على مصدر رزق ثابت يكفيها ذلّ السؤال، ولو كان ثمن ذلك أن تبيع رجلا. بدليل ما صارت تفعله بعض الأرامل والعوانس اللواتي أصبحن يرفضن الزواج نهائيا أو على الأقل مدنيا، مخافة أن يخسرن استحقاقهن القانوني لمعاش الزوج أو الأب المتوفين. وفي المقابل، هن يقبلن على الزواج عرفيا للجمع بين فائدتين، ضمان حقهن في المتعة والاستمرار في صرف المعاش المنقول. فما حكم الشرع في ذلك؟ وهل هن محتالات على الصندوق الوطني للتقاعد أم إنهن ضحايا لقانون جائر لم يكن رحيما بهن؟
المعاش المنقول حجر عثرة.. أمام زواج الأرامل والعوانس
المعاش المنقول هو المعاش الذي يمنح إلى ذوي حقوق المؤمّن اجتماعيا المتوفى، وفقا لشروط يحددها القانون المتعلق بالمعاش. ومن بين الأشخاص المستفيدين منه، المرأة التي توفي عنها زوجها المؤَمّن اجتماعيا. وبنت المؤَمن اجتماعيا غير المتزوجة. وهذا، بشروط، منها عدم إعادة الزواج للأرملة، إذ في حالة زواجها من جديد، تفقد حقها في صرفه. ونفس الأمر، بالنسبة إلى العزباء، إذا تزوجت. ولكن، الظاهر أن هذا الشرط صار يقف كحجر عثرة أمام زواج هذه الفئة من النساء، الأمر الذي جعل الكثيرات منهن يلجأن إلى الاحتيال على الصندوق الوطني للتقاعد، بالزواج عرفيا، أي دون عقد مدني، للاستمرار في صرف ذلك المعاش. مثلما فعلت صليحة، 35 سنة، التي فقدت زوجها إثر حادث مرور أليم، جعلها تترمل وهي في الـ 25 عاما من عمرها. ولكن، لحسن الحظ، أن المعاش الذي تركه لها كان محترما، إلى درجة يضمن لها حياة كريمة لاينقصها فيها سوى حاجتها الغريزية والعاطفية لوجود رجل في حياتها. ولأنها كانت ترفض تماما فكرة أن تتخلى عن معاش زوجها المرحوم، فلقد وجدت حلا لتلك المعادلة الصعبة كما تقول: “بالزواج عرفيا من رجل متزوج وله عدة أولاد، إذ اتفقنا على ألا نُرسّم زواجنا مدنيا، ونكتفي بالفاتحة، وهو الحل الذي كان في مصلحة الطرفين، فهو بدوره لا يريد أن يكتشف أمر زواجنا من طرف زوجته وأولاده، وأنا من جهتي لا أريد خسارة المعاش المنقول الذي أتقاضاه.”
وبنفس الموقف الرافض لفكرة الزواج ثانية، تمضي دليلة، 46 سنة، حياتها. وهذا، مخافة أن تخسر المعاش المنقول، الذي تركه لها آخر أزواجها، الذي كان عجوزا مغتربا، قضت معه أرذل أيام حياته، هنا بأرض الوطن، قبل أن يتوفى. وهو الموقف الذي يقاسمها إياه أهلها، كما توضح قائلة: “لقد تزوجت ثلاث مرات في حياتي، تطلقت مرتين وترمّلت في الثالثة، وبذلك، أثبتّ فشلي كزوجة بامتياز، بحسب ما يراه أهلي الرافضين لفكرة زواجي مرة أخرى، لأنهم بذلك سيخسرون الدجاجة التي تبيض لهم ذهبا، فالمعاش المنقول الذي أتقاضاه محترم إلى درجة انتشلنا من بؤرة الفقر التي كنّا نحياها، إذ قمت بتشييد منزل فخم لأهلي، الذين خصصوا لي فيه طابقا بأكمله، أعيش فيه رفقة ابنتي من طليقي الثاني”.
يتزوجن زيجات متعة .. عوانس على خطى الأرامل
وعلى غرار الأرامل، ولأجل الاستمرار في الاستفادة من معاش الأب المتوفى، باتت الكثير من العزباوات، وخاصة المتأخرات في الزواج “العوانس” يحجمن عن هذا الأخير، وخاصة إذا كان العريس لا يستحق مثل تلك التضحية، مثلما تؤكد فاطمة، 48 سنة: “بعد وفاة والدي- رحمه الله- قُسم معاشه بيني وبين أمي وأختي العانس مثلي.. والغريب، أنه من لحظتها انهالت علينا عروض الزواج من بعض الشيوخ الطاعنين في السن، ممن يريدون زوجة لتعتني بالواحد منهم في أواخر أيام حياته. وطبعا، زيجات كهذه غير مغرية ولا تستحق مغامرة التضحية بمعاشنا المنقول، مقابل الذهاب للعمل كممرضة لشيخ هرم “طاب جنانو”.. وبنفس المنطق، تفكر سعاد، 49 سنة، التي تؤكد أن الزواج مدنيا لم يعد يستهويها، خاصة وأنها فقدت بتقدمها في السن فرصتها في الإنجاب. ولهذا، اختارت أن تلعب على الحبلين، وفي المضمون بالزواج عرفيا من رجل خمسيني، تقول إنه مجرد “خضرة فوق طعام”، ولا دور له في حياتها، سوى إمتاعها وتلبية احتياجاتها الغريزية، حتى لا تقع في الحرام، فهو غير مسؤول عنها، ولا ينفق عليها، ولا يتدخل في أي شأن من شؤونها، وإن أراد الرحيل، فستكون أول من يقول له: “باي باي”.
فراغ قانوني يشجع على الزواج عرفيا
رغم أن قوانين الصندوق الوطني للتقاعد صارمة في التصدي لأي تحايل من طرف الأرامل والعزباوات، بإسقاط حقهن في صرف المعاش المنقول، في حال ما إذا تزوجن بعقد شرعي موثق مدنيا. وهذا، عبر ترسانة من القوانين والإجراءات الاحترازية، كتحيين ملفهن دوريا، مع ضرورة تقديم الأرملة تحت الـ55 سنة تصريحا شرفيا سنويا بعدم إعادة الزواج تستخرجه من البلدية، ويشهد عليه شاهدان. وكذلك الحال بالنسبة إلى العزباء مهما بلغت سنها، إضافة إلى وجود قسم بالصندوق لمتابعة أي تغير في الحالة الاجتماعية لتلك الفئة من النساء، يعمل بالتنسيق مع مصالح الحالة المدنية. وفي حال اكتشاف زواج إحدى المستفيدات من المعاش المنقول، فإنه سيتم استدعاؤها لتدفع مقبوض الزيادة الذي أخذته دون وجه حق، منذ تاريخ عقد زواجها مدنيا، فإن لم يتوصل الصندوق الوطني للتقاعد إلى تسوية ودية معها، فسيحال ملفها على العدالة. قلنا، رغم كل ماسبق ذكره، إلا أنه يوجد فراغ قانوني في ما يتعلق بزواج تلك الفئة عرفيا، وهي الثغرة التي يقمن باستغلالها للاحتيال على الصندوق. إذ لا توجد أي قوانين مانعة لاستمرار استفادة الأرامل والعوانس المتزوجات عرفيا من المعاش المنقول، لأن مصالح الصندوق الوطني للتقاعد، كما يقول أحد مسؤوليه: “لا تتحرك ولا تتصرف إلا وفق ما تقتضيه القوانين الموجودة”.
وشايات من الضرات والأزواج والجارات
بل وحتى في حال اكتشاف أمرهن أو تمت الوشاية بهن، فإن مصالح الصندوق الوطني للتقاعد، كما تقول إحدى الموظفات به: “لا تملك أي صلاحيات قانونية لردعهن. وافتضاح أمرهن يكون غالبا عن طريق وشاية البعض بهن، ففي إحدى المرات مثلا، تقدمت أرملة إلى مصالحنا لتشي بضرتها التي تزوجت عرفيا، حتى يسقط حقها في صرف المعاش المنقول، الذي كانتا تقتسمانه بحكم القانون، لتنفرد بالاستفادة منه، وطبعا مصالحنا لم تتحرك ضد المعنية لأن الزواج كان عرفيا.”
والغريب، أن الوشاية باحتيال تلك الفئة قد تأتي من أزواجهن أحيانا، كما حدث لأرملة أعادت الزواج من أحدهم، وحينما رفضت مقاسمته ذلك المعاش، كما تقول موظفة أخرى بالصندوق الوطني للتقاعد: “تقدم للإبلاغ عنها، ولكنه، عبثا فعل ذلك، لأن زواجهما عرفي”.
وفي حالة أخرى، تضيف محدثتنا: “جاءت إحدى الأرامل تشكو إسقاطنا أحقيتها في الاستفادة من معاش المرحوم زوجها، وحينما أفهمناها أن إعادتها الزواج بعقد مدني أسقط حقها في المعاش المنقول، احتجت بجارتها الأرملة التي أعادت الزواج ولا تزال تقبض ذلك المعاش، ليتضح لاحقا أن زواج تلك الأخيرة عرفي.”
من يحتال على من؟
لتبرير احتيالهن على الصندوق الوطني للتقاعد، أجمعت عينات موضوعنا هذا على تساؤل احتجاجي واحد مفاده: ” لماذا يتم حرماننا من استحقاق المعاش المنقول في حالة الزواج، فهل إعادة الزواج بالنسبة إلى أرملة قضى زوجها أغلب عمره في العمل ودفع اشتراكات التأمينات الاجتماعية هو مبرر لحرمانها من ذلك المعاش؟ وهل يلغي ذلك حقيقة أنها أرملته؟”
والمفارقة العجيبة، أن ذات القانون يسمح للرجل المتوفاة عنه زوجته أي الأرمل بالاستمرار في صرف معاشها المنقول، إذا كانت مؤَمنة اجتماعيا، حتى في حالة إعادته الزواج من أخرى. فلماذا الكيل بمكيالين؟ ونفس الأمر بالنسبة إلى العزباوات.
“والمشكل المطروح هنا يحتمل حلّين، إما سن قانون يسمح للأرامل والعزباوات بصرف المعاش المنقول حتى في حالة زواجهن مدنيا، أو سن قوانين تسقط عنهن ذلك الحق في المعاش المنقول حتى في حالة زواجهن عرفيا، خاصة في ظل استثمار فئة أخرى من المحتالين في هذا الوضع، وهم صنف من الرجال الذين اعتادوا العيش على عرق النساء، أو بالأحرى على عظام أزواجهن وآبائهن النخرة، الذين صاروا يتصيدون هذه الفئة من النسوة للزواج بهن والعيش على المعاش المنقول الذي يقبضنه، مثلما يؤكد موظف في الصندوق الوطني للتقاعد، يتذكر أرملة جاءته ذات مرة لقديم شهادة عدم إعادة الزواج، وعندما سألها كما يقول: “لماذا تأخرت في ذلك؟ أجابتني بأن زوجها منعها من الخروج، وهي زلة اللسان التي كشفت لي أنها قد أعادت الزواج عرفيا، وعندما نصحتها بأن تُرسّم زواجها مدنيا “تعقد” لتستفيد من معاش زوجها الحالي لاحقا ولترث أملاكه، أجابتني قائلة: “هو وراه طامع في هاذ الشهرية، أي في معاش المرحوم زوجها.”
غش وخداع وأكل أمول الناس بالباطل
ترى دكتورة علم الاجتماع، سعاد توينة، بأن طغيان الجانب المادي والبراغماتي في المجتمع الجزائري، أثر على سلم القيم الاجتماعية، فتغيرت من خلاله معطيات الزواج السليم، ما يدفع الأرامل والعزباوات غير المكتفيات ماديا إلى رفض الطرق الرسمية للزواج، خوفا من أن يسقط عنهن استحقاقهن للمعاش المنقول. الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع معدلات الزواج العرفي والطلاق وحالات الأطفال دون وثائق هوية.”
وطبعا، هذا ما يستلزم حلولا لمكافحة الظاهرة، خاصة وأنها من أكل أموال الناس بالباطل، كما يقول الشيخ شمس الدين الجزائري: “فإذا كان شرط الصندوق الوطني للتقاعد لصرف معاش الأرملة المنقول ألا تعيد الزواج، فتتزوج هي عرفيا ولا تصرح لدى الصندوق بذلك، فهذا غش وخداع وأكل لأموال الناس بالباطل، لأن الأرملة أو العزباء المتزوجة لا حق لهما في ذلك المعاش المنقول، بحسب ما ينص عليه القانون.”