أزمة أدوية تحول المستشفيات إلى محطات لانتظار الموت
أزمة عير مسبوقة تعيشها المستشفيات عبر مختلف الولايات بسبب النقص الفادح في مختلف أصناف الأدوية، مما حول مصالح الاستعجالات بمختلف المؤسسات الصحية إلى ما يشبه محطة أخيرة نحو الموت المؤكد، كما أصبح دور الطبيب المناوب يقتصر على تحرير وصفة دواء للمرضى الذين تفاجئهم الآلام في ساعات متأخرة من الليل.
ويؤكد أطباء وممرضون -تحدثت إليهم الشروق- عبر عدد من المؤسسات الاستشفائية بالعاصمة أن ندرة الأدوية لم تتراجع منذ سنة تقريبا، وأن التصريحات التي كان يطلقها الوزير السابق جمال ولد عباس بشأن تخصيص مبالغ خيالية لتموين الصيدلية المركزية للمستشفيات بالأدوية كانت مجرد أكاذيب، بدليل أن الوضعية ازدادت تدهورا، بعد أن تحولت المستشفيات إلى مجرد هياكل خالية لا تقدم لمن يقصدها سوى المزيد من الآلام والمآسي.
ولا تقل سوء وضعية الوحدات الصحية التي أنشئت خصيصا للقيام بكل ما يتعلق بالاستعجالات الطبية، فهي لا تحمل من هذه المهمة سوى الإسم فقط، وقد وقفت الشروق على حالة وحدة الاستعجالات الكائنة ببلدية الرغاية التي أكد الطبيب المناوب بها عدم توفر المصلحة على الدواء الضروري لإسعاف الحالات المستعجلة، وهي الحالة نفسها التي وقفنا عليها بمستشفى الرويبة الذي صادف وجودنا به توافد عدد من المرضى المصابين بارتفاع الضغط الدموي والسكري الذين جلسوا على كراسي أمام غرفة الطبيب المناوب في انتظار دورهم، وقد اكتفى الطبيب بمعاينة حالتهم الصحية وتحرير وصفة دواء، وكان ذلك بعد منتصف الليل، وهي ساعة جد متأخرة يستحيل العثور فيها على صيدلية تزاول نشاطها.
وكانت وجهتنا فيما بعد مستشفى عين طاية على أمل أن تكون الوضعية أقل سوءا هناك، غير أنها لم تكن كذلك فالأزمة عمت جميع المؤسسات الصحية دون استثناء، وهو ما أكده طبيب مناوب تحدثت إليه الشروق الذي قال بأن المستشفيات لا تتوفر على أدنى أنواع الأدوية من بينها مسكن للآلام والحمى وصولا إلى الأدوية الخاصة بمرضى السرطان، وهو نفس ما سمعناه من ممرض آخر يعمل بمستشفى القبة الذي لم يجد من طريقة لمواجهة غضب المرضى الذين قصدوا مصلحة الاستعجالات بأن حلف لهم يمينا بأن الدواء مفقود وبأنه ليس بوسعه فعل شيء، وبأنه لا يمكنه أبدا أن يخفي الدواء ويعرض حياة المرضى إلى خطر مؤكد، متسائلا عن الوعود التي أطلقها الوزير السابق دون أن تتجسد على أرض الواقع.
ويؤكد مسؤول نقابة الصيادلة الخواص فيصل عابد في تصريح للشروق بأن أزمة الأدوية بالمؤسسات الصحية العمومية بدأت تتعقد منذ 2009، وقد عمقها الوزير السابق جمال ولد عباس، واتهم المتحدث وزيري الصحة السابقين عمار تو والسعيد بركات بالمساهمة في تعفين الوضع، فالأول كان لا يعترف أبدا بوجود ندرة في الأدوية، والثاني كان يتجاهلها تماما ولا يستمع أبدا لشكاوى وانشغالات النقابة الممثلة للقطاع، في حين أن ولد عباس أراد أن يجعل من الصيدلية المركزية للمستشفيات وصية على قطاع الأدوية، مع أن مهمتها الأصلية التي أنشئت لأجلها هي التكفل بتموين المؤسسات الصحية العمومية بالأدوية، دون أن تنشغل بأمور أخرى من بينها التوزيع.
وأفاد المتحدث أن الوزير الحالي عبد العزيز زياري كلفه رئيس الجمهورية شخصيا بالقضاء على أزمة الأدوية، وقد عقد لقاء مع النقابة التي تمثل الصيادلة مؤخرا، ووعد باتخاذ إجراءات استعجالية للقضاء على الندرة، من بينها استعادة الصيدلية المركزية مهامها الأصلية، وهي التكفل فقط بتموين المستشفيات بالأدوية، وكذا تنظيم وتقنين توزيع الأدوية وإخضاع الموزعين لدفتر شروط صارم، مرجعا الأزمة التي تعيشها المستشفيات إلى سوء التسيير الذي تعانيه الصيدلية المركزية التي أضيفت لها مهام لا تتناسب مع إمكانياتها المادية والبشرية.