الرأي

أزمة المفهوم في الخطاب السوسيولوجي

تكمن القيمة الحقيقية لأي تحليل سوسيولوجي في قدرته على تجاوز السطح الظاهر للواقع الاجتماعي نحو عمق معرفي يتأسس على بناء مفاهيمي محكم، فعندما نستعيد إرث ماركس، لا نستحضر مجرد أوصاف للطبقات الاجتماعية، بل نستدعي مفاهيم مثل “فائض القيمة” و”الاغتراب” و”الصراع الطبقي” التي أعادت صياغة الواقع الاقتصادي والاجتماعي ضمن إطار تحليلي صارم. وحين نقرأ دوركهايم، نجد أنفسنا أمام “التضامن الآلي والعضوي” و”الوعي الجمعي” و”الأنومية”، وهي مفاهيم لم تكن موجودة في اللغة اليومية، بل صاغها الباحث ليحوّل الظواهر الاجتماعية من معطيات خام إلى مواضيع علمية قابلة للتحليل والمقارنة. أما فيبر، فقد منحنا “الفعل الاجتماعي” و”السلطة الكاريزمية” و” البيروقراطية” كأدوات تحليلية تخترق البنى المعقدة للحداثة الغربية.

هذا التقليد في صناعة المفاهيم هو ما يميز العلم الاجتماعي عن الخطاب الصِّحافي أو الأدبي، مهما بلغت جودة الأخير؛ فالمفهوم ليس مجرد كلمة أو مصطلح، بل هو أداة معرفية تقوم بعملية تجريد منهجية، تنتزع الظاهرة من سياقها المباشر وتضعها في إطار نظري يسمح بمقارنتها وتفسيرها وربطها بظواهر أخرى. المفهوم هو الوسيط الذي يحول الواقع المعطى للملاحظة العابرة إلى واقع معاد بناؤه علميا، واقع يمكن التحكم فيه معرفيا وتحليله بدقة.

في السياق الجزائري، يبرز مالك بن نبي كنموذج استثنائي لمفكِّر استطاع أن يبدع مفاهيم أصيلة تحمل قدرة تفسيرية عميقة، مثل “القابلية للاستعمار”. هذا المفهوم لم يكن مجرّد وصف لحالة الخضوع السياسي، بل كان تشخيصا نفسيا وثقافيا واجتماعيا لبنية داخلية تجعل المجتمع قابلا للهيمنة الخارجية. بن نبي لم يكتفِ بسرد تاريخ الاستعمار أو تعداد مظاهره، بل صاغ مفهوما يفسِّر الآليات الداخلية التي تسبق الاستعمار وتمهِّد له وتستمر بعده. هنا يكمن الفرق بين المفكر الذي يصف والمفكر الذي يفهم ويفسّر من خلال بناء مفاهيمي متماسك.

الواقع السائد في الخطاب السوسيولوجي في الجزائر يكشف عن أزمة حقيقية في البناء المفاهيمي. هناك ابتذالٌ واضح يتجلى في هيمنة الخطاب السردي الذي يستعير لغته من الحياة اليومية ومن الصحافة ومن الأدب وحتى من الدين، دون أن يقوم بالعملية الضرورية للتجريد العلمي. نجد أبحاثًا تمتلئ بالأوصاف والتعميمات الفضفاضة، لكنها تفتقر إلى المفاهيم الدقيقة التي تمنح التحليل عمقه وصرامته. هذا النوع من الخطاب يسقط في فخ البساطة بمعناها السلبي، إذ يتم تداول عبارات وكلمات ساذجة تحت مسمى “علم الاجتماع” دون أن تمر بعملية التحويل المعرفي الضرورية.

هذا التميُّز المفاهيمي ليس ترفا أكاديميا، بل هو جوهر العمل السوسيولوجي نفسه. وكما يذهب جيل دولوز في تصوُّره للفلسفة، فإن الإبداع الفلسفي يتمثل في إبداع المفاهيم، تماما كما يبدع المهندس آلة جديدة أو يبدع الفنان عملا فنيا. الفيلسوفُ الحقيقي وكذلك السوسيولوجي الحقيقي، هو من يصنع مفاهيم جديدة تمكِّننا من رؤية العالم بطريقة لم نكن نراه بها من قبل. المفهوم عند دولوز ليس تعريفا جامدا، بل هو “حدثٌ فكري” يفتح آفاقا جديدة للفهم ويعيد تنظيم علاقاتنا بالواقع.

لكنَّ الواقع السائد في الخطاب السوسيولوجي في الجزائر يكشف عن أزمة حقيقية في البناء المفاهيمي. هناك ابتذالٌ واضح يتجلى في هيمنة الخطاب السردي الذي يستعير لغته من الحياة اليومية ومن الصحافة ومن الأدب وحتى من الدين، دون أن يقوم بالعملية الضرورية للتجريد العلمي. نجد أبحاثًا تمتلئ بالأوصاف والتعميمات الفضفاضة، لكنها تفتقر إلى المفاهيم الدقيقة التي تمنح التحليل عمقه وصرامته. هذا النوع من الخطاب يسقط في فخ البساطة بمعناها السلبي، إذ يتم تداول عبارات وكلمات ساذجة تحت مسمى “علم الاجتماع” دون أن تمر بعملية التحويل المعرفي الضرورية.

هنا يصبح من الضروري التمييزُ بين نوعين من الخطاب: الخطاب البسيط والخطاب المبسط. الخطاب البسيط هو خطاب يتوهم أن استخدام اللغة العادية وتجنب التعقيد المصطلحي يكفي لإنتاج معرفة سوسيولوجية. هذا الخطاب يتعامل مع الظواهر الاجتماعية بالمنطق نفسه الذي يتعامل به الفرد العادي، دون أن يُحدث القطيعة المعرفية التي تحدَّث عنها غاستون باشلار، تلك القطيعة الضرورية بين المعرفة العفوية والمعرفة العلمية. إنه خطابٌ يكتفي بإعادة إنتاج الوعي الشائع ملبِسا إياه عباءة أكاديمية.

في المقابل، الخطاب المبسط هو خطاب يبدأ من المفهوم المجرد والإطار النظري الصارم، ثم يعمل على تقريبه وشرحه بلغة يفهمها الجمهور الأوسع. هذا الخطاب لا يتخلى عن الدقة المفاهيمية، بل يسعى إلى جعلها متاحة ومفهومة. الفرق جوهري: الخطاب البسيط يبدأ وينتهي في مستوى اللغة العادية، بينما الخطاب المبسط يبدأ من مستوى التجريد العلمي ثم ينزل إلى مستوى التواصل العامّ دون أن يفقد محتواه المعرفي. عندما شرح دوركهايم مفهوم “الأنومية”، لم يكن يستخدم كلمة من اللغة اليومية، بل صاغ مفهوما جديدا، لكنه استطاع أن يشرحه من خلال أمثلة ملموسة مثل ارتفاع معدلات الانتحار في فترات التحولات الاقتصادية السريعة.

الأزمة التي نعيشها اليوم في الحقل السوسيولوجي الجزائري تتجلى في غياب هذه الصناعة المفاهيمية. هناك وفرة في  في المذكّرات والرسائل، لكن هناك ندرة في المفاهيم الأصيلة التي يمكن أن تشكل إضافة حقيقية للمعرفة السوسيولوجية. كثير من البحوث تكتفي بتطبيق مفاهيم غربية جاهزة على الواقع دون تكييف حقيقي، أو تسقط في السردية الوصفية التي تظن أن تعداد الظواهر وسرد تفاصيلها يكفي لإنتاج معرفة علمية. هذا الاتجاه يفتقر إلى ما سماه بيير بورديو “بناء الموضوع”

l’objectivation ، أي عملية بناء الموضوع العلمي من خلال إطار مفاهيمي ونظري يعيد صياغة الواقع الاجتماعي.

جذور هذه الأزمة متعددة. أولاً، هناك إشكالية في التكوين الأكاديمي الذي كثيرا ما يركز على نقل المعرفة الجاهزة بدلا من تدريب الباحثين على عملية البناء المفاهيمي. ثانيا، هناك ضغط متزايد نحو إنتاج “معرفة سريعة الاستهلاك” تستجيب لمتطلبات النشر والترقية الأكاديمية دون أن تملك الوقت والعمق الضروريين لإنضاج المفاهيم. ثالثا، هناك خلط شائع بين “الوضوح” و”التسطيح”، حيث يُظن أن المفاهيم المعقدة هي مجرد تعقيدٍ لغوي لا ضرورة له، بينما الحقيقة أن التعقيد المفاهيمي الضروري يعكس تعقيد الواقع نفسه.

الخطاب الوعظي والأدبي يطغى على كثير مما يُكتب ويسمع تحت مسمى علم الاجتماع. هذا الخطاب يستسهل الأحكام القيمية ويستبدل التحليل بالموقف الأخلاقي، ويستعيض عن المفهوم بالاستعارة الأدبية. صحيحٌ أن الاستعارة يمكن أن تكون أداة توضيحية مفيدة، لكنها لا يمكن أن تحل محل المفهوم العلمي الذي يتميز بالدقة والقابلية للتطبيق المنهجي والقدرة على التعميم المضبوط. عندما وصف ماركس “دين الطبقة العاملة” أو تحدَّث عن “شبح الشيوعية”، كان يستخدم استعارات بلاغية، لكن البناء التحليلي لديه يقوم على مفاهيم صارمة مثل “علاقات الإنتاج” و”قوى الإنتاج” و”البنية التحتية والبنية الفوقية”.

إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب العودة إلى جوهر العمل السوسيولوجي، وهو البناء المفاهيمي الصارم. هذا لا يعني الانغلاق في برج عاجي من المصطلحات المعقدة، بل يعني الالتزام بعملية التجريد العلمي التي تحوِّل الظاهرة الاجتماعية من معطى حسِّي عابر إلى موضوع علمي قابل للدراسة والتحليل. المفهوم الجيد هو الذي يمتلك قدرة تفسيرية، أي يمكننا من فهم ظواهر لم نكن نفهمها من قبل، وقدرة تصنيفية، أي يسمح لنا بتمييز أنواع مختلفة من الظواهر، وقدرة تنبُّؤية، أي يساعدنا على توقُّع تطوٌّرات معينة في الواقع الاجتماعي.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن للسوسيولوجيا عندنا أن تُنتج مفاهيم أصيلة تضاهي “القابلية للاستعمار” عند بن نبي؟ هل يمكن أن نرى ظهور مفاهيم تنبثق من دراسة عميقة للواقع الجزائري، مفاهيم تتجاوز مجرد ترجمة أو تطبيق المفاهيم الغربية؟ الإجابة بنعم ممكنة، لكنها تتطلب تحولا جذريا في الممارسة السوسيولوجية. تحوُّلٌ يبدأ من التكوين الأكاديمي الذي يجب أن يركِّز على تنمية القدرة على التفكير المفاهيمي، ويمتدُّ إلى معايير التقييم البحثي التي يجب أن تقدِّر العمق والأصالة المفاهيمية أكثر من الكم والسرعة في الإنتاج.

إن الدعوة إلى الصرامة المفاهيمية ليست دعوة إلى النخبوية المعرفية، بل هي دعوة إلى احترام الواقع الاجتماعي في تعقيده، واحترام الجمهور الذي يستحقُّ معرفة حقيقية وليس مجرد انطباعات عابرة. الخطاب المبسط الذي يبدأ من المفهوم الصارم ثم يشرحه بلغة واضحة هو أكثر احتراما للقارئ من الخطاب البسيط الذي يتعامل معه وكأنه عاجزٌ عن فهم أي شيء يتجاوز الوعي العفوي. السوسيولوجيا الحقيقية تثق في قدرة الناس على فهم المفاهيم المعقدة عندما تُشرح بطريقة جيدة، ولا تستسهل النزول إلى مستوى الحديث اليومي تحت ذريعة “التبسيط”.

في النهاية، العمقُ المعرفي لأي تحليل سوسيولوجي يظل مرهونا بقدرته على إنتاج مفاهيم تعيد صياغة فهمنا للواقع. المفهوم هو الوحدة الأساسية للمعرفة السوسيولوجية، ومن دونه نبقى في مستوى الوصف الصحفي أو السرد الأدبي، مهما تزيَّنت كتاباتنا بالمراجع والهوامش الأكاديمية. التحدي الذي يواجه السوسيولوجيا الجزائرية اليوم هو تحدي الانتقال من ثقافة الاستهلاك الكلامي إلى ثقافة الإنتاج المفاهيمي، من علم الكلام إلى كلام العلم وفق صناعة مفاهيم أصيلة تنبثق من دراسة عميقة وصارمة للواقع الاجتماعي. هذا هو الطريق الوحيد نحو سوسيولوجيا حقيقية، سوسيولوجيا تستحق الاسم.

مقالات ذات صلة