أزمة بلد يشتغل بتدوير فكر البعد الواحد
على ما يبدو، لم يقلق الانهيار الحاصل في أسعار النفط لا السلطة ولا المعارضة، كما لم يقلقهما تفاقم التهديدات الأمنية على حدودنا الجنوبية والشرقية، واشتعال الجبهة الاجتماعية بمسلسل جديد من الاحتجاجات الفئوية، وعودة التعفن لملف المواجهات المسيّرة عن بُعد في غرداية.
فقبل أيام قليلة كان الرئيس قد تجاهل في رسالته مطالب المعارضة جملة وتفصيلا، وأصر على الذهاب قريبا إلى طرح التعديل الدستوري بما استخلص من المشاورات التي قادها أويحيى، وقاطعتها المعارضة المنتظمة في التنسيقية، فيما جدد رئيس حركة “حمس” أمس، في منتدى “الشروق“، تشبّث المعارضة بمطلب التنسيقية الجديد الداعي إلى تنظيم رئاسيات مسبقة.
السيد مقري اعترف أن قرار تنسيقية الانتقال الديمقراطي بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مسبقة هو “رفعٌ لسقف المطالب” بعد أن قدرت التنسيقية صعوبة تفعيل المادة 88 من الدستور بسبب الإعاقات التي تعترضه عند التطبيق كما قال.
وبين الموقفين، انفرد موقف “الأفافاس” والسيد مولود حمروش بقدر من المرونة والبراغماتية. الأول بالدعوة إلى حوار لبناء إجماع وطني لم يقيّده بمضمون مسبق، والثاني بموقف يرى أن تجاوز الانسداد الحاصل في البلد يحتاج أولاً إلى توافق بين الشخصيات الثلاث الماسكة بمواقع صناعة القرار في الدولة: الرئيس بوتفليقة، ورئيس الأركان الفريق قايد صالح، ورئيس مديرية الاستعلامات والأمن الفريق مدين، توافق يسمح بوضع قطار الحوار على السكة، مع التزام الثلاثة بمواكبة الحوار ودعمه في مختلف مراحله.
لا شك أن كلا من قيادة الأفافاس والسيد حمروش هما على توافق ظاهر مع بقية مكوّنات المعارضة حول حتمية التغيير، لكن بشرط إدارة التغيير في مناخ منظم وآمن، لأن التغيير كما يقول السيد حمروش ينبغي أن يكون متحكما فيه، وبعيدا عن أي ضغط يمارَس على المتحاورين، حتى ينتج التوافق المرجوّ.
خيار السلطة الذهاب منفردة إلى تعديل الدستور هو نوعٌ من الترحيل المبطّن لاستحقاق البحث عن توافق وطني، قد يسمح للبلد بتجاوز حالة الانسداد التي وصفها السيد حمروش بـ “نهاية مرحلة لم يعد فيها النظام قادراً لوحده على تجديد أفكاره ووجوهه التي يعيد تدويرها منذ ربع قرن“ . كما أن التنسيقية إنما تضمر بدورها نيّة ترحيل الحوار إلى ما بعد تنظيم رئاسيات مسبقة، ليتقاطع الموقفان عند الرفض المعلن والمضمر للحوار، فيما يراهن كل طرف على ما يكون قد شُبِّه له من ضعف ووهن عند الطرف الآخر ليس إلا.
ولأن المبرّرات التي ساقها الطرفان لا تبدو مقنعة، فإن رفضهما الذهاب إلى الحوار، ليس له سوى تفسير واحد، وهو الشعور غير المعلن بالعجز عن توليد أفكار جديدة، يخشى منها أن تملي بالضرورة تجديد وجوه ورجالات المشهد السياسي بالجملة، وهو ما لا يرغب فيه لا أركان السلطة، ولا قيادات الأحزاب السياسية المصابة بذات الزمانة التي أصابت السلطة بالمعنيْين الحقيقي والمجازي، لأن أزمة الجزائر المركّبة قد وُلدت ونمت مع هذا الدستور المعتلّ الذي أسقط نظام الحزب الواحد، ولم يُسقط معه ثقافة سياسية كانت وما تزال تشتغل ببُعد واحد.