أزمة وتصعيد بين الجزائر وفرنسا
عادت العلاقات الجزائرية الفرنسية، هذه الأيام، إلى سابق عهدها في التوتر، ويبدو أن فترة شهر العسل التي طبعت العلاقات بين البلدين منذ وصول الرئيس فرنسوا هولاند إلى سدة الحكم انتهت، وبدأت بوادر الطلاق البائن تلوح في الأفق، وتلغم زيارة الوزير الأول الفرنسي ايمانويل فالس إلى الجزائر اليوم.
ففي سابقة هي الأولى من نوعها، خلال العشرية الأخيرة، تستدعي الخارجية الجزائرية سفير فرنسا بالجزائر بيرنار إيمي، مرتين في أقل من ستة أشهر لتعبر عن احتجاجاتها، فوزارة الشؤون الخارجية التي استدعت السفير الفرنسي في 18 أكتوبر الماضي للاحتجاج وطلب توضيحات بخصوص حادثة إخضاع وزير الاتصال حميد قرين للتفتيش بمطار أورلي بباريس، صعدت هذه المرة اللهجة وجعلت مستوى الاحتجاج عند مستويات أعلى، فبعد أن كانت قد كلفت مدير التشريفات بالوزارة بمهمة استقبال السفير في المرة الأولى، تكفل هذه المرة وزير الشؤون الخارجية رمطان لعمامرة شخصيا بمهمة إبلاغ السفير احتجاج الجزائر على الحملة “المغرضة ” وتزييف الحقائق الذي طالها مؤخرا، عبر عدة كتابات صحفية ، وعبر عدد من المنابر الإعلامية كان آخرها إقحام صحيفة “لوموند” صورة الرئيس بوتفليقة في ما اصطلح عليه “أوراق بنما “.
وبحسب المتابعين للشأن الدبلوماسي، ففي الأعراف والتقاليد الدبلوماسية احتجاج من هذا النوع وعند هذا المستوى يعتبر بمثابة الرسالة إلى رئيس الدولة، قناعة منها أن الحملة تتجاوز الإعلام وحرية التعبير إلى الإيعاز والمهماز، وهو الأمر الذي أراد قوله لعمامرة للسفير الفرنسي ، عندما أكد أنها حملة معادية للجزائر ظهرت في نشاطات عامة أخرى، غير حرية التعبير والعمل الإعلامي.
العلاقات الجزائرية الفرنسية التي عرفت نوعا من الدفء بوصول هولاند إلى الحكم وزيارة الدولة التي قادته إلى الجزائر نهاية 2012، مهددة هذه الأيام بالعودة إلى سابق عهدها فترة حكم الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، والتي طبعها جمود وأزمة على خلفية الثقل التاريخي الضاغط بين طرف جزائري يريد من فرنسا “الاعتراف” بجرائمها إبان الفترة الاستعمارية كمرتكز أساسي لكل علاقة ثنائية قائمة على السيادة والندّية، وبين طرف فرنسي يريد قفز على ماضيه الاستعماري باعتباره جزءا لا يتجزأ من تاريخ فرنسا التي ستتنكر لكل تاريخها إن تنكّرت له.
بوادر التوتر في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، أخذت العديد من الصور وفضحت ازدواجية الخطاب السياسي للإدارة الفرنسية، التي ستكون اليوم في زيارة إلى الجزائر ممثلة في شخص وزيرها الأول ايمانويل فالس، المطالب بتقديم توضيحات حول العديد من الملفات والقضايا، إن لم تكن ضمن اللقاءات الثنائية التي سيعقدها فعلى الأقل هو مطالب بتقديم توضيحات للرأي العام خلال الندوة الصحفية المنتظرة غدا، حول موقف بلده الداعم للمغرب، وحول محاولات إدارة بلده كذلك إلصاق تهمة الإرهاب بالمهاجرين من أصول جزائرية كلما دعت الضرورة إلى ذلك، النبش في قضية رهبان تيبحرين عشية كل ذكرى لعملية الاغتيال وغيرها من الملفات.
فرنسا التي استثمرت في تخفيف الجزائر من لهجتها في مطالبتها بالاعتذار عن جرائمها الاستعمارية، تطعن الجزائر في الظهر كلما أتيحت لها الفرصة، ففي المجال الاقتصادي الجزائر شريك، وفي الشق السياسي الجزائر غريم، رغم أن رمطان لعمامرة هذه المرة انتفض في وجه نظيره جون مارك إيرو، ووضع النقاط على الحروف عندما قال إن العلاقات السياسية الخارجية للبلدين ليست على ما يرام وطالب فرنسا بتوضيح موقفها من طرد المغرب لأعضاء من بعثة المينورسو وموقفها الداعم له في احتلاله للصحراء الغربية، متخطية بذلك لوائح الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
بعيدا عن حيثيات تسريبات “أوراق بنما” وكيفية معالجة والتعاطي مع الموضوع من قبل الصحيفة الفرنسية من حيث الحجم والمساحة التي خصصت للشخصيات المعنية، والتي أبانت تحاملا على الأسماء الجزائرية مقارنة بالفرنسية، مشهد آخر من مشاهد بوادر الأزمة يظهر في رفض الجزائر تمكين وسيلتين إعلاميتين من تأشيرة دخول أراضيها لتغطية الدورة الثالثة للجنة الحكومية المشتركة، فيما لجأت باريس إلى إطلاق استفزاز جديد بإعلان شركة رونو الفرنسية توسيع استثماراتها بالمغرب.
اللامبالاة الفرنسية على احتجاج الجزائر على الإساءة لمؤسسات الدولة الممثلة في شخص الرئيس، أعادت إلى الذاكرة حادثة تصريحات وزير المجاهدين السابق محمد الشريف عباس حول الأصول اليهودية للرئيس ساركوزي عشية زيارته إلى الجزائر وهي التصريحات الإعلامية التي أقامت فرنسا الدنيا عليها يومها ولم تقعدها.