أسعدك الله يا سعيد
ودّعت الجزائر في يوم الاثنين الماضي (5-12-2022) أحد أبنائها الصالحين المصلحين بعد ما عاش عمرا طويلا في عمل الخير، إنه الأستاذ سعيد شيبان الذي ما علم الناس عليه من سوء، فقد كان ممن هداهم الله – عز وجل – إلى عمل المبرّات، دون منّ أو استكثار.. لقد كان طبيبا للعيون بالعلم، وطبيبا للنفوس بالإيمان.
سعدت بمعرفة الأستاذ سعيد في أوائل الثمانينيات في وزارة الشؤون الدينية، حيث كنّا نتحلّق حول الأستاذ عبد الوهاب حمودة – رحمه الله – الذي وهبه الله – عز وجل – موهبة جليلة، وهي القدرة على ائتلاف قلوب الناس واستثمار قدراتهم، حيث كنا بعد نهاية أعمالنا نتوجه إلى وزارة الشؤون الدينية لإعداد محاور ملتقيات الفكر الإسلامي التي كان الأستاذ عبد الوهاب مديرا لها..
كان الأستاذ سعيد واسطة عقدنا مع الطبيب الآخر أحمد عروة – رحمه الله – فكنا – نحنا شبّان ذلك العهد نزداد بمجالستهم علما، ونجتهد لنقتدى بهم خلقا.. فقد كنا لا نتحدّث عن علمهم كما نتحدث عن أخلاقهم التي يتربع على رأسها خلق التواضع في عزة المؤمن.
وفي شهر مارس من عام 1989 التحقت بوزارة الشؤون الدينية، وما هي إلا بضعة أشهر حتى عيّن الأستاذ سعيد وزيرا لها، بعد ما قبل ما اشترطه لتوليها، وهو أن يكون صباحه لمرضاه في مستشفى مصطفى، ومساؤه للوزارة..
لقد عاشرناه في الوزارة وفي السفر، فلا نجد فرقا بيننا وبينه.. وقد سافرت معه فكان مدرسة متنقلة في العلم، وكان منبعا في حسن الخلق إلى درجة أنه كان في إحدى السفريات يقشّر البرتقال لسائقه وأحد المسؤولين العاملين معه.
كنا ذات مرة في مهمة رسمية بمدينة الأغواط، وبعد الغداء آوينا على غرفنا، وكان الجر حارا، وما هي إلا دقائق حتى جاءني إلى غرفتي، وقال لي: تعال نذهب إلى مقر الإشراف على “شؤون الكنيسة” في الجنوب وكان أيامئذ في الأغواط قبل أن ينقل إلى مدينة غرداية. وفي طريق العودة سيرا على الأقدام لقربه من مقر الإقامة حدّثني على نعمة وحدة الشعب الجزائري دينيا، فقرأت عليه قول شاعر ابتلي وطنه بتعدد الأديان والمذاهب فتفرق أسباطا أمما:
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلا وسهلا بعده بجهنّم.
في أحد الأيام ألقى أستاذ في الاقتصاد – محمد فرحي الأستاذ الآن في جامعة الأغواط – حديثا دينيا عن الربا وأضراره، وفي اليوم الموالي جاءته مكالمة من مسؤول كبير اعتبر ذلك الحديث تحريضا للجزائريين على عدم التعامل مع البنوك، وكانت الجزائر في ضائقة مالية، فردّ عليه الأستاذ بأننا لم نقل للجزائريين لا تتعاملوا مع البنوك، وما قلنا لهم إلا ما أمرتنا به الدولة من تبليغ ما جاء به القرآن الكريم وسنة الرسول – عليه الصلاة والسلام – كما أمرت وزارة الصحة بتبليغ الجزائريين عن أضرار التدخين والخمر دون طلبهم بعدم تناولهما، فبلع ذلك المسؤول لسانه. لقد كان للأستاذ سعيد الفضل في إنشاء سلك المرشدة الدينية في الوزارة. رحم الله الأستاذ سعيد وأسكنه في روضات الجنات.