أسواق الخردة.. الماضي الذي يباع فوق الأرصفة!
كُلّ شيء للبيْع في أسواق الخردة أو “الدلالة”.. الجديد والقديم، الصّالح والتالف، العصري والتقليدي، بل قد تجد أشياء معروضة للبيع أصلا هي لا تباع ولا تُشترى، مثل طقم أسنان قديم أو حقن مُستعملة أو فردة حذاء..! فما حكاية أسواق “الدلالة” التي تتشبّث بالبقاء في عزّ الرقمنة، بل باتت قيمة اجتماعية لها رمزية كبيرة في المُجتمع.
تتوسط العديد من الأحياء العتيقة والأزقة الشعبية عبر الوطن، وتستقطب جميع الفئات من فقير وغني، رجل وامرأة، عامل وبطال.. وكل من يدخلها له مآرب، فمنهم البائع والمُشتري، المتجوّل، الباحث عن فرص ذهبية، ضحية سرقة جاء بحثا عن حاجته، مُتقاعد هاربٌ من وحدته، مرهق نفسي متسلل من قفص اكتئابه..
أسرار مخفية في هذه الأسواق
أسواق ” الدلالة” أو الخردة اسم على مسمى، فكل ما يُعرض ظاهريا بها هو عبارة عن خردوات، لدرجة تجعلك تتساءل في قرارة نفسك، لماذا يمضي البائع يوما كاملا ليبيع أشياء لا يربح منها إلاّ بضع دنانير؟ ولكن بمجرد تعمّقك في هذه الأسواق وإطلاعك على خباياها ستكتشف أسرارا مخفية، وستعلم أن هذه السّوق ليست لبيع التفاهات مثلما يعتقد كثيرون، بل هي أكثر من ذلك بكثير.
ومصطلح “دلالة” مشتق من الكلمة العامية “التدليل” بالشيء، أي التجوّل به لغرض بيعه، ومثلما أخبرنا أحد باعة هذه الأسواق، فمنذ القدم كان الشخص الذي يحتاج مبلغا معينا مهما كان بسيطا، ينزع غرضا يمتلكه ويقوم بـ”التدليل” به في الأسواق.
“الشروق” تجوّلت داخل بعض أسواق “الدلالة” في الجزائر العاصمة، وتقربت من باعتها ورصدت ما يدور داخلها.. بدأنا جولتنا من أشهر سوق “دْلالة” وأقدمها في العاصمة، وهو سوق “وادي كنيس” برويسو، وشهرة هذه السوق اكتسبتها من تنوع تجارتها، ففيها تباع الخردة، الذهب والملابس الجديدة والقديمة، النحاس، الأجهزة الكهرومنزلية المستعملة، تحف فنية ولوحات لرسامين مشهورين، أثاث خشبي مستعمل معاصر وتقليدي، الهواتف والساعات.
مدخل السّوق.. أول محطة لاصطياد الفرص الذهبيّة
الدخول أو التبضّع في سوق وادي كنيس، يبدأ من مدخل السوق أين يقابلك أشخاص يترصدون لكل من يقف أو يهم لدخول السوق التي لها مدخلان ضيّقان، علّه يكون فرصة ثمينة لهم.. عند وصولنا لسوق وادي كنيس وقفنا أمام مدخله بُرهة لإجراء مكالمة هاتفية، وأثناءها رصدنا شابا يروح ويجيء ويرمقنا بنظرات غريبة غير مفهومة، وبعده شاب آخر يحوم حولنا وكأنه يودّ قول شيء..
وفي وسط تساؤلاتنا وتغييرنا لمكان وقوفنا، زالت حيرتنا بعد برهة، لأننا اكتشفنا سرّ تلك النظرات.. فأثناءها نزل شخص من سيارته يحمل صندوقا يبدو ثقيلا، وبمجرد وقوفه في المكان الذي تواجدنا فيه سابقا، وإذا بأكثر من شخص يهرول نحوه ويحيط به في لمح البصر، والكلّ يمد يديه للصندوق ويعطي “سومة”.. أخرج صاحب الصندوق شيئا يبدو جهازا إلكترونيا وهو يقول “أقلّ من 400 ألف ما نطلقوش”.. ولأنه لم يجد المشتري المناسب، أخذ بضاعته وتسلل مُسرعا وسط السوق، كل ذلك استغرق دقائق فقط.
“الدلاّلون”.. مستحوذون على السّوق ولهم نسب مالية
في مدخل سوق وادي كنيس، يقف أشخاص يطلق عليهم تسمية “الدلاّلين”، مهمّتهم تصيد كل شخص يود بيع شيء ما، فيعرضون عليهم سعرا معينا ثم يعاودون بيع تلك البضاعة لربح بعض المال.
فـ”الدلاّل” إما يشتري البضاعة من صاحبها الأصلي ليعيد بيعها، أو يتفق مع صاحبها أن “يُدلّل” له ببضاعته مقابل نسبة من المال غالبا لا تتعدى 5 أو 10 بالمائة من سعر البيع.
وبعض الأشخاص من محتاجي المال أو من قاموا بتغيير أثاث منازلهم القديمة، يحضرونه ويتوقفون أمام مدخل وادي كنيس، ولا يحتاجون أصلا للبحث عن مشترين، فـ”الدّلالون” سيهرولون إليهم في لمح البصر.
وفي هذا السياق، كشف لنا “محمد” وهو شاب وجدناه في السوق، بأنه اشترى مرّة مجموعة زرابي غرداية وبسعر منخفض جدا، بعد ما لمح صاحبها يُخرجها من سيارته لغرض البيع.. “اصطدته قبل دخوله السوق” قال مُحدثنا.
وسوق وادي كنيس عبارة عن طريق ضيقة للسيارات والمارّة، يضع الباعة المقدر عددهم بالعشرات بضاعتهم على أكياس بلاستيكية على حافّة الطرق.. والطّريف أن كل شيء يبيعونه، بطاريات، ساعات يد، قلم أزرق، فردة حذاء، كيس دواء لمكافحة الـ”قرلّو”..، أدوات زينة منتهية الصلاحية، ملعقة أكل..
معروضات للبيع بوثائق أصحابها..!
توقفنا أمام معروضات كهل كان يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه وهو جالس فوق صخرة، سألناه عن ثمن حقيبة يد نسائية كان يعرضها للبيع.. والحقيبة كانت في حالة يُرثى لها، ومع ذلك أجابنا البائع بنبرة كلها ثقة.. 200دج والله يربّح.. والمفاجأة كانت عند فتحي للحقيبة، وجدتُ بداخلها عدة بطاقات “carte visite” وقلم أزرق، حبره السّائل لطخ الحقيبة كلية من الداخل، إضافة إلى شهادة ميلاد قديمة لامرأة..!
وساعتها نطق البائع “هذا الصّاك آفار غير أدّيه..؟”.. أمام غرابة وطرافة هذا الموقف، لا يمكنك حتى مناقشة هذا الشخص أو سؤاله عن مصدر هذه الحقيبة التي تحمل أغراض صاحبتها، وأكيد ليست مسروقة، لأنها “بالية” جدّا.
واصلنا جولتنا بين المعروضات، فشدّ انتباهنا وجود طاولات تعرض “تصديرة عروس” قديمة جدا، وليست حتى من الملابس التراثية، بل فساتين بسيطة جدا من قماش “النيلون” ومع ذلك تجد باعتها يعلقونها وينظفونها، وأثمانها بين 400 دج و1000 دج للقطعة الواحدة.. وشاب كان يبيع كمية من خيوط الأحذية، والغريب أنك لا تجد زوجين متطابقين فكل خيط بلون، وآخر يبيع أغطية الأقلام..!
ويتفنن الباعة في عرض سلعهم المتنوعة، ويهتمون بتنظيفها كل مرة، ومن كثرة إقناعهم لك قد تشتري غرضا لا تحتاجه أو سبق أن رميت مثله.
..حتى الأثرياء يُفضّلونها..!
وسوق وادي كنيس، لا يقصده أشخاص من طبقات بسيطة فقط، بل هي مقصد للأثرياء أيضا، وكشف لنا عمي “مسعود” الذي كان يعرض أواني نحاسية قديمة، بأن من زبائنه دبلوماسي جزائري لا يزال في الخدمة، كلما يأتي من الخارج يقصده في وادي كنيس لشراء قطع نحاسية والتي يعشقها، وأحيانا هو من يحضر بعض القطع النحاسية ليبيعها في وادي كنيس. وأضاف محدثنا “هذا الدبلوماسي أخبرني بأنه يفضل التجول في أسواق الخردة، والتي يجد فيها متعة أكثر من المراكز التجارية الفارهة”.
إضافة إلى الخردوات، فأكيد واد كنيس هو سوق للذهب المستعمل وملابس “الكابة” الجديدة، والهواتف الغالية، وتجد فيها لوحات فنية رسمها مشاهير وصور نادرة لمجاهدين، وأثاث فاخر مستعمل.
انتقلنا لاحقا إلى سوق “الدلالة” بالحراش شرق العاصمة، والتي يكثر فيها الجنس اللطيف عكس وادي كنيس، لأنها تتواجد بالقرب من سوق ملابس “الشيفون” المعروف، وهنا عدد الباعة أكثر ومعروضاتهم متنوعة بين الجديد والقديم، ومعظمها عبارة عن خردوات أيضا.
طقم أسنان مستعمل بـ1000 دج..
ومن أغرب ما وجدناه يبُاع، طقم أسنان بمبلغ 1000 دج..! سألنا صاحبه مازحين “أليس طقم أسنان لشخص ميّت..؟”، ولكن البائع تجاهل وبغضب سؤالي وكأنه لم يسمعه. فهل يمكن إعادة “رسكلة” أو استعمال طواقم الأسنان، علما أن كل شخص له مقاس فم مختلف.
“نجيبة” سيدة وجدناها تتجول بين الطاولات، ولكنها لم تشتر شيئا، وأخبرتنا بأنها تفضل شراء ملابس “الشيفون” أو “البالة” على شراء الملابس من طاولات “دلالة”، لأنها رثّة و”موضة قديمة” على حدّ قولها، متسائلة “من يشتري تصديرة عروس تعود لسنوات الستينات..؟”.
تنقلنا لاحقا، إلى سوق لعقيبة ببلكور، والذي يعتبر أكثر ازدحاما وحركيّة، وهو أفضل من حيث الأسعار الزهيدة.. استوقفنا هنالك مشهد سيدة طاعنة في السن واقفة أمام شاب يبيع ملابس رجالية مستعملة، كانت في حالة قلق وتسأله عن ولدها، ولأنني كنت بالقرب منها، استدارت نحوي وشرعت في سرد قصتها.
يسرق ملابس والدته ليبيعها في “دلالة”..
لديها ابن يقارب الـ50 من عمره، عاطل عن العمل، وكلما احتاج أموالا لشراء السجائر يذهب إلى خزانة والدته ويحمل ما تطاله يده من ملابسها، ثم يعرضها للبيع في أسواق دلالة بباب الوادي ولعقيبة، واكتشفت محدثتنا فعلة ابنها صدفة، وتقول “منذ ثلاث سنوات، كان ولدي الأصغر يتجول في سوق دلالة بباب الوادي ليشاهد فجأة شقيقه الأكبر وهو يعرض معطف والده للبيع.. جاء ابني مهرولا للمنزل وشقيقه الآخر يلحقه وهو يهدده بالضرب إذا تكلم.. ومن ساعتها كلما اختفى غرض من المنزل، أقصد سوق دلالة للبحث عنه”.
أبعاد ثقافية واجتماعية..
يقدم المختصون في علم النفس عدة تفسيرات لأسباب استمرار أسواق “دلالة” في عز ازدهار عصر الرقمنة والذكاء الصناعي والتجارة الإلكترونية، وفي الموضوع يقول المختص في الأمراض النفسية والبسيكو جسمانية، كمال بن روان، أن سوق “دلالة” في الجزائر لديها أبعاد كثيرة، اقتصادية واجتماعية، ثقافية ونفسية.
وأكد بن روان في تصريح لـ”الشروق”، على أنّ بعض الفقراء والمُحتاجين يجدون في أسواق “دلالة” مكانا للتبضع بأبخس الأثمان ولو بشراء قلم أو صحن أو دواء للبعوض.. بسعر منخفض عن المحلات.. وعمال وموظفون يعتبرونها أفضل مكان لممارسة نشاط تكميلي أو مهنة إضافية، بعد نهاية دوامهم أو في أيام عطلتهم ولو بكسب دنانير قليلة، تمكنهم من شراء بضع خبزات أو أكياس حليب.
ويضيف كمال بن روان، بأن فئة من مرتادي هذه الأسواق، يتصيدون الفرص من خلال الشراء وإعادة البيع، ربحا لمبلغ بسيط. والبعض محتاج للمال فيتجول هنالك لبيع شيء من أغراضه الشخصية.
وعليه، تعتبر أسواق دلالة” مكانا لممارسة نشاطات اقتصادية، ولو برؤوس أموال صغيرة، كما تقصدها فئات من الطبقات الميسورة سواء للتجارة أو للمتعة فقط.
تحمي من الاكتئاب والتوتر والقلق
أما في الشّق الاجتماعي، فيذكر المختص النفساني، بأنّ أسواق “دلالة” أو الأسواق الأسبوعية في الجزائر “مازالت تحتفظ برمزية كبيرة في مخيال الجزائريين، ومتواجدة منذ عقود في بلادنا، فهي أفضل مكان للالتقاء وضرب المواعيد، وهي متنفس وبيئة مناسبة لتبادل أطراف الحديث في كل المواضيع”.
ويؤكد، بأن سوق “دلالة” يوفر لقاصديه نوعا من التواصل بينهم، وهو ما يساعد على الحفاظ على أواصر الترابط بين أفراد المجتمع، وبالتالي هي “مكتسب اجتماعي لا نجده في الدول الغربية، وحتى أنها انقرضت عبر كثير من الدول العربية إلا بالجزائر” على حدّ قول محدثنا.
ولظاهرة أسواق “دلالة” أبعادا نفسية مختلفة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين، بُعد صحّي وآخر مرضي. وقال الدكتور كمال بن روان، على أن البشر العادي والطبيعي، حسب تفسيرات الفلاسفة، يمتلك نوعا من النرجسية والبحث عن التقدير والتميز، فيبحث عن هذه الصفات ولو بالقيام بأمور بسيطة، مثل بيع أشياء في أسواق الخردة، والتي تجعله يرى نفسه تاجرا حقيقيا.
وفئة أخرى، تهرب من براثن الاكتئاب والقلق والتوتر، فتقصد أسواق “دلالة” سواء للبيع أو التجوّل والاحتكاك مع الغير، وبالتالي يؤكد بن روان “أسواق دْلالة هي متنفس لحماية بعض الأشخاص من مخاطر الأمراض النفسية، ولو عن طريق القيام بأمر بسيط مثل بيع قلم أو ملعقة والذي قد نراه نحن تافها، فهذا الأمر قد ينفس عن صاحبه ويُخرج طاقته السلبية المكبوتة وتحميه من خطر التوحد خاصة للمتقاعدين من الوظائف”.
والأكثر من ذلك، يضيف محدثنا، أن بعض الأشخاص يعانون من مرض الوسواس القهري، ويقدمون على ما نعرفه في علم النفس بـ”التجميع أو التكنيز المرضي”، بمعنى أن الشخص يقوم بجمع كل الأشياء مهما كانت تافهة أو بالية ويحتفظ بها أو يضعها أمامه للبيع في الأسواق حتى وإن لم يشترها أحد، المهم أن يراها ذلك الشخص أمامه حتى يُرضي وسواسه القهري.
تحافظ على التواصل الاجتماعي وتمنح إحساسا بالإنجاز
ومن جهتها، ترى الدكتورة في علم الاجتماع العائلي، زعيون حفصة آمال، بأن كثيرا من المتقاعدين في الجزائر، يقضون يومهم في بيع خردوات أو بعض السلع البسيطة، ليس من أجل الكسب المالي فقط، بل هم يعتبرون سلوكهم “وسيلة لملء الفراغ الذي خلفه التوقف عن العمل. فبالنسبة لهؤلاء، يمثل هذا النشاط مصدرا للإحساس بالإنجاز والاستمرار في العطاء، حيث يجدون فيه بديلا عن الروتين والعزلة التي قد ترافق مرحلة التقاعد”.
وأضافت المختصة زعيون، بأن البيع في أسواق “دلالة” يتيح لأصحابه ممارسة نشاط تجاري بسيط، والأهم من ذلك هو بقاء ذلك الشخص في تفاعل يومي مع الناس، وهو ما يعزز شعوره بالانتماء للمجتمع، ويخفف من مشاعر التهميش التي تطال خصوصا أغلب كبار السن.
وقالت محدثتنا “كأخصائية اجتماعية، أرى أن الأمر لا يتعلق فقط في الحاجة إلى دخل إضافي، بل يتعداه إلى تلبية حاجات نفسية واجتماعية عميقة تتعلق بالشعور بالإنجاز والتواصل الإنساني والاجتماعي”.