أطباء متميزون.. لكنهم أيضا شعراء وأدباء مبدعون
كشفت الساحة الثقافية والأدبية بأن الإبداع غير مقتصر بالضرورة على أهل الأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام، بدليل بروز شعراء وروائيين ومبدعين درسوا في مجال الطب والرياضيات والاقتصاد والفيزياء وغيرها من العلوم، على غرار محمد ساري وواسيني الأعرج وأحمد طيباوي حتى أن هناك بعض الأسماء تخلت عن دراسة الطب وبعض التخصصات العلمية وفضلت التحول إلى الأدب لتذوق حلاوة الإبداع، على غرار ما قامت به الروائية الجزائرية المقيمة في لبنان فضيلة الفاروق التي استسلمت لنداء القلب على حساب مبتغى العقل.
فضيلة الفاروق: تركت الطب ووجدت نفسي في الأدب والإبداع
يؤكد الدكتور رمزي بوبشيش، وهو طبيب في مستشفى مروانة بباتنة، بأن التجربة الإبداعية لدى الأطباء في المجال الأدبي من كتابة شعر ورواية وفن المقالة ليست تجربة وليدة اليوم، بل هي تجربة تعرف عديد المبدعين منذ قرون خلت، ويقول في هذا الجانب “في الجزائر هناك عدة نماذج حملوا مشعل الإبداع كابن تكوت الطبيب بشير رحماني الذي سخر نفسه لضحايا مرض السيليكوز بباتنة. دون أن أنسى طبيب الأمراض الباطنية المبدع عبد الحق مواقي، ومن المبدعين الأطباء الشباب نجد الطبيب بوتليس بلال بكتاب خواطر والطبيب محمد لكحل في القصة القصيرة وغيرهم كثيرون من الأطباء الشباب المبدعون، دون أن ننسى وطنيا تجارب الكتابة لكل من الطبيبين السياسيين الوزيرين السابقين أحمد طالب الإبراهيمي ومحي الدين عميمور”.
محمد الطاهر عيساني: بقيت وفيا للأدب رغم أن الطب خطفني منه
وأوضح الدكتور رمزي بوبشيش أنه في عالمنا العربي يعد الطبيب مصطفى محمود الأيقونة الأبرز، مشيرا أيضا إلى الطبيب احمد خالق توفيق الذي يعد أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والخيال في عالمنا العربي.
فضيلة الفاروق: هكذا تركت الطب واخترت الأدب والإبداع
تعد الروائية فضيلة الفاروق من النماذج الإبداعية التي درست الطب لكنها لم تعمر فيه طويلا، مفضلة تحويل الوجهة نحو تخصّص الأدب، ومن ثم حرصت على تنمية ملكتها الإبداعية، لتصبح من الأصوات النسوية الجزائرية التي صنعت التميز في مجال الرواية، وهي الآن مقيمة منذ سنوات في لبنان، وتتحدث فضيلة الفاروق عن تجربتها مع الطب والأدب قائلة “بالنسبة لي أنا لم انتم أبدا للعائلة الطبية، كل ما حدث أني انتسبت لكلية الطب ولم أنجح بسبب الدراسة باللغة الفرنسية، فقد كنت طالبة ممتازة في المواد العلمية، حيث نجحت في مسابقة الطب بعد نجاحي في شهادة البكالوريا رياضيات. عقبة اللغة لم أتخطاها أبدا، كل شيء كان مبهما وصعبا وكنت أحتاج لساعات لأفهم ما درسناه لهذا كنت ألجأ لصديقات لمساعدتي من بينهن صديقتي حسنة معلّم تخرجت ولديها مختبر.. أتذكرها كثيرا أكثر من غيرها لأنها بذلت مجهودا كبيرا لمساعدتي”.
واعترفت فضيلة الفاروق أنها كانت تعاني من ظروف أخرى عائلية بعدما انتقلت من عند عائلتها التي ربتها لعائلتها البيولوجية، وأيضا من آريس لقسنطينة، وقالت صاحبة تاء الخجل في سياق قصتها مع الطب والأدب “بمجرد نجاحي في مسابقة الطب وجدتني أرسل إلى جامعة باتنة الشيء الذي لم أتقبله مهما اعتبر البعض هذه الظروف عادية لشخص في عمري، فأنا اعتبرتها كارثة علي. يكفي أن كمية البرومير التي توضع لنا في الأكل تجعلني أشعر بالنعاس أغلب الوقت، هذا غير الظروف السيئة التي كنا نعيش فيها، غياب التدفئة، غياب الأمن، التحرش كل ليلة بالطالبات من أمام الحي الجامعي…”، مؤكدة أنها تريد من كلامها هذا أن تشرح معاناة الطالب في الجزائر الذي توفر له حسب قوله كل ظروف الفشل، وحين يقاوم وينجح يأتي من يعاقبه بظروف أكثر سوء للعمل (الأطباء أنموذجا..، أما بخصوص تجربة الطبيب الأديب فتقول فضيلة الفاروق: “إن كان هناك أطباء أدباء عندنا فهم يعرفون كل هذه التفاصيل وعليهم الحديث عنها وتوظيفها في أدبهم، لأنها جزء من معاناة لا تنتهي، بعد أكثر من ثلاثين سنة وضع الطالب في معاهد الطب هو نفسه، ووضع الطبيب نفسه ووضع الطب في أسوأ حالاته في الجزائر”.
لتخلص إلى القول “أنا طالبة طب فاشلة، ولو هيئت لي ظروف أفضل لنجحت، لكني استعملت ذكائي الفطري لأنجح في مجالات أخرى وفي بلد آخر لا يملك من الإمكانات ما تملكه الجزائر من ثروات ومعطيات للنجاح”.
رمزي بوبشيش: تجربتي الإبداعية صقلت قبل اختيار تخصص الطب”
ويتحدث الطبيب رمزي بوبشيش عن تجربته في مجال الكتابة الإبداعية بأنها قد صقلت قبل اختياره تخصص الطب بسنوات، باعتبار أنه كان تلميذا مجتهدا منذ الابتدائي، مقبلا على هواية المطالعة مع مجلة “العربي الصغير” والإقبال على مطالعة الكتب الأدبية الروائية والشعرية المعروفة، ليصقل نشاطه الجمعوي الثقافي موهبة الكتابة من خلال عدة محاولات شعرية وخواطر في المتوسط والثانوي، ليزداد نضجه الفكري والأدبي في المرحلة الجامعية خصوصا مع تخصص الطب الذي يحتاج حسبه للبحث والمطالعة الواسعة مما يحفز على الكتابة والإبداع.
وقال الدكتور رمزي بوبشيش للشروق “الطبيب المبدع قبل أن يكون طبيبا فهو تلميذ سابق مجتهد واسع الاطلاع في كل المجالات الأدبية، وهو ما سمح له بالحصول على معدل كبير للالتحاق بكلية الطب الذي هو تخصص علمي بحت، ورغم ذلك تبقى الروح الإبداعية الأدبية لدى طالب الطب، وهو ما يفسر التوجه الأدبي للطبيب”، مضيفا أن من بين الأسباب الأخرى التي تفسر وجود هذه الظاهرة لدى الأطباء هو حب القراءة باعتبار أن القراءة عادة أساسية يومية لدى الطبيب في مجاله، فيستغل هذه الايجابية في المطالعة الأدبية فتنموا مهاراته الأدبية واللغوية ليستغلها في تجربته الإبداعية الشخصية من خلال كتابة الشعر أو الرواية خاصة أو فن الكتابة عموما. فحب القراءة المتنامي لدى الطبيب حسب الدكتور رمزي بوبشيش يدفعه لممارسة الكتابة من حين لآخر وعرض إنتاجه الأدبي، خصوصا على منصات التواصل الاجتماعي، مشيرا أن الطبيب يمتلك تجربة إنسانية شاملة وأوسع من غيره باعتباره يتعامل مع المرضى بمختلف أعمارهم وثقافتهم ولغتهم ومفرداتهم مما يزيد من توسع قاموسه الحسي الشعوري والإبداعي ليصقله كتابة. وحسب محدثنا فإنه بما أن الطبيب محلف بالسرية يميل معظم الناس للثقة في الطبيب ليحدثوه عن تجاربهم الشخصية والتي يمكن اختزالها في أعمال أدبية هادفة رسالية دون المساس بسر المريض.
عبد الحق مواقي: بين الطب والأدب روابط كثيرة
من جانب آخر، يعد الطبيب عبد الحق مواقي من الأطباء البارزين في مجال الأدب والإبداع، وهو واحد من الذين يتسمون بغزارة الإنتاج في مجال الشعر والقصة وحتى الأعمال التاريخية والتوثيقية، مع اهتمامه أكثر بمرحلة الحركة الإصلاحية بالأوراس والزيبان، ويقول الدكتور عبد الحق مواقي الذي يشتغل طبيب الأمراض الباطنية في حديثه للشروق “قد تبدو العلاقة بين الطب والأدب غريبة بعض الشيء، لكن عند التدقيق نجد أن ما بينهما من صلات وروابط كثير”، مؤكدا أن مهنة الطبيب في الحياة من أكثر المهن التي تتعامل مع العقل والعاطفة والجسد بشكل متواصل، وهي أيضا أكثر الاختصاصات التي يتحمل صاحبها الضغوطات الكبيرة، ما جعل البعض يهرب من واقعه، ويخلق عوالم لنفسه في محاولة للتخفيف ولو لبعض الوقت، مضيفا أن هناك من الأطباء من راح يكتب القصة أو الشعر والمسرح وآخر داعبت أنامله العود أو القيثارة وغيرها.
وحسب محدثنا فقد ذكر لنا التاريخ العديد من الأطباء الذين انفجرت مواهبهم في ميادين غير الطب، بل أن البعض طغت هذه الاهتمامات على مهنة الطب فبرز نجمه في مجال ما فتفرغ له كلية.
محمد الطاهر عيساني: بقيت وفيا للأدب رغم أن الطب خطفني منه
يعد الطبيب المثقف محمد الطاهر عيساني من الذين أحبوا الأدب لكن في النهاية خطفه الطب، ورغم ذلك بقي وفيا للأدب كتابة وإبداعا موازاة مع أداء مهمته النبيلة في مجال الطب، وقد كتب في النص السردي من قصة وقصة قصيرة وقصة قصيرة جدا، حيث صدرت له مجموعتان قصصيتان الأولى “احترق لأنني أضيء” عن دار الروح والثانية “نهاية ألف ليلة وليلة” عن دار الأوطان. كما كانت له تجربة في النص الشعري الحر من خلال مجموعتين شعريتين أولاها “اعتذار إلى بوبي فيشار ود” والثانية “أسوار المرايا” ويتحدث الدكتور محمد الطاهر عيساني عن ثنائية الطب والأدب قائلا: “الطب والكتابة ثنائية يمكن القول بأنها متميزة من جانبين، كون أن مهنة الطب هي مهنة إنسانية بامتياز، وهي قبل هذا وذاك تواصل مع الآخر من جميع الجوانب ما هو نفسي وجسمي اجتماعي، وهو الثالوث المقدس الذي يعرف الصحة والتطبيب…”، وقال أن بداياته كانت القراءة بنهم لجبران خليل جبران ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى محمود وغادة السمان وإبراهيم طوقان وأخته فدوى طوقان، كما نهل من روايات نجيب محفوظ وجورجي زيدان وفصص تشيكوف، وقرأ لعبد الله الركيبي وصالح خرفي… كما قرأ بالفرنسية لكتاب وروائيين كثر…
ويرى محدثنا أن القراءة حفزته لأن يكتب، والرغبة في الكتابة حسبه جاءت كتتويج لمجهود ومتعة القراءة، مضيفا أن الكتابة في تصوره حالة هروب إلى الذات والإنسان من خلال اللغة، فهي منفذ للتنفيس ثم هي في أصلها حالة وجدانية بامتياز ترسم تخوم البحث والتنقيب في عمق الإنسان ما يؤثث لسلوكاته وتطلعاته وإرهاصاته وآلامه وآماله، مؤكدا أن كل إنسان يمثل تجربة قائمة بحد ذاتها تحاول أن تفتح منافذها للذين يبحثون عن تجربة الآخر ومساره من باب الاستكشاف والاستفادة والمتعة.. لأن الكتابة حسبه متعة وجمال ونحت لا يمكن فصلها عن جمالية الروح البشرية وتماهيها.. كما أن الكتابة في نظره لا تكون معطاءة بذات الزخم إن لم تكن متلازمة مع المقروئية التي تمثل الرصيد الفني واللغوي الباذخ الذي يجعل من النص ذا قيمة جمالية وإبداعية تسكنه روح الكاتب المبدع في تجليات لا يجب أن تكون مجابهة ومباشرة.
حمزة قلوح: الطبيب يتوفر على كل العوامل ليكون مبدعا
يؤكد الدكتور حمزة قلوح، وهو من النماذج المتميزة التي تجمع بين الكفاءة الطبية وملكة الكتابة، بأنه “حينما نتحدّث عن الإبداع، تتبادر إلى الذّهن الميادين الفنّية والأدبية من كتابة ورسْم وتمثيلٍ وموسيقى.. لأن المُتلقي بشكل عام درَجَ على قرن الإبداع بهذه الميادين، لكنّ في الحقيقة الإبداعُ والفكر الإبداعي بشكل عام يتعدى هذه الميادين ليَعُمَّ باقي المِهن والوظائف التي تتطلب -للتمكن منها- امتلاك قدر ما من هذه المهارات والتحكّم فيها”، مضيفا بالقول إنه من بين الميادين العلمية المُميّزة والتي تعتبر من المطامح المرغوبة في المسار الجامعي والمهني لشبابنا، ميدان الطبّ… على نُبله وحلاوته يتّسم هذا الميدان بصعوبته البالغة وعُسْر تحصيله من جهةٍ لاستفاضته وترامي جوانبه وتعدّد تخصصاته، ومن جهة أخرى لثقل المسؤولية فيه؛ مؤكدا أنه ما أثقل أن يؤتَمَنَ المرءُ على حياة إنسانٍ يُسْلِمُ له ولعلمه أمْرَهُ ومآلَه.
ويرى الدكتور حمزة قلوح أن الممارسة والتجربة، كفيلة بصقل الفكر الإبداعي، لأن مواجهة المشاكل المتعددة، مختلفة كانت أو متكررةً، يتيحُ للمرء أن يصقل تجربته وأن ينُجِّذَ الإسقاطات العملية لمعارفه النظرية، فما بين المشاكل -مُستعصيها ومحلولها- تتعاظم التجربة ويُصقل معه الفكر.