“أطفال الشوارع” قنابل موقوتة
قدرت الشبكة الوطنية للدفاع عن الطفولة “ندى”، عدد الأطفال المتشردين في الشوارع بـ20 ألف طفل، ينتمون إلى فئة الطفولة المسعفة “مجهولي النسب”، الذين تتبرأ منهم المراكز وتقذف بهم إلى “المجهول” بمجرد بلوغهم 18 سنة.
وبالرغم من تراجع وزيرة التضامن مونية مسلم، عن هذا القرار قبل أسبوع، بعد تلقيها تقريرا أسود عن واقع مرير لاستغلال هذه الشريحة في الشارع من طرف شبكات التسول والدعارة وعمالة الأطفال، إلا أن المختصين شبهوا هذه الشريحة بـ”القنبلة الموقوتة” لما تعانيه من مشاكل في وثائق الهوية وغياب التكفل، ما جعلهم يعتبرون أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية..
تزوّجا داخل المركز وطُردا عند بلوغهما 18 سنة
محمد وفائزة.. قصة مأساة عنوانها “الطفولة المسعفة”
محمد وفائزة، قصة حب بدأت في الطفولة المسعفة وانتهت في الشارع.. هو عنوان نشرته جريدة “الشروق اليومي” منذ 4 سنوات، أين زارت هذه العائلة التي كانت تقطن بيتا قصديريا بالعاصمة، حيث لاقت قصتهما تعاطفا واسعا من مختلف ولايات الوطن، غير أن “المأساة” لا زالت متواصلة وازدادت سوءا وقساوة، ونحن نعايش فصل الشتاء، حيث زارتهما الشروق مؤخرا لتعاين ما تغيّر في حياتهما بعد 4 سنوات من نشر قصتهما..
“يئست من الحياة وسئمت منها لم يتبق أمامي حل سوى الانتحار”، هكذا فضّل محمد الأمين صالح، أن يستهل حديثه إلينا، وهو يلج إلى كوخه المتواضع الذي يتوسط البنايات الفاخرة في أرقى أحياء برج البحري، بعد أن قرر أن يعيد فتح صدره لـ “الشروق” بعد مرور خمس سنوات داخل منزله القصديري ازدادت فيه حياته تدهورا.
هكذا طردتنا وزارة التضامن من مراكزها
يحكي لنا محمد الأمين والبالغ من العمر 34 سنة، فصولا من مأساة عمره، حيث نشأ مجهول الهوية بدون نسب في 4 مراكز للطفولة المسعفة، آخرها كان مركز “سركوف”، وهناك التقى بزوجته فايزة في نفس المركز، والتي أعجبت به من خلال مشاركته في أعمال مسرحية ونشاطات داخل المركز، لتنشأ بينهما قصة حب جارفة انتهت بالزواج، غير أنه تورط في إحدى القضايا وجرى واقتياده إلى المؤسسات العقابية، وبعد خروجه من السجن وبلوغه السن القانوني 18 سنة، بات من الضروري عليهما مغادرة المركز، يواصل محمد.. الشارع صعب جدا ولا يرحم، الجميع ينظر إلينا نظرة دونية وكأننا اقترفنا ذنبا عظيما، هناك الكثير من الأطفال مجهولي النسب انحرفوا بعد طردهم من المراكز، أما محمد وعائلته فقد ساعدهم المحسنون على استئجار شقة وبعد انتهاء الإيجار عاد للشارع مجددا رفقة زوجته وأبنائه، وبإصرار منه بنى بيتا قصديريا بجانب “موزع كهربائي” بالكاد يحميهم من برودة الطقس وأمطار الشتاء التي تتسلل إليه، في ظل خطر الكهرباء المحدق بهم والتي تفوق 800 واط حتى إنه لم يسلم منها وتعرض لصعقاتها عدة مرات.
لا أملك بطاقة تعريف.. فهل أنا مواطن جزائري
وعن حياته، يحكي محمد الأمين، أنه مثل الآلاف من المنتمين إلى فئة الطفولة المسعفة، يعاني من مشكلة الوثائق، فهو لا يملك حتى بطاقة تعريف ولا وظيفة، فأينما يتجه يصطدم بحقيقة انعدام مستواه التعليمي، فهو لم يتلق أي تكوين في المركز زيادة على ضرورة جلب وثائقه وشهادة ميلاد رقم 12، وهو ما يستحيل عليه تأمينه، لكون الوزارة تمنحهم توصية فقط، يضيف محمد أن هذه المعاناة امتدت لتشمل ابنيه، حيث إن الابن يبلغ من العمر 11 سنة وله أخت خلال دخولهما المدرسي ولولا تدخل مصالح الأمن، لكانا سيحرمان من التعليم أيضا، غير أن مشكلة انعدام اللقب أكثر ما يحز في أنفسهم فمحمد الأمين يعتبر الشطب على خانة اللقب تدميرا نفسيا واجتماعيا له، ومن أكثر اللحظات التي أثرت في حياة محمد الأمين هو قيام إحدى الأمهات بالبحث عن ابنها وهو ما بعث فيه الأمل على أن يكون هو وبالرغم من وجود 40 طفلا يحمل نفس الاسم، وعلى الرغم من ذكرها مواصفات محددة لا تنطبق عليه كبياض لون البشرة والشعر الأصفر مع وجود وحمة على كتفه وهي مواصفات ابنها الحقيقي، إلا أنه وبمجرد أن شاهد المرأة وشعر باحتمال أن تكون له أما وعائلة يبحثون عنه أسعده وبعث التفاؤل في نفسه من جديد.
رئيسة جمعية الطفل البريء وهيبة ثامر:
هكذا يعاني الأطفال المسعفون داخل المراكز وفي العائلات البديلة
أماطت رئيسة جمعية الطفل البريء، وهيبة ثامر، بصفتها مناضلة لاسترجاع حقوق هذه الشريحة وشابة تنتمي إلى فئة الطفولة المسعفة، اللثام واللبس الذي يكتنف حياة هذه الشريحة، والذين تحولوا حسبها إلى بضاعة تقتنيها العائلات الراغبة في الكفالة، مطالبة بحقهم في الحصول على عمل ومنحهم حقهم في السكنات الاجتماعية حتى يكون بوسعهم تحمل المسؤولية، وهو جزء من حقوقهم وليس شفقة عليهم، حيث اعترفت المناضلة ورئيسة الجمعية بأن الوزارة تشجع الكفالة، غير أن المشكل يمكن في عقليات وتفكير الأسرة الجزائرية التي تشترط أن يكون الطفل المكفول سليما لا يعاني من أي إعاقة وأن يكون شبيها بالعائلة التي بصدد التكفل به أي ملامحه ولون بشرته قريب منهما، وكأنهم بضاعة بصدد شرائها، وتساءلت وهيبة ثامر، بصفتها منتمية لفئة مجهولي النسب، حول سبب غياب النية الصادقة عند بعض العائلات أثناء الكفالة، ووصفت المتحدثة التأخير في الإجراءات بتغير نظرة المجتمع للأطفال المنتمين لهذه الفئة ووعيهم الكبير لتتضاعف طلبات الكفالة، مضيفة أن هذا التأخير في مصلحة الطفل المكفول حتى يتم التحقق من البيانات والمعلومات المودعة في الملف بعد أن كان في السابق غداة الاستقلال يتم بطريقة عشوائية ليواجه الأطفال مجهولو النسب مشاكل عديدة، فهناك من استغلوهم في العمل وبيع الجرائد حتى أن الأطفال كانوا يمنحون لأشخاص غير مناسبين مثل السكيرين والبطالين، ما دفع بالبعض منهم للانحراف، لتأتي القوانين الجديدة والتي تفرض المتابعة الاجتماعية عليهم، بعد وضعهم في أسر وتعاقب الأولياء الذين يتكفلون بأطفال ثم يلقون بهم في الشارع، لتمنحهم حقوقا إضافية وتضمن لهم البقاء في أجواء عائلية، وهو ما ساعد العديد من المنتمين لهذه الفئة ـ حسب السيدة تامر ـ في النجاح والتفوق في مجالات عديدة، ضاربة مثلا بالسيدة ميمي بوهدادوة من القبة، والتي توفيت قبل سنتين وربت العديد من الأطفال مجهولي النسب.
وزارة التضامن تستفيق أخيرا
لا طرد للطفولة المسعفة من المراكز بعد اليوم..!
أكدت وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، مونية مسلم، خلال نزولها ضيفة على منتدى الإذاعة الوطنية أن الوزارة بصدد إعداد مشروع يتعلق بقانون خاص لحماية فئة الطفولة المسعفة، والتي تعاني من التهميش الاجتماعي، مع اتخاذ إجراء جديد لأول مرة يسمح لهم بالبقاء في مراكز الطفولة المسعفة وعدم طردهم منها بعد بلوغهم سن 18 عاما، كما ينص عليه القانون، حتى يتم التكفل بهم جيدا وإعدادهم للإدماج المهني والاجتماعي، بعد أن كانت المراكز تتخلى عنهم بمجرد بلوغهم سن 18 عاما ليجدوا أنفسهم في الشارع، وأردفت الوزيرة بأنه سيتم الشروع في توزيع سكنات اجتماعية على الشباب المنتمين لفئة مجهولي النسب بمجرد بلوغهم سن الزواج، وذلك لتمكينهم من الارتباط وتأسيس عائلات خاصة بهم.
رئيس شبكة ندى عبد الرحمان عرعار
لهذه الأسباب يهرب الأطفال من مراكز الطفولة المسعفة
دعا عبد الرحمان عرعار إلى وضع حد لبعض الظواهر السلبية التي تشهدها مراكز الطفولة المسعفة على غرار هروب الأطفال منها، وتفضيلهم حياة الشارع بسبب تصرفات بعض المربين الذين يسيئون التعامل معهم، ويميلون للعنف والإهانات والضرب الذي يتنافى مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وشدد عرعار على ضرورة توعية العائلات الجزائرية وتشجيعها على الكفالة لأن السماح للأطفال مجهولي النسب بالبقاء في المراكز، ليس حلا فالحل يكمن في تواجدهم في عائلة، وهي الموقع الطبيعي لأي طفل.
واعتبر رئيس الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل، عبد الرحمان عرعار، قرار وزيرة التضامن بالسماح لأطفال مجهولي النسب بالبقاء في مراكز الطفولة المسعفة بعد سن 18 سنة ليس بالحل المجدي، مستطردا أن الجزائر تضع آليات مؤقتة غير أنها تصبح دائمة، وهذه هي الإشكالية الكبرى، حيث يفترض أن بقاء الأطفال داخل مراكز الطفولة المسعفة لا يكون دائما بل مؤقتا، وعليه مغادرته إلى أسرة بديلة وتفعيل وجودهم في العائلات قبل بلوغهم سن 18 سنة حتى لا يجدوا أنفسهم في الشارع مثلما يحدث حاليا.
وأضاف عرعار أن السماح لهم بالبقاء في مراكز الطفولة المسعفة بعد سن 18 عاما، هو مشكل في حد ذاته بل يتوجب إدماجه ومساعدته على إيجاد وظيفة وتشكيل عائلة خاصة به، ودعا رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل لضرورة تشجيع العائلات على التكفل بهؤلاء الأطفال خلال السنوات الأولى لهم ومتابعتهم من قبل المشرفين الاجتماعيين مع تكوين مربيين خاصين في المراكز.
الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان
طرد الأطفال من المراكز انتهاك لحقوقهم
قال الحقوقي ورئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، حسين زهوان، إن طرد الأطفال من مراكز الطفولة المسعفة بعد بلوغهم سن 18عاما وإحالتهم على الشارع هو في حد ذاته انتهاك لحقوق الإنسان، وهو ما يجعلهم عرضة للانحراف وتعاطي المخدرات وشتى المنكرات المنتشرة في الشارع، ودعا وزارة التضامن والتي تمتلك إمكانيات مادية ضخمة على حد قوله إلى التكفل الجيد بهذه الشريحة، وتوفير جميع احتياجاتهم وأن التراجع عن هذا الإجراء يقتضي خلق كوادر، خاصة لحل أزمات ومشاكل هذه الفئة وإنشاء مصلحة شؤون تعنى بانشغالاتهم، وذلك بغية التوصل لحل يقضي على هذه المعاناة، معتبرا قرار إبقائهم في المركز بعد سن 18 مبدئيا لصالحهم مع ضرورة إيجاد حلول بديلة وأبدى رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان استعداده لتبني قضيتهم والدفاع عن حقوقهم.
مستشار المدير العام لـ “أونساج”
الوكالة تعطي الأولوية لهذه الشريحة في تمويل المشاريع
كشف مستشار المدير العام للوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب”أونساج”، سليمان بولڤرينات، أن الوكالة تشجع وتدعم الشباب المنتمين لفئة مجهولي النسب وتساعدهم في العثور على مشاريع، كما يتم مرافقتهم ومتابعتهم من الناحية النفسية إذا ما توفرت فيهم الشروط الأساسية، وهي البطالة، سن التأهيل المهني، وأكد المستشار أنهم يسعون لحماية هذه الفئة من خلال التكفل بهم وفتح مجال العمل ومناصب شغل أمامهم حسب ميولاتهم ومؤهلاتهم العلمية، وأردف بولڤرينات بأنه ومن خلال إشرافه على أحد فروع المؤسسة صادف 4 حالات من شباب ينتمون لفئة مجهولي النسب استفادوا من قروض دعم تشغيل الشباب واستطاعوا انجاز مشاريع ناجحة والبروز فيها.