أطفال غزة الجوعى وطعامُ الجنة!
قبل نحو 3500 سنة، قدّم النبيّ موسى عليه السلام لليهود كلّ الدلائل على وجود الله تعالى وصِدق رسالته إليهم، لكنّ طباعهم المتّسمة بالكِبر والعناد والإنكار غلُبت عليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً!
اليوم، يرى العالمُ كلّه صور الأطفال الفلسطينيين وقد تحوّلوا إلى هياكل عظمية على أسرّة المستشفيات وكيف يموتون كل يوم من فرط الجوع الذي فرضه عليهم الاحتلال للضغط بهم على حماس للاستسلام وإلقاء سلاحها وعلى فلسطينيي غزة لتركها والهجرة إلى سيناء، وبلغ الأمر ببعض أطفال غزة أنّهم أصبحوا يتمنّون الموت للخلاص من هذا الجوع المزمن وتناول الطعام في الجنّة!.. ومع ذلك كله، ينكر يهود الكيان بكلّ بساطة وجود المجاعة في غزة جملة وتفصيلا، ويقولون تارة إنّها صور أطفال يمنيين، وتارة أخرى إنّ حماس هي التي فبركتها بالذكاء الاصطناعي وضلّلت بها العالم، وهي تسرق المساعدات لفائدة مقاتليها ولا تكترث بالمدنيين!
ولأنّ الشمس لا تُغطى بالغربال كما يقال، وهذه الأراجيف الصهيونية لا تُقنع أكثر الناس سذاجة في هذا العالم، فقد خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن صمته، وكذّب حلفاءه الصهاينة، واعترف بوجود مجاعة حقيقية في القطاع، وأنّ الناس يموتون هناك، ولا يمكن محاكاة صور الأطفال الجائعين، ثم أعلن فتح مراكز جديدة لتوزيع الطعام وبلا أسيجة هذه المرّة ويمكن للفلسطينيين الدخولُ إليها بلا قيود.. وهو اعترافٌ آخر بالفشل الذريع لتجربة “مؤسسة غزة الخيرية” التي فتحت أربعة مراكز فقط لتوزيع الغذاء على 2.3 مليون فلسطيني، وأحاطتها بأسيجة حصينة، وأمامها كان الجنود الصهاينة النازيون يتسلّون بإطلاق الرصاص الحيّ وحتى قذائف المدافع ونيران المسيّرات على المجوّعين الفلسطينيين، ويقتلون العشرات منهم كلّ يوم بكلّ وحشية وعنصرية.
واليوم وقد فشلت هذه التجربة الإجرامية بعد أن حصدت أرواح أزيد من ألف فلسطيني مجوَّع، وتفشّت المجاعة في أنحاء غزة وبدأ السكان يموتون جوعا كل يوم، فقد بدأ الاحتلال يرضخ للضغوط التي مارسها العالم أجمع ضدّه، حتى حليفُه الأوّل ترامب، لكنّ الملاحظ أنّه يمارس احتيالا مقيتا على العالم؛ فهو لا يزال يغلق المعابر، ويفرض قيودا غير مبرَّرة على دخول شاحنات المساعدات الدولية إلى غزة، وقد رفع عددها فقط من 40 إلى 120 شاحنة يوميًّا، وهذا العدد غير كاف على الإطلاق؛ إذ تؤكّد التقارير الفلسطينية والأممية أنّ سكان غزة بحاجة ماسّة وعاجلة إلى 600 شاحنة غذاء يوميًّا حتى تتغلّب على المجاعة وتعود إلى وضعها الطبيعي قبل الحرب.
وفضلا عن التقتير في إدخال شاحنات المساعدات، فإنّ الاحتلال يتعمّد قتل عناصر التأمين المرافِقة لها، وتركها عرضة للنَّهب من عصابات ياسر أبو شباب وغيره من اللصوص الذين يستولون على أغلب هذه الشاحنات ويعيدوا بيع حمولتها في الأسواق بأسعار خيالية تُعجز أغلب الفلسطينيين؛ فكيلو غرام واحد من الطحين يباع بـ30 دولارا (أزيد من 6 آلاف دينار جزائري!)، وهذا مقابل نصف دولار فقط قبل الحرب، في حين يباع كيلوغرام واحد من العدس بـ23 دولارا، ومن السُّكر بـ100 دولار! أليست هذه خطة جهنّمية لترسيخ المجاعة وتحميل الفلسطينيين مسؤوليتها، بذريعة أنّهم ينهبون المساعدات التي يسمح الكيانُ بدخولها؟
من جانب آخر، يحرص الاحتلال على تزيين وجهه العنصري البغيض وتلميع صورته البشعة أمام العالم من خلال إلقاء كميات من المساعدات الغذائية على الغزاويين من الجو، والسماح لدول عديدة عربية وأوربية بإتّباع الطريقة ذاتها لإيصال المساعدات إلى السكان، وهي تجربة أثبتت أيضا محدوديتها الشديدة من قبل؛ إذ لا تصل سوى إلى عدد محدود جدا من السكان مفتولي العضلات الذين يستطيعون ترصّدها والتسابق للحصول عليها، في حين تبقى الفئات الضعيفة كالأرامل والشيوخ والمعاقين والمرضى… بعيدة عنها.
ومع أنّ السماح بدخول قدر أكبر من المساعدات يخفّف إلى حدّ ما معاناة الفلسطينيين المجوَّعين، إلا أنّه ليس الحلَّ الأمثل للمجاعة التي تفتك بهم منذ أسابيع، والحلُّ النهائي هو فتح المعابر وفي مقدّمتها معبر رفح والسّماح بدخول مئات الشاحنات يوميًّا بلا قيود، وإنهاء تجربة “مؤسسة غزة الخيرية” الوحشية الدموية إلى الأبد، والعودة إلى نظام التوزيع الأممي للمساعدات.. “الأونروا” وحدها تملك نحو 400 نقطة توزيع تصل إلى السكان جميعا من أقصى جنوب القطاع إلى أقصى شماله، ولا مناص من العودة إلى نظامها التوزيعي للقضاء نهائيا على المجاعة، وينبغي للعالم كله مواصلة الضغوط في هذا الاتجاه.