أعطِني منظومة راشدة.. أعطك أستاذا راقيا!
طالعت قبل أيام عبر بوابة الشروق وبالتحديد بتاريخ 03/ 01/ 2022 مقالا عن الأستاذ الجامعي تحت عنوان “عن أي أستاذ جامعي تتحدثون؟” بدأه صاحبه بالهجوم على النقابات واتهامها بـ”ابتزاز الحكومات والتأثير عليها” بوسائل نضالية “قائمة على المساومة الخفية” والقصد حسبه “تحقيق مكاسب ضيقة وآنية وشخصية” خاصة “أثناء عملية توزيع المناصب المفتاحية في الإدارة والوزارات”، وغيرها من التهم الجاهزة وباستعمال الكثير من الألفاظ التي تنافي النقد الهادئ والرصين الذي يفترض أنه مهمة وسائل الإعلام، من قبيل قوله: “الأساليب الإبليسية” و”حثالة الأممية” و”الجِراء النابحة”.. الخ، ثم يذهب صاحب المقال إلى تبيان ما سماه “حقيقة غالبية الأساتذة الجامعيين” والذين تدّعي هذه النقابات –حسبه- الدفاع عنهم..
وأنا هنا لست بصدد الدفاع عن النقابات ولابصدد تقديم توضيحات عما نسبه إليها صاحب المقال لأني أولا لا أنتسب لأي منها، ثم أن في هذه النقابات من هو مخول بالرد والتوضيح عما ورد في المقال..
لكنني وعملا بحق الرد الذي تكفله الشرائع الإعلامية ومن منطلق مهنة الأستاذ الجامعي التي أنتسب إليها والتي أعتبرها “رسالة” قبل اعتبارها وظيفة، أجدني ملزما بتوضيح بعض المغالطات التي وردت في المقال.
والبداية حول الشكل العامّ للمقال الذي بناه صاحبه على فكرة التعميم المطلق، والتعميم في أي قضية هو ظلمٌ للقضية ولصاحبها وهو أسلوبٌ يجانب الموضوعية ويُفقد صاحبه المصداقية، كذلك وصف المخالف في منبر إعلامي بألفاظ جارحة في النهاية مناف للأخلاق.
بالنسبة للنقابات عموما لما يتحدث صاحب المقال عن المؤامرة وتوظيفها في الصراع من قبل التيار اليساري فهو يتحدث خارج السياق وخارج الزمن، فالواقع الذي نعيشه يؤكد أن النقابات الحالية تجاوزت فكرة الإيديولوجية تماما إلى فكرة الوحدة المطلبية المجرَّدة، وهي أبعد ما تكون عن التكوين السياسي اليساري بالخصوص، كما أنها في الجامعة على الأقل أضعف من أن تساوم الوزير أو رئيس جامعة.
أما بالنسبة للأستاذ الجامعي الذي يهمني هنا والذي أورد صاحب المقال بشأنه “لازمة” في شرح وضعه، ودوره فيما يحدث للجامعة عموما في سياق أسلوب التعميم الذي تبناه والتي تكررت حوالي 08 مرات وهي (وضعيته البائسة التي صنعها لنفسه وبنفسه)، كأنّ الأستاذ الجامعي راض عن الوضع ولم يقدِّم أيَّ جهد في سبيل تحسين الواقع.
صحيحٌ أن مشاكل الجامعة كغيرها من القطاعات في البلد متعددة ومتنوعة، ولكن من الظلم ومن الإجحاف أن يكون الأستاذ الجامعي هو “نفسه وبنفسه” سببا في كل تلك المشاكل، ولعل منها ضعف التكوين البيداغوجي وليس العلمي وهو ما تتحمله المنظومة التي ينتمي إليها وليس هو وحده، فعملية التكوين التي تعمل على مرافقته وتأهيله بيداغوجياغير فاعلة مطلقا، بل لم تكن موجودة من الأساس كما هو في قطاع التربية، وإنما حاول القائمون على القطاع استدراكها قبل سنوات قليلة فقط من خلال القرار رقم 932 المؤرخ في 28 جويلية 2016 المتعلق بالمرافقة والتكوين البيداغوجي للأساتذة الجامعيين حديثي التوظيف، ولكنها لا تزال تسير على استحياء، خاصة في ظل منتوج نظام “ل. م. د” الذي تتحمل نتائجه في النهاية المنظومة القائمة وليس الأستاذ الجامعي.
كذلك من الإجحاف الانطلاق من مسلّمة مفادها أن الجانب الاجتماعي للأساتذة الجامعيين ينبغي ألا يؤثر في منتوجهم العلمي، خاصة إذا علمنا أن الكثير من التكاليف البيداغوجية من مطبوعات وتكاليف تطبيقية تقدَّم للطلبة يقع على عاتق الأستاذ إنجازُها من ماله الخاص، بل وعليه أن يشتري من جيبه أقلام الكتابة وماسح السبورة البيضاء في كثير من جامعات القطر.
ومنه، فمشاكل السكن والنقل وضعف الأجرة الذي يضع الأستاذَ الجامعي الجزائري في ذيل ترتيب سلم أجور الأساتذة الجامعيين حتى بعد فلسطين وليبيا وموريتانيا والصومال وغيرها، حسب دراسة لمركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو الأمريكية رصد أجور أساتذة جامعات 13 بلدا عربيا من بينها الجزائر نُشر العام 2019، والذي أكد أن الأستاذ الجامعي الجزائري ملزمٌ بالعمل 23 سنة للوصول إلى أجر سنة واحدة لنظيره في دولة قطر، هذه المشاكل تبقى مزمنة بالنسبة للأستاذ الجامعي ولا غرابة في طرحها اليوم أو غدا، وعليه أوضِّح فيما يلي بعض ما طرح في المقال من قضايا في خمس نقاط، فأقول وبالله التوفيق:
1- بالنسبة لغياب الأساتذة ومغادرة مؤسساتهم إلى الخارج، فإنه من ضمن مهام الأستاذ بل ويقع على عاتقه إضافة الى المهام البيداغوجية، المشاركة في المؤتمرات والملتقيات والندوات العلمية خارج الوطن وداخله في سياق ترقية وتحسين مساره المهني وغيابه عن الدروس مبررٌ تلقائيا بمجرد تقديم الدعوة التي يتلقاها للمشاركة في هذه الأنشطة العلمية، ومع ذلك قد تكون الظاهرة موجودة ولكنها ليست عامة، ومن يتحمل هذا التسيّب إن وُجد فهي الإدارة الوصية وليس الأستاذ “نفسه وبنفسه”، وهو حسب رأيي إن وُجد ناتجٌ عن سياسة شراء السلم الاجتماعي التي تتبناها المنظومة في البلد، والتي تبنى على فكرة السكوت عن التجاوزات مقابل السكوت عن المطالب، والتي قد يستغلها عديمو الضمائر ولكنهم قليل، والشيء ذاته ينطبق على من يغادر القاعة أو المدرَّج قبل وقت انتهاء الحصة أو يدخله متأخرا بنصف ساعة أو يزيد.
ضعف الأجرة يضع الأستاذَ الجامعي الجزائري في ذيل ترتيب سلم أجور الأساتذة الجامعيين حتى بعد فلسطين وليبيا وموريتانيا والصومال وغيرها، حسب دراسة لمركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو الأمريكية رصد أجور أساتذة جامعات 13 بلدا عربيا من بينها الجزائر نُشر العام 2019، والذي أكد أن الأستاذ الجامعي الجزائري ملزمٌ بالعمل 23 سنة للوصول إلى أجر سنة واحدة لنظيره في دولة قطر.
2- تحدَّث صاحبُ المقال عن تضييع الأستاذ وقت الحصة في الكلام الفارغ خارج الموضوع، من مثل الحديث عن بطولاته العلمية الوهمية كما سماها، وتحدث عن السرقات العلمية، وعن اجترار نفس المعلومات وتداول نفس المطبوعة لسنوات، وعن الاستفادة من المنح خارج الوطن وغيرها..
وأنا هنا وعن تجربة أؤكد أن الطلبة اليوم على درجة كبيرة من الوعي الذي يجعلهم لا يسكتون أبدا عن مثل هذه التجاوزات، وقد حدث معنا في بعض الجامعات أن نقل الطلبة مثل هذه الانشغالات خاصة المتعلقة بمطابقة ما يقدِّمه لهم الأستاذ لمحتوى البرنامج المقرر، بل وأتفه من ذلك كتعامله معهم، نقلوه إلى الإدارة وتم استدعاء الأستاذ وتوجيهه في هذا السياق، ومع ذلك قد تكون مثل هذه السلوكات موجودة ولكنها ليست عامة، وهي شاذة ومدانة وإن وُجدت فهي تعبّر عن غياب الضمير، ومعالجتها كما أشرنا سابقا مرتبطة بالمرافقة والتأهيل البيداغوجي الذي تتحمل نقائصَه الإدارة الوصية وليس الأستاذ “وحده وبنفسه”، وإلى تفعيل شرائع أخلاقيات المهنة كذلك.
3- تحدّث صاحب المقال عن تداول نفس مواضيع أسئلة الامتحانات لسنوات، وعن غياب الأستاذ عن حراسة الامتحانات والانشغال بالإبحار في الانترنت أثناء الحراسة بما يسهِّل الغش للطلبة، وهي أبدا سلوكات ليست عامة ولكنها إن وُجدت مدانة وتعبِّر عن غياب الضمير..
لكن بالمقابل ما لم يطرحه المقال: أين الإدارة من كل هذا؟ ثم لماذا لم يتحدث عن مساهمة الإدارة في هذا الوضع في كثير من المرات؟ إذ كثيرا ما قدم الأستاذ بعض الطلبة المتلبسين بالغش إلى مجلس التأديب ليجدهم قد استفادوا من العفو بقرار فوقي، أوعن طريق الواسطة والنفوذ، وهذا حدث كثيرا في إطار سياسية شراء السلم التي تحدثنا عنها سابقا..
أما عن حديثه عن التربية والآداب والأخلاق، فهل نسي صاحبُنا أنه تحت حجة إبعاد الجامعة عن التجاذب الأيديولوجي لا يُسمح للأستاذ بالخروج عن مواضيع الدروس رغم أن هذا ليس مبررا أبدا للتقاعس في هذه المهمة؟
4- يقدِّم المقال مغالطة خارج الزمن وخارج السياق، مفادها أن الأستاذ الجامعي ليس ملمًّا بالفنون الأخرى، وهي مقاربة تجاوزها الزمن في عصر التخصصات الدقيقة، وأن الأهمية اليوم في تفوّق الأستاذ في الدقيق من مجال تخصصه، ومع هذا نجد من برع في أكثر من علم ويتقن أكثر من تخصص وله اطلاع على قضايا الفنون الأخرى، فالموسوعية أمرٌ محبَّب لكن في النهاية ليست منقصة لمن لم يؤتى منها النصيب الأوفر ولا هي مسبَّة، بل هي فضيلة ومزيّة تُحسب لصاحبها، ومع هذا النقائص الموجودة في هذا المجال لا يتحمّلها الأستاذ وحده باعتباره في النهاية نتاج تداخل منظومة بتفرُّعاتها المختلفة.
5- في النهاية لم يترك المقالُ شاردة ولا واردة من نقيصة ولا مسبَّة إلا وألصقها بالأستاذ الجامعي، من معاكسة الفتيات عبر وسائط التواصل، إلى التحريض على الوطن، وهو حسبه الذي يقف وراء خروج الجزائريين في مسيرات الحَراك، وهو الذي يدعو الطلبة إلى الهروب من الدراسة والتمرد على القانون والعصيان، هو الذي ينشر الإشاعات والدعاية السوداء والأراجيف، وهو الذي لا يقدِّم شيئا للأمَّة بل وهو عالة عليها، وهو في النهاية الذي لا يعرف من مبادئ العلوم السياسية أبسطها…
في الحقيقة هي مشاكل أقرب للغرابة منها لأي شيء آخر، وعليه بقي أن ينسب للأستاذ الجامعي الجزائري تسبُّبه في زلزال الأصنام وفيضانات باب الواد، وفي ثقب الأوزون، واحتلال الكيان الصهيوني لفلسطين وفرنسا للجزائر، وقنبلة هيروشيما وغيرها من كوارث الأولين والآخرين.
ختاما أسرد عليكم حادثتين من واقع البيئة التي ينشط فيها الأستاذ ولكم أنتم الحكم عليه بما تشاؤون، أعرف زملاء ذهبت جهود بحوثهم لأشهر أو لسنوات أدراج الرياح، إذ أثناء فترة المشاركة في مؤتمرات علمية دولية كان مصيرهم ومستقبلهم معلقا بها عبر تقنيات التحاضر عن بعد، والتي تزامنت مع فترة امتحانات البكالوريا في الجزائر وبسبب قطع النت حُرموا المشاركة في هذه المؤتمرات.
والثانية اشتكى لي صديقٌ يدرِّس في كلية قريبة من مقر الجريدة التي نشرت المقال، يعني على مرمى حجر من مقرات مؤسسات الدولة بالعاصمة، اشتكى لي غياب الكهرباء بالحجرة التي يدرِّس فيها منذ أشهر، رغم أنه أعلم الإدارة بالأمر عدة مرات، إلى درجة أنه لا يكاد يفرِّق في الساعات الأولى من اليوم في الفترة الشتوية من مثل هذه الأيام، إن كان الطلبة هم فعلا طلبته أم أناس لا علاقة لهم بالجامعة.
طبعا أنا هنا لا أبرِّئ الأستاذ الجامعي من كل نقيصة، ولكنه في النهاية نتاج منظومة البلد، وما نماذج الأساتذة الجزائريين الذين تفوَّقوا في الخارج إلا خير دليل، وعليه.. أعطِني منظومة راشدة أعطيك أستاذا جامعيا راقيا.