الرأي

أعينوا الأساتذة ولا تهينوهم

سلطان بركاني
  • 1136
  • 0

لعلّ من أعلى وأجلى وأهمّ خصائص هذه الأمّة التي بوّأتها أن تكون خير أمّة أخرجت للنّاس، أنّها تتعاون على البرّ والتّقوى ولا تتعاون على الإثم والعدوان، وتتآمر بالمعروف وتتناهى عن المنكر، قال المولى سبحانه وتعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)).. لكنّ الأمّة المسلمة متى تخلّت عن مكمن خيريتها ومصدر عزّها، ربّما تعرّضت لغضب الله وعقابه، ونزل بها الذلّ والهوان والصّغار، وربّما حاق بها ما حاق بالأمم من قبلها: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون)).

تشهد بعض مؤسّساتنا التربوية في السّنوات الأخيرة، وقائع تزداد كثرة، ينتخي فيها الأولياء انتصارا لأبنائهم وبناتهم ضدّ المعلّمين والأساتذة المربّين! حتّى أصبح جلّ الأساتذة عندما يجري الحديث عن واجبهم الرسالي في نصح تلامذتهم وطلابهم، يعتذرون -وكلّهم حسرة وأسى- بأنّ الأولياء لا يسعفونهم في أداء هذه الرسالة، بل إنّهم -أي الأساتذة- يتلقّون من بعض الأولياء ردود أفعال لم تكن تخطر على البال، انتصارا لأخطاء أبنائهم وبناتهم! بل قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى تداعي بعض الأولياء وتواطئهم على تقديم شكاوى ضدّ بعض الأساتذة الذين يؤمنون بأنّ رسالة التربية مكمّلة لرسالة التعليم وأنّ سَمْت التّلميذ ومظهره ينبغي أن يكونا لائقين بطالب العلم المسلم الذي يدرك أنّ العلم وسيلة لغايات نبيلة أسماها الظّفر برضوان الله تعالى! ولكثرة هذه الوقائع أصبحنا نشكّ في أنّ النّهي عن المنكر غدا عند بعض المسلمين منكرا وخطيئة تجرّ على صاحبه التّأنيب وربّما التقريع والعقاب؟! وكأنّ بعضا من عباد الله المسلمين يريدون أن يقتفوا أثر قوم شعيب الذين خاطبوا النبيّ الآمر بالمعروف قائلين: ((يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد))!

من مفارقات واقعنا المليء بالمفارقات والتناقضات أنّ بعض الآباء والأولياء، هدانا الله وإياهم، يلقون الحبل على الغارب لزوجاتهم ليتولين مهمة اختيار لباس بناتهنّ المتمدرسات، فيخترن اللباس الضيّق الذي يقدَّم على أنّه موضة العام وتلبسه الممثلات، ولا يملك الأب إلا أن يلزم الصمت، حتى إذا أنكر الجار أو الأخ أو المعلّم على ابنته ضيق لباسها، وعادت البنت إلى البيت تشكو مَن نهاها عن المنكر وتذرف دموعها أمام أمّها، وتولّت الأمّ حبك المظلومية عند عودة زوجها؛ انطلق الزّوج لينتصر لابنته ويوقف النّاهي عن المنكر عند حدّه، ولا ينسى أن يتباهى أمامه بأنّه ربى ابنته أحسن تربية وأنّه الوحيد المسؤول عنها والمخوّل بتقييم أخلاقها ولباسها! ويختمَ كلامه بنصح النّاصح بأن ينشغل بنفسه وبيته!

من المفارقات أيضا أنّ الطّالبة أو التلميذة ربّما تتعرّض لعشرات المضايقات في طريقها إلى المدرسة ذهابا وإيابا، فلا تشعر بأي حرج، وربما يعجبها ذلك فتضحك، ويوسوس لها الشيطان بأنها لو لم تكن مثارا للإعجاب ما تحرش بها المتحرشون! حتى لو بلغ التحرش حد الإساءة والسبّ فإنها لا تخبر والدها بذلك، خشية أن يأمرها بتخفيف حدة تبرجها، وإن أخبرته فربما لا يبدي أي امتعاض، ولعله يقول لها: لا تهتمّي بأمر الشّباب الطائش واهتمي بدراستك، ولا يكلف نفسه البحث عن المتحرش ليوقفه عند حده!!! لكنّ هذه الفتاة تعتريها عزة النفس فجأة عندما تتلقى نصيحة حانية من أستاذ يريد لها من الخير ما يريد لابنته، ويخشى عليها من الشر ما يخشاه على فلذة كبده، ومع هذه العزة المفاجئة تتدفق عاطفةُ الأم وتسيل غيرتها فجأة، لتنقل تقريرا إلى الأب تستثير به نخوته وحميته لحرية ابنته المسلوبة، فينطلق الأب الذي اعترته حمية الرجولة الزائفة فجأة ليقرع الأستاذ الذي جرح كبرياء ابنته، ولا يقف عند هذا الحدّ حتى يشكو الأستاذ إلى الإدارة ويتسبب في معاقبته أو فصله!

فلماذا أصبح بعض الأولياء بعد أن استقالوا من أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بيوتهم، يريدون كذلك للأستاذ أن يتخلّى عن واجب النّهي عن المنكر في المؤسّسة التربويّة؟ لماذا نتنكّر لديننا وعاداتنا وتقاليدنا المتّسقة والمتّفقة مع شرع ربّنا، لحساب ثقافة علمانية مقيتة، شعاراتها: “واش دخلك”، “التها بروحك”، “كُلِ الخبزة واسكت”؟

قبل عقود قليلة، كان الأب يفرح حين يعاقِب المعلم ابنه على خلق سيئ بدر منه، تماما كما يفرح بمعاقبة على تقصيره في دراسته، ويعطي الضّوء الأخضر للمعلّم في أن يستعمل ما يراه مناسبا من الأساليب والوسائل الكفيلة بتعليم الابن وتربيته، وكان المعلّم يبدأ بمراقبة أخلاق التلميذ وسَمته ومظهره وشعر رأسه وأظافره قبل التعليم والتّدريس.. ولو حدث أن شكا الابن معلمه، فإن الأب يضاعف لابنه العقوبة من دون أن يسأل عن سبب تعرضه للعقاب على يد معلّمه، ويحمد الله على أنه وجد من يعينه على تربية وتأديب ابنه.

وقبل هذا، في أزمنة العزّ، كان الطالب ينهل من معلّمه وشيخه الأدب قبل العلم، ويستفيد من أدب معلّمه أكثر من استفادته من علمه، وكان طالب العلم يتحمّل من شيخه العتاب والتأنيب وحتى الضّرب والزّجر، فهذا الإمام مالك بن أنس -رحمه الله تعالى- يقول: “كانت أمي تعمّمني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة (الرّأي) فتعلَّم من أدبه قبل علمه”، وهذا تلميذه ابن وهب -رحمه الله- يقول: “ما تعلَّمنا من أدبِ مالكٍ أكثرُ مما تعلّمنا من علمه”، والإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- يقول: “طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم”، ويقول ابن الجوزيّ رحمه الله: “كاد الأدب أن يكون ثلثي العلم”.

ينبغي لنا أن ندرك ونكون على يقين بأنّ تكبيل أيدي الأساتذة والمربيين ولجم ألسنتهم عن تأديب التلاميذ والطلبة ليسا في صالح المنظومة التربوية، وأنّ الإدارة ينبغي لها أن تكون في صفّ الأستاذ والمعلّم حينما يتعلّق الأمر بالأخلاق والآداب، وأنّ وليّ التلميذ ليس له الحقّ في أن يرسم للأستاذ دوره ويحدّد له رسالته، فكما أنّ الأولياء يملكون كامل المسؤولية عن أبنائهم في البيوت، فكذلك الأساتذة والمعلّمون لهم كامل الحقّ في تربية وتأديب وتأنيب وزجر تلامذتهم في المؤسسات التربوية، ومهما أخطأ الأستاذ في حقّ أحد تلامذته فأحرجه أو بالغ في زجره، فينبغي أن تحفظ مكانة الأستاذ وهيبة مقامه ويوجّه إلى تصحيح خطئه في مجلس خاصّ.

على الأمّهات الحريصات على مصلحة أبنائهنّ وبناتهنّ، وعلى الآباء والأولياء، إن كانت تُهمّهم مصلحة أبنائهم حقيقة، أن يتعاونوا مع الأساتذة والمعلّمين؛ ويعينوهم ولا يهينوهم، ويدركوا أنّ دور الأساتذة في تربية الأبناء وتهذيب أخلاقهم ضروريّ ومكمّل لدور الأولياء في البيوت، وليس عيبا أن ينتبه المعلّم أو الأستاذ إلى عيب في التلميذ أو الطّالب لم ينتبه إليه والده، فيرشده وينصحه، وإن اقتضى الأمر يزجره رجاءَ صلاحه وصلاح أمره.. حرام وعيب أن يقف الأب، أو تقف الأم بكلّ جرأة أمام أستاذ أو معلّم مربٍّ لتقول له بكلّ صفاقة: “ما كان ما دخّلك في لبسة بنتي” وهي المسلمة التي تعلم أنّ دينها يجعل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في مقام الرّكن السّادس من أركان الإسلام.

على إخواننا وتيجان رؤوسنا المعلّمين والأساتذة، ألا يستسلموا ويرضخوا للواقع ويجدوا لأنفسهم المبرّرات للتخلي عن رسالة التربية وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ينبغي لإخواننا الأساتذة والمعلّمين أن يتسلّحوا بالحكمة والموعظة الحسنة ويقدّموا نصائحهم في قالب من الشّفقة والحرص على الخير من دون إحراج أو تجريح، ويصبروا ويحتسبوا عند الله ما يلقونه في سبيل أداء رسالتهم النبيلة.. ما من داعية أو صاحب رسالة إلا ويجد من الإعراض والمعارضة ما هو كفيل بثني عزمه إن هو نسي الجائزة المنتظرة عند من رفع مقام الداعية والمعلّم في الدّنيا والآخرة وأمر ملائكته أن يصلّوا على معلّم النّاس الخير.. يقول الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم: “إنّ الله وملائكته، وأهلَ السّماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير”.

مقالات ذات صلة