أغاني الطفولة المنسية.. هل تعود يوما؟
أغاني اللعب ليست مجرد تسلية بريئة، بل هي حقل غني بالدلالات الثقافية والاجتماعية والتاريخية. الطفل من خلالها يُعيد تشكيل عالم الكبار، بطريقة مبسطة، مرحة، ومليئة بالرموز، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لفهم البنية العميقة للمجتمع وتصوراته. الشروق العربي، تعيد إحياء تراث أغاني اللعب الخاصة بالأطفال ومحاولة تحليلها وفهم أبعادها السوسيوثقافية.
كل نظام اجتماعي يُفرز بالضرورة نظام لعب يعكس خصوصياته الثقافية وهويته الجماعية. ويصدق هذا الأمر بشكل خاص على الألعاب الشعبية أو التقليدية، التي تُعدّ امتدادًا حيًّا للذاكرة الجماعية.
ومن بين أكثر أشكال اللعب التقليدي رسوخًا في الذاكرة الشعبية، نجد “أغاني اللعب”، التي تُعرف أيضًا باسم “أغاني التصفيق”، نظرًا لاعتمادها على التصفيق وحركات الجسم المتزامنة التي تتميّز بسرعة الأداء وتناغمه. كما أن محتوى الأغاني يعطينا دلالات متعددة، تعكس ما يلحظه الطفل في بيئته الاجتماعية والثقافية، ويعيد إنتاجه بطريقة قد تبدو للوهلة الأولى عشوائية، لكنها في جوهرها عفوية ومرحة، وتنجح في دمج مختلف مظاهر الحياة اليومية، من خلال رموز بسيطة ومألوفة.
في الجزائر، تتنوع أغاني اللعب بحسب البيئة والنشأة، لكنها تتوحد في طابعها المرح والعفوي، وباستعمالها للغة خاصة، قد تبدو غير مفهومة لكنها في الواقع لغة مشفرة مفتاحها الروح البريئة والقلب الصافي.
الكثير من أغاني اللعب الجزائرية تتضمن ضحكًا، أصواتًا غريبة، وعبارات غير منطقية ظاهريً..
مثلا، في أغنية يا حجنجل يا مجنجل وين كنت البارح في جنين صالح واش كليت من التفاح والنفاح والبرقوق في لسطاح.
هذه الأغنية الجميلة التي توضع الأيادي فيها فوق بعضها البعض تنتهي بضحكات طفولية معدية وكلمة “فررر”..
تعد هذه الأغاني مساحات للتفريغ النفسي والضحك، وهي آلية دفاع نفسي عند الأطفال للتعامل مع القلق أو الضغوط الأسرية أو حتى الدراسية.
الأغنية التعليمية
أغنية لعب قديمة تقول: “كاين عندي حبة توت تحسبلي لأوت جانفي فيفري مارس افريل ماي جوان جويلية أوت، عندي حبة قارص تحسبلي لمارس جانفي فيفري مارس.
أليست طريقة رائعة لحفظ الشهور الشمسية
الوطن ينادي الأطفال
في أغنية ياخالتي مالحة وين راكي رايحة، رايحة لبلادي ونزور ولادي نداء بسيط موجَّه إلى “الخالَة”، وهي شخصية أنثوية حنونة ومقربة في الذاكرة الجماعية. كلمة “مالحة” قد تكون وصفًا للجمال أو تعبيرًا عن طابعها الشعبي القروي. وين راكي رايحة يعطي انطباعًا بالوداع أو الشوق.
أما جملة رايحة لبلادي ونزور ولادي فهنا تتجلى ثنائية الوطن والأبناء، حيث تعني العودة إلى الأصل، إلى الأرض الأم، وزيارة الأحباب. فيها نغمة شوق وارتباط بالانتماء الأسري والوطني.
الأطفال يغنون قيمهم
على الرغم من أن الأطفال يغنونها في إطار اللعب، إلا أن الأغنية تنقل قيمًا عاطفية ومجتمعية عميقة: الوفاء، صلة الرحم، الحنين، التضحية.
أغان كثيرة قد يذكرها الجيل الذهبي ويحن إليها، ويبحث في المواقع عنها ليعيد الماضي ولو لوهلة.
الكثير منا يذكر أغنية “صالح في دارو يضرب في حمارو
ومن منا لا يذكر: “كي طلعنا للكوزينا قرقبنا الكيسان قرقبنا الكيسان
لبسنا لبسة بحرية وطلعنا البابور وطلعنا البابور
بابور يطلع ويهبط ميعرفش يعوم مايعرفش يعوم
والحوتة تهبط وتطلع شحال تعرف تعوم شحال تعرف تعوم”
كان الأطفال صغارا لا يفهمون ما هي الحرب ولماذا هناك استعمار، لكنهم عبروا عن أحاسيسهم بالأغاني، مثل “كي طلعنا لجبل كوكو ولقينا العسكر يبكو ولقينا العسكر يبكو قلنالهم وشبيكم قالونا الدزاير رجعت ليكم”.
أطفال اليوم وأطفال الأمس
المقارنة غير عادلة بين أطفال الأمس بألعابهم الممتعة البريئة الجامحة مثل القريدة ولاماريل والسيرسو والزربوط والغميضة وبين ألعاب اليوم المنعزلة الفردية الإلكترونية التي لا روح لها، ألم يحن الوقت للعودة لهذه الجزئية الممتعة من الماضي الجميل.