أغان راقصة تحرّض على تعاطي المخدرات تتحدى أعين الرقابة
انتشرت عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة على غرار “الفايس بوك” و”التيك توك”، العديد من الفيديوهات التي يرقص فيها أصحابها من الشباب والشابات، على أنغام بعض أغاني الراي ذات الإيقاع “الراقص”، والتي تروّج في كلماتها لمختلف أصناف المهلوسات والمؤثرات العقلية، ما أعاد إلى الواجهة طرح الجدل حول فحوى التعديلات التي تضمنها قانون العقوبات المتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع الاستعمال والاتجار غير المشروع بهما..
وعادة ما يتم تسجيل هذه الأغاني في السهرات والملاهي الليلية، وتتضمن في كلماتها الصريحة عبارات تروّج علنا لمختلف أشكال المخدرات والأقراص المهلوسة، على غرار أغنية “جيبولي لريكا .. الصاروخ والكوكايين راسي كلالي الملايين”، حيث تظهر في فيديو على “التيك توك” فتاة في مقتبل العمر ترقص على أنغام هذه الأغنية الراقصة، عن جهل ومن دون إدراك منها بأن ذلك يضعها تحت طائلة المتابعة الجزائية، ويعرضها لعقوبة مشددة سالبة للحرية بالحبس النافذ قد تصل إلى عشر سنوات.
عقوبات مشدّدة لوقف تداول الأغاني التي تروّج للمخدرات
وتضمنت تعديلات قانون العقوبات الصادر في الجريدة الرسمية ليوم 9 ماي 2023 ضمن القانون 23 / 05، صراحة عقوبات مشدّدة لكل من يروّج بأي طريقة كانت للمخدرات، سواء بالأغاني أو الكليبات أو الصوّر وحتى عن طريق منشورات “فايسبوكية”، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 16 مكرر في نفس القانون، صراحة على أنه يعاقب بالحبس النافذ من 5 سنوات إلى 10 سنوات، وبغرامة مالية من 50 مليون سنتيم إلى 100 مليون سنتيم، كل من يروّج عمدا بأي وسيلة كانت للمخدرات والمؤثرات العقلية، كما نصت نفس المادة على أن العقوبة تكون بالحبس ما بين 10 سنوات و20 سنة، وبغرامة من 100 مليون سنتيم إلى 200 مليون سنتيم، إذا ارتكبت الجريمة المذكورة في الفقرة الأولى عن طريق استغلال قاصر، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو شخص يعالج بسبب إدمانه، أو مراكز تعليمية أو تربوية، أو تكوينية أو صحية، أو اجتماعية أو داخل هيئات عمومية، أو مؤسسات مفتوحة للجمهور.
أغاني متداولة في الملاهي الليلية تحرض على تعاطي المهلوسات
وعلى الرغم من نصوص القانون الصريحة والتي تضمنت عقوبات مشدّدة سالبة للحرية، غير أن بعض المغنيين في الملاهي والمراقص الليلية وحتى في الأعراس لازالوا يؤدون أغان تتضمن التباهي بتعاطي مختلف أصناف المخدرات والمؤثرات العقلية، بإيقاعات راقصة تستقطب الشباب من الجنسين والذين تتمايل أجسامهم على أنغامها من دون علمهم بأن ما يقومون به يقع تحت طائلة نص الفقرة الأولى من المادة 16 مكرر، والتي تعاقب بالحبس من 5 إلى 10 سنوات.
وأكد قضاة وقانونيون بأنه يجب على كل شخص إدراك حجم المسؤولية الجزائية الملقاة على كل إنسان تسول له نفسه بأي طريقة كانت الترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية، وذكروا بأن الجهل بالقانون لا يعني الإعفاء من العقوبة، لأنه من المبدأ القانوني “لا عذر بجهل القانون”، وأن أي إنسان قد يخطر له إنتاج أي مادة سواء ما تعلق الأمر بأغنية أو توزيع أقراص مضغوطة أو أشرطة أو صور أو حتى عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وإذا استشفت منه النيابة لغة للتحريض أو الترويج لهذه السلوكيات المجرمّة، خاصة منها الدعوة لتعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، أو التباهي بها فإنه يقع تحت طائلة نص المادة القانونية التي تعاقب على ذلك، وذكر أحد قضاة النيابة بأنه إذا كان النصح والوعظ لا يأتي بنتيجة مع المروجين والمتباهين بالمخدرات، فإن القانون سيكون لهم بالمرصاد، فالحل بالنسبة للمشرّع هو الحبس المشدد والغرامة، لردعهم ووقف زحف آفة المخدرات على مختلف فئات المجتمع.
الملاعب والأعراس فضاءات خصبة لتداول هذه الأغاني
من جهة أخرى، أكد المحامي لدى مجلس قضاء قالمة، الأستاذ توفيق كرميش، لـ”الشروق اليومي”، بأن نص الفقرة الأولى من المادة 16 مكرر، واضح وصريح، في تحميل المسؤولية الجزائية لكل شخص يقوم بالترويج عمدا للمخدرات والمؤثرات والتباهي بها، عبر أي وسيلة كانت، سواء ما تعلق الأمر بالأغاني التي أضحى يرددها الشباب بقوة، أو عن طريق الصور أو الفيديوهات وغيرها، لأن كلمة الترويج في المفهوم القانوني يضيف الأستاذ كرميش، تعني التباهي بالمخدرات والتحريض على استهلاكها، مضيفا بأن الكثير من الأغاني تم إنتاجها قبل صدور القانون 23/ 05 المؤرخ في 9 ماي 2023، لكنها لا تزال موجودة على مواقع التواصل الاجتماعي و”اليوتيوب”، ما يجعلها من بين الجرائم المستمرة، وتطبق على صاحبها العقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 16 مكرر، لأنه بإمكانه إزالتها من موقع “اليوتيوب” بكل سهولة لتجنّب تداولها من طرف رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف الأستاذ كرميش توفيق أن الأغاني التي تتباهى بالمخدرات والمؤثرات العقلية يتم أداؤها بكل حماس في الملاهي والمراقص الليلية، لتنتشر بقوة ويتم تداولها في مختلف الحفلات والأعراس وحتى في مدرجات الملاعب بين الأنصار، من مختلف الفئات العمرية بما فيهم الأطفال القصر، والذين خصهم المشرّع في نفس المادة بعبارة صريحة في تشديد العقوبة، حيث يُعاقب بالحبس ما بين 10 سنوات و20 سنة، وبغرامة من 100 مليون سنتيم إلى 200 مليون سنتيم، إذا ارتكبت الجريمة المذكورة في الفقرة الأولى عن طريق استغلال قاصر، أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، أو شخص يعالج بسبب إدمانه، أو مراكز تعليمية أو تربوية، أو تكوينية أو صحية، أو اجتماعية أو داخل هيئات عمومية، أو مؤسسات مفتوحة للجمهور. وهي فقرة شاملة إذا ما طبقت بسلامة قانونية على مروجي تلك الأغاني التي تشيد بتعاطي المخدرات في الملاعب الرياضية أو حتى في الأعراس.
وزارة الثقافة منعت تداول الأغاني الهابطة
ومن جهتها، سبق لوزارة الثقافة والفنون الجزائرية خلال شهر فيفري من سنة 2023، أصدرت تعليمة وزارية تمنع بموجبها بث وبرمجة الأغاني المبتذلة في المهرجانات ومختلف الفعاليات الثقافية، وذلك في إطار أخلقة الحياة العامة، حيث تشمل التعليمة منع بثّ الأغاني المبتذلة والتي تحمل كلمات تتنافى والقيم الاجتماعية للفرد الجزائري، في القنوات الإذاعية والتلفزيونية وحتى عدم برمجتها في مختلف التظاهرات والمهرجانات الثقافية، ومن بينها الأغاني التي تروّج للمخدرات والمؤثرات العقلية، التي تضرب المجتمع الجزائري في العمق، بعد ما ساهمت تلك الأغاني التحريضية على تعاطي واستهلاك المخدرات، في جلب فضول آلاف الشباب ودفعتهم للإقبال على استهلاك مختلف أصناف المخدرات، التي أضحت تهدد المجتمع في كيانه، وهو ما تكشفه حصيلة نشاطات مختلف الأجهزة الأمنية سنويا في عدد قضايا المخدرات المسجلة عبر مختلف ولايات الوطن، يؤكد حجم الخطر الذي يحدق بالمجتمع، جرّاء هذه الآفة التي تُفقد مستهلكيها وعيهم وعقولهم وتدفعهم لارتكاب أبشع الجرائم من دون وعي أو إدراك منهم تحت تأثير تلك السموم التي تنخر الجسم والمجتمع.
وفي الوقت الذي ثمّن فيه الفنانون تعليمة وزارة الثقافة والفنون، إلاّ أن مواقع التواصل الاجتماعي خاصة منها “اليوتيوب” و”التيك توك” لاتزال مليئة بعشرات الأغاني التي تتغنى بمختلف أصناف المخدرات وتشيد بمستهلكيها، ويمكن تحميل روابطها وتداولها وإعادة نشرها على منصات وصفحات التواصل الاجتماعي بكل سهولة، من طرف أشخاص قد لا يعرفون بأن سلوكهم النابع عن الجهل بالقانون قد يجرهم إلى المحاكمة ويضعهم تحت طائلة المتابعة الجزائية بنص الفقرة الأولى من المادة 16 مكرر من قانون العقوبات المتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع الاستعمال والاتجار غير المشروع بهما، وقد يدفعون من حياتهم 5 سنوات أو 10 سنوات حبسا نافذا بمجرد كبسة زر لإعادة نشر تلك الأغاني على مواقع التواصل الاجتماعي.
الأولياء مطالبون بالتحرك لمجابهة الظاهرة
وفي ظلّ الخطر الداهم لهذه الآفة على المجتمع والذي لم يعد يستهدف الشباب فقط من الجنسين، بل امتد ليستهدف الأطفال والتلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطات والثانويات، ما يستدعي وعلى عجل، تحرك كل فئات المجتمع، لمجابهة ظاهرة استهلاك وتجارة المخدرات، والضرب بيد من حديد لكل من يساهم في التأثير على عقول الأطفال والترويج للمخدرات بأية طريقة كانت، وفي مقدمتها تلك الأغاني المبتذلة، والتي يتم تركيبها بإيقاعات حماسية تستقطب كل الفئات العمرية، حيث يمكن إنشاء هيئة رقابية حكومية أو غير حكومية لمتابعة ومراقبة “اليوتيوب” وإجبار كل شخص ينشر فيه أغانيه المحرضّة على المخدرات على إزالتها فورا، وعلى الأسرة وخاصة منهم الأولياء الصرامة أكثر في مراقبة تحركات وتصرفات أبنائهم القصر، ومنعهم من الولوج إلى تلك المواقع، التي سلبت عقولهم وجعلتهم يتقمصون شخصيات وهمية، قد تؤدي بهم إلى الإدمان، في ظلّ تزايد عصابات وشبكات الاتجار بالمخدرات، التي تجد في الأطفال والمراهقين قابلية مطلقة لاستدراجهم بكل سهولة، لتسويق سمومهم. وإن كان المشرّع قد أخذ هذه الفئة بعين الاعتبار في النص القانوني فإن الجزء الأكبر في المراقبة والمتابعة يقع على الأولياء، لأداء دورهم كاملا في تربية الأبناء.
زرمان: كثرة تداول أسماء المهلوسات.. يحوّلها إلى مرغوبة
ويُحذّر المختصون في علم النفس من هذه الظاهرة، والتي بات تأثيرها مُباشرا وخطيرا على عقول المراهقين، وقال في هذا الشأن المختص في علم النفس حسام زرمان لـ”الشروق”، بأن كثيرا من أغاني الراي التي يستمع اليها شبابنا مؤخرا، باتت تحمل تلميحات غير أخلاقية وتشجع على الانحراف، وتتضمّن أسماء لمختلف أنواع المُهلوسات.
وحسبه، غالبية هؤلاء المغنيّين “لا يملكون مستوى تعليمي، ولكنهم يبحثون عن الشهرة بأي طريقة، سواء بتقمصهم شخصيات وهميّة أو صنع مجد وهمي لأنفسهم عن طريق بث أغاني إباحية، وآخرين يجبرهم المنتجون على اصدار مثل هذه الأغاني بحثا عن الأرباح، على اعتبار أن كل محظور مرغوب”.
ومثل هذه الأغاني حسبه، لها تأثير سلبي جدا على عقول المراهقين والشباب، مؤكدا “في سنوات سابقة كان أغلب الأطفال والمراهقين متوازنين عقليا ولهم أهداف وطموحات، أما الآن فشريحة كبيرة منهم تائهون، يفكرون في التوقف عن الدراسة أو الحرقة”.
وكشف محدثنا بأنّه يستقبل في عيادته حالات لأطفال أعمارهم فوق 17 سنة، مدمنين على المهلوسات، وآخرين لا يتحرجون في الحديث عن المخدرات “لإظهار رجلة مزيفة أمام زملائهم، وأنهم يعرفون كل شيء عن عالم المخدرات”.
ولأن المخدرات باتت تٌذكر بسهولة في الأغاني بدون وجود جهة رادعة، استسهل المراهقون هذا الموضوع، وجعلهم يسعون لخوض تجربة تعاطي الممنوعات، “رغم أن بعضها خطير ومخلوط بالهيروين، والتي تسبب إدمانا شددا لمتعاطيها، ونجد نحن الأطباء صعوبة كبيرة في علاج المدمنين عليها” على حدّ قوله، وأضاف “ومثل هؤلاء الأطفال سيتحولون مستقبلا إلى مشاريع أشخاص مجرمين وعدوانيين في المجتمع”، مناشدا الأولياء، بمراقبة ما يستمع اليه أطفالهم وما يشاهدونهم على هواتفهم النقالة.