الرأي

ألعاب باريس الأولمبية 2024.. دورة بتأثير “مسكر 33” الفرنسي!؟ (1)

بقلم: مسعود قادري
  • 898
  • 0
ح.م

بعد إسدال الستار يوم الثامن من أوت الحالي عن الطبعة الـ”33 ” من الألعاب الأولمبية الصيفية التي استقبلتها العاصمة الفرنسية باريس في الفترة من 26 جويلية إلى غاية الـ11 أوت بمشاركة 206 دولة مع رياضيين مغتربين أدمجوا في البرنامج، بينما حرمت دول من حق المشاركة لأسباب سياسية (روسيا وبيلوروسيا) رغم تنافي الإقصاء مع القيم الأولمبية؟!..
الدورة الباريسية الثالثة في تاريخ الألعاب الأولمبية (1900ـ 1928 و2024)، ساهم في تنشيطها 10714 رياضي ورياضية في32 رياضة منها 28 أولمبية و04 اختيارية اقترحها المنظمون وألغيت أربع رياضات أخرى لم يتم الاتفاق عليها.. تعيين باريس لتنظيم الحدث الأولمبي سنة2024 تم بالعاصمة البيروفية “ليما” يوم 13 سبتمبر 2017 مع اختيار مدينة لوس أنجلس الأمريكية لاحتضان الدورة 34 سنة 2028.

الحركة الأولمبية تضحي بمبادئها وقيمها..؟
قبل التعرض للحصيلة النهائية للألعاب التي تغير ترتيب جدول ميدالياتها النهائي بغياب قوة رياضية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية على مدى الدورات الأولمبية السابقة وهي روسيا ـ وريثة الاتحاد السوفياتي (باستثناء دورتي موسكو 80 التي غابت عنها الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة ودورة لوس أنجلس 84″، التي تغيبت عنها الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفياتي سابقا)..تطرح عدة تساؤلات مشروعة عن تخلي الحركة الأولمبية منذ مدة عن قيمها ومبادئها التي لا تعترف بالتدخل السياسي والاقتصادي ولا الميز العنصري والتفرقة الدينية والعرقية في مماسة الرياضة عامة والانتماء للحركة الأولمبية تحت أي عنوان. غير أن الملاحظ ميدانيا، أن اللجنة الأولمبية الدولية والاتحادات المتخصصة التابعة لها تتدخل وتحشر أنفها برفض تدخل الحكومات في توجيه هيئاتها الرياضية بحجة الحفاظ على استقلالية التنظيمات الرياضية عن الحكومات، بينما صارت تخضع للسياسة وتأثير الدول الكبرى التي توجه كل الهيئات العالمية وفق منظورها السياسي بعيدا عن المباديء الأولمبية.. وتحت هذا المبرر، لم تستفد الألعاب الإفريقية في دوراتها التسع الأولى (الألعاب تنظم كل أربع سنوات إن سمحت الظروف الاقتصادية للبلد المستضيف..؟) مثلا، من اعتراف ودعم اللجنة الأولمبية الدولية، مثل بقية الألعاب الجهوية، رغم ما تمثله من قيمة رياضية واجتماعية وبشرية، والسبب هو أنه كانت تشرف عليها هيئة سياسية تابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية ـ سابقا ـ الاتحاد الإفريقي حاليا ـ، وهي المجلس الأعلى للرياضة في إفريقيا” CSSA”. الذي عوض بـ “اتحاد اللجان الأولمبية الإفريقية ” UCSA ” ولا أظن أن الأوضاع تغيرت كثيرا لصالح الأفارقة..؟ !.
موقف اللجنة الأولمبية الدولية التي كانت تعتبر الهيئة العالمية الوحيدة المستقلة ماليا عن تمويل الدول التي تهدد المنظمات العالمية الأخرى ـ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ـ بتوقيف مساعداتها كلما تبنت موقفا سياسيا لا توافق عليه الدولة الممولة ـ مهما كانت عدالته ـ فاللجنة الدولية كان يفترض أن تكون مواقفها وكل الاتحادات المنضوية تحت لوائها على نفس المسافة من كل الأعضاء ولا تأخذ في اعتباراتها العوامل العرقية، السياسية والدينية حفاظا على مكانتها وقيمها التي أثرت فيها سياسة الدول الاستدمارية الغربية السابقة والحالية بمرور الزمن حتى الحقتها ببقية المنظمات التي لا تستطيع الخروج عن دائرة القرار الغربي ـ الصهيوني.. وهذا الموقف لم يكن جديدا في عالم يسيطر فيه الإعلام الموجه والمال الفاسد على حركية الأمور في كل بقاع العالم !.. هناك أمثلة حية من التاريخ الحركة الرياضية الدولية وكيف تسير مع التضليل الإعلامي الغربي وفي مقدمته الإعلام الفرنسي الذي يدعى الحرية والاستقلال عن القرار السياسي مع أنه خير خادم لمخططات بلده وكتلته…فخلال الثورة التحريرية الجزائرية (54 ـ62)، وبعد إنشاء فرق رياضية جزائرية ومنها فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم من خيرة لاعبي الكرة من أبناء الشعب الجزائري لتسخير مواهبهم الكروية الاحترافية في خدمة قضية وطنهم العادلة. بالانتماء لثورة بلدهم والدفاع عن ألوان الوطن من خلال التجول في ملاعب العالم والتعريف بقضيتهم لدى شعوب العالم التي ضللتها الأبواق الاستدمارية وقلبت لها الحقائق عن الثورة والثوار.. هنا صدرت قرارات مجحفة من اتحاد الكرة العالمي تهدد كل الدول التي تستقبلهم منتخب الثورة الجزائرية رياضيا بالإقصاء من المنافسات الرسمية فكانت النتيجة، رفض العديد من الدول القريبة والبعيدة مواجهة فريق الجبهة خوفا من العقوبة، مع أن بعض الدول لا يزيد إقصاؤها مؤقتا أو ينقص شيئا من مستوى مشاركتها في المنافسات العالمية..هي خضوع المغلوب للغالب فقط.. !؟..
والحمد لله أن في تلك الفترة ـ خمسينات القرن الماضي ـ كانت هناك دول لها مواقف مشرفة في مساندة الشعوب المكافحة من أجل التحرر فسمحت للجزائريين باللعب والتحدي وتعريف العالم بأنهم من شعب له تاريخ وقيم لا علاقة لها بالمستدمر الفرنسي ولا بادعاءات إعلامه المنحرف المظلل الذي كان في خدمة دولته الظالمة وليس له علاقة بالقيم التي يدافع عنها..

أول مقاطعة سياسية للألعاب سببها التحيز..
هذا التحيز الذي نراه في العديد من المواقف الحالية ـ كما سيأتي ـ أدخل الألعاب الأولمبية في مواقف ومواجهات سياسية هي في غنى عنها لو التزم مسيروها بمباديء الحركة التي تتنافى وهذه المواقف !… في سبعيينات القرن الماضي وعندما تمادي نظام الميز العنصري بجنوب إفريقيا في عنصريته وعنجهيته ضد أهالي البلد الأصليين على غرار ما يقوم بها الصهاينة المجرمون حاليا في فلسطين من إبادة جماعية يندى لها جبين الأحرار في العالم وتفتخر بها الصهيونية والماسونية في الغرب مع بعض المثبطين والمرجفين من العرب والمسلمين !…
.قلت عندما تمادى نظام “بيتر وليام بوتا” العنصري المعروف أيضاً بـالتمساح الكبير وهو زعيم جنوب أفريقيا بالفترة من 1978 إلى سنة 1989، فقد شغل منصِّب رئيس وزراء من (1978 – 1984) وأول رئيس لجنوب إفريقيا من (1984 – 1989) في جرائمه ضد الأفارقة، حيث كان يمارس سياسة عنصرية مقيتة ضد السود الأصليين.. وقف العالم كله في مواجهته فاتخذت الأمم المتحدة قرارا بمقاطعة نظامه مقاطعة عالمية جامعة. لكن دولة نيوزيلندا تجاوزت القرار الأممي رياضيا وشاركت في دورة للرغبي ببريتوريا قبيل الألعاب الأولمبية 1976 بمونريال.. طالب الأفارقة حينها في وحدة غير متوقعة من اللجنة الدولية معاقبة “ويلنغتون” على موقفها بمنعها من المشاركة في الألعاب فلم تفعل وكانت النتيجة مقاطعة القارة السمراء لدورة مونريال وهي أول مقاطعة سياسية لدورة أولمبية منذ عودة الأخيرة للظهور في صورتها الجديدة..
المقاطعة السمراء للألعاب، كان وراءها المجلس الأعلى للرياضة في إفريقيا وقد كانت له دوافع إنسانية ورياضية بالدرجة الأولى، لكنها استغلت من الولايات المتحدة والحلف الأطلسي ومن يسير في فلكهم لمقاطعة ألعاب موسكو 1980 كموقف من الغرب الديمقراطي.. !؟ ضد التدخل العسكري السوفياتي في أفغانستان التي خرج منها السوفيات مهزومين وحل محلهم الأمريكان ليدمروا البلاد تدميرا لم تعرف مثله ـ لا في العهد السوفياتي ولا قبله، ولم تخرج منه إلا بعد أن دمرت كل ما يصلح وتركت آثار الخراب في كل مكان، لكنها خرجت تجر أذيال هزيمة دعمت بها سجل هزائمها العسكرية السابقة في فيتنام والصوامال ولبنان و..ردا على تغيب الكتلة الغربية في موسكو، كانت المقاطعة الثالثة في لوس أنجلس 84 من الكتلة الشيوعية التي تركت المجال للولايات المتحدة لتسيطر على الألعاب رياضيا وسياسيا وتحرم رياضيي روسيا من حضور دورة باريس 24 التي كانت فرصة للقوة الثالثة، الصين، لمقارعة الولايات المتحدة والتفوق على الدول الغربية الأخرى مجتمعة..

المال قبل المبادئ.. !
عندما تخلت الحركة الأولمبية وقواعدها عن قيمها ومبادئها الأخلاقية أصبحت الاختيارات والانتقاءات لا تخضع للمعايير والمقاييس الرياضية، بل لعوامل أخرى تحددها القوى المهينة على العالم.. فبسبب الحرب الروسية الأكرانية أقصي الرياضيون الروس من المشاركة في كأس العالم بقطر أولا، ثم حرموا من مواجهة منافسيهم في بقية الرياضات بعاصمة الحرية والديمقراطية، باريس24..؟!.. لكن عندما تدوس إسرائيل على كل الأعراف والقوانين الدولية والقيم الإنسانية وتقرر إبادة شعب كامل اغتصبت أرضه وأبيحت دماء مواطنيه وانتهكت حرماته، وصفيت عائلات وأحياء وقرى كاملة بكل وسائل الدمار الشامل التي يقدمها الغرب لحليفته الوصية على مصالحه في المنطقة.. باسم الحرية والديمقراطية.. كل هذا لا يحرم إسرائيل من المشاركة في الألعاب الأولمبية وكل من يعترض اللعب ضد رياضييها يطرد من الحركة الأولمبية… !؟. إنها سياسة التفضيل والتمييز العنصري المقيت التي يفترض ألا تكون في المحافل الرياضية منذ زمن طويل.. هي في الأصل كانت موجودة لكنها لم تكن بارزة في وقت كانت الدول الاستدمارية الغربية وحيدة في الميدان، فهي الخصم والحكم، وعندما تعددت أطراف المشاركة تدخل التمييز العنصري الذي لن يتخل عنه اليهود والنصارى مادامت في الأرض حركية وفي الحياة صراع بين الخير والشر.. فالشر لن ينقطع ويبقى هؤلاء ممثليه إلى أن تقوم الساعة.. وسيزداد قوة كلما زاد ممولو الحركة الأولمبية حيث مالت كفتها للأكثر تأثيرا في السياسة العالمية على حساب رياضيين ودول لها باع طويل في الحركة الأولمبية. لقد صار المال من بين المؤثرات الكبرى في الأحداث الرياضية عن طريق التمويل المباشر للنشاطات الأولمبية من قبل الشركات التي تمثل أمورا أخرى ذات طابع سياسي وعسكري في مناطق معينة من العالم إلى جانب ما تجنيه اللجنة الدولية والاتحادات المنضوية تحتها من أموال تدرها عملية البث التلفزي في كل المنافسات الرياضية العالمية التي تحولت إلى سوق تجارية بين مؤسسات الإعلام الكبرى في العالم… هذه المصادر التمويلية الحقت المجلس الأولمبي بكل الهيئات العالمية ـ رياضية وخيرية ـ التي يتحكم فيها المتشدقون من المتصدقين بالمساعدات ليبقى المال ليس عصبا للحياة كما يقال، بل مصدرا للتمييز والتنكيل والتدمير.. وشاهد العصر على ذلك ما يجري في فلسطين وقبلها في مناطق أخرى بالعالم العربي الإسلامي بالخصوص..؟ !.

مقالات ذات صلة