فرنسا الاستعمارية تدين نفسها
ألكسيس جيني يؤرخ “لفن الحرب الفرنسي” وليون تحتفل بمظاهرات17 أكتوبر
تشهد فرنسا مع الدخول الاجتماعي عودة قوية للأفكار التي تدين التاريخ الفرنسي الاستعماري، لأن الأجيال الجديدة على ما يبدو لم تعد فخورة بإرث فرنسا التاريخية، إذ وبالموازاة مع تصاعد خطاب اليمين المتطرف الفرنسي الذي يعادي العرب والمسلمين ويسعى لفرض نظرية الاستعماري الإيجابي، يكبر في فرنسا حاليا تيار يسعى إلى إعادة مراجعة التاريخ الفرنسي وتنقيته من الزيف أو على الأقل التوقف عن “الافتخار بالأكاذيب التي سعت فرنسا إلى تاكيدها طوال عقود، فلم يعد على ما يبدو بعض الفرنسيين فخورين بفرنسيتهم” على رأي ألكسيس جيني الروائي المرشح للجونكور هذه السنة في تصريح نقلته القناة التلفزيونية الثالثة.
-
ألكسيس جيني، أستاذ البيولوجيا في إحدى الثانويات الفرنسية بمقاطعة ليون، شكل مفاجأة في الدخول الأدبي الفرنسي، حيث اعتبرت روايته “فن الحرب الفرنسي” من أكثر الروايات الوافرة الحظ للفوز بالجونكور من بين 74 عملا أدبيا فرنسيا خلال الموسم الجديد، حيث حققت الرواية قبولا نقديا وتجاريا كبيرا “أكثر من 20 ألف نسخة بيعت في المكتبات الفرنسية” زيادة عن الاحتفاء الإعلامي بما اسماه الإعلام الفرنسي “الظاهرة المفاجئة” ووصفها باتريك Rambaud، عضو أكاديمية غونكور، بالرواية الأكثر إدهاشا.
-
يقدم ألكسيس جيني في روايته “فن الحرب الفرنسي” إعادة قراءة نقدية حول الهوية والتاريخ الفرنسي، حيث يعمل البطل صالانيو الفيكتوري على نقل ذكرياته في حرب الفتنام وحرب الجزائر والهند الصينية إلى الراوي، إذ يسترجع البطل مع الراوي عبر الرسم مسيرة خمسين سنة من الحروب الاستعمارية التي خاضتها فرنسا في مستعمراتها القديمة “تاريخ مليء بأنهار الدماء والتعذيب.. تاريخ لم يكن دوما مشرفا”، عبر 630 صفحة وخمس سنوات قضاها المؤلف في كتابة رواياته عبر مقاهي ليون، المكان المفضل للكتابة بالنسبة له، يقدم ألكسيس جيني فرنسا أخرى ربما هي مفاجئة للأجيال الجديدة.
-
الرواية التي أبهرت الفرنسيين، قسمها صاحبها إلى ستة أبواب أو حلقات بدءا من التحضيرات لحرب الخليج الأولى وبداية عد العدة لغزو العراق، حيث “الفرنسيون لا يعرفون شيئا عن الجيش العراقي سوى انه رابع جيش في العالم الذي يهدد أمن فرنسا”، في هذا الوقت الحاسم، حيث الراوي في أزمة شخصية يلتقي بصالانيو الفيكتوري المحارب السابق في الجيش الاستعماري الذي يملك خبرة الرسم زيادة عن خبرة قيادة الفيالق الحربية في الجزائر والهند الصينية. عبر ذكريات هذا الرجل، يكتشف الراوي الوجه الآخر لتاريخ بلاده عبر خمسين عاما، يكتشف أن دوغول “لم يكن أكثر من كذاب وأن التاريخ أكبر مما ذهب إليه ألبير كامو، وأن البطولات الزائفة كانت أيضا حروبا قذرة وأنهارا من الدماء”.
-
وينتظر أن تثير الرواية الكثير من ردود الأفعال في فرنسا تزامنا مع ورطة في فرنسا في المستنقع الليبي، فهي تحمل نظرة الأجيال الجديدة التي ما عادت تهتم كما يقال بما تحققه فرنسا خارجيا أكثر من اهتمامها بما تقدمه فرنسا لأبنائها في الداخل حتى ولو كان البعض من حروب فرنسا في الخارج هي في الحقيقية لحسم مشاكل فرنسا الداخلية.
-
في اتجاه مماثل، تستعد مدينة ليون التي ينحدر منها كاتب “فن الحرب الفرنسي” إلى احتضان تظاهرة ثقافية وفنية تخليدا للذكرى الخمسين لمظاهرات 17 أكتوبر 1961 في باريس، وسيتم على هامش هذه التظاهرة إطلاق اسم 17 أكتوبر على إحدى ساحات المدينة، الأمر الذي يعتبر خطة جد مهمة في مسار اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية أو على الأقل إدراكها، وينتظر أن يحاضر علي هارون حول الموضوع بحضور عدد من رجال الثقافة والسينما.