الرأي

أليس منكم رجل رشيد‮..‬؟‮!‬

الشروق أونلاين
  • 3385
  • 9

‮”‬إن الفضلَ‮ ‬قيمتُهَ‮ ‬فيه،‮ ‬لا فيما‮ ‬يقال عنه،‮ ‬أيًّا كان القائلون‮”..-‬ نيتشه‮

لن تنسيني‮ ‬لذة المطارحة مع الأخ سلطان بركاني‮ ‬أن أذكّره بأني‮ ‬حريص على التفريق بين خطبة مغلقة أمام جمهور منحاز،‮ ‬أحادي‮ ‬المنظار،‮ ‬وبين كتابة عالمة أساسُها سلامة المنهج وغايتها الحق الذي‮ ‬يكبرني‮ ‬ويكبره‮.‬

قبل هذا،‮ ‬وإحقاقا للحق،‮ ‬وجدتني‮ ‬إزَّاءَ‮ ‬مُحاورٍ‮ ‬مهذَّب،‮ ‬قريب المأخذ،‮ ‬حسن التصوف بمعتقده‮ ‬ينقاد إليه بلا منازعة من اعتراضٍ‮ ‬محتمل،‮ ‬ولا تضييقٍ‮ ‬من استحالة امتلاك الحقيقة المطلقة‮.‬

لذلك أوشكت ألاّ‮ ‬أفهم كيف لمتطلع إلى التنوير مثله،‮ ‬ولمستبصر حسن الفحص من طرازه أن‮ ‬يأبى العرفانيةَ‮ ‬على نفسه وهي‮ ‬مطلب كلّ‮ ‬عتيقٍ‮ ‬من الأرضية وتوابعها،‮ ‬ومَفرُّ‮ ‬كلِّ‮ ‬ناجٍ‮ ‬من المحدودية ولواحقها،‮ ‬ولم ألبث‮ ‬‭-‬‮ ‬وأنا على عجالة من أمري‮ ‬ومن أمره‮ – ‬أن ردتني‮ ‬الوقائع إلى سنة الله في‮ ‬خلقه،‮ ‬هو الذي‮ ‬يختص برحمته من‮ ‬يشاء‭!‬

لا عليك أيها الفاضل ألا تكون مريدا صوفيا،‮ ‬فأقدارك لم تهيئك لذلك،‮ ‬فلا تطلب لنفسك حظا‮ ‬يراد به‮ ‬غيرك‮:‬

خَـــــــلِّ‮ ‬الطَّــرِيقَ‮ ‬لِـمَنْ‮ ‬يَـبْـــنِي‮ ‬الْـمَــنَــارَ‮ ‬بِـهِ وَاقْعُدْ‮ ‬بِبَرْزَةَ‮ ‬حَيْثُ‮ ‬اضْطَرَّكَ‮ ‬الْقَدَرُ‭!!‬

أوشكتُ،‮ ‬ثانيا،‮ ‬ألا أمسك بخيط في‮ ‬كل ما قاله في‮ ‬الشروق‮ ‬يوم‮ ‬31‮/‬05‮/‬2014،‮ ‬فلا‮ ‬يكاد الرجل‮ ‬يحط على موضوع حتى‮ ‬يطير إلى‮ ‬غيره،‮ ‬تلك سيولة ولا شك ولكن الذي‮ ‬يريد أن‮ ‬يقول كل شيء لا‮ ‬يقول شيئا في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬ففي‮ ‬لحن كلامه أشياء أريدت وأخرى قيلت،‮ ‬وأشياء دَلّت وأخرى لا حظ لها من جميع ذلك‮.‬

على أن البؤرة المركزية ثابتة بالثابت السلفي‮ ‬في‮ ‬كل نقاش،‮ ‬وهو التصوف تجريحا بلا عدل،‮ ‬وسَرَفا بلا قصد،‮ ‬وتجريما بلا تقية،‮ ‬وتسوُّرًا بلا تحفظ،‮ ‬ودوسا إلى آخر الحافر‮. ‬فعلى إيقاع‮ ‬يشبه إيقاع السامبا،‮ ‬وبوتيرة ذاهبة في‮ ‬التصعيد،‮ ‬يستأنف الكاتب إذن حملة على التصوف كان دشنها سابقا،‮ ‬مع تنويعات سيأتيك نبأها بعد حين‮.‬

ألا إن أعراض الصوفية هي‮ ‬السياط التي‮ ‬تضرب جلودكم،‮ ‬وهي‮ ‬اللهيب الذي‮ ‬يشوي‮ ‬وجوهكم،‮ ‬وإن منعكم من نهشها‮ ‬يدخل في‮ ‬جملة القيم التي‮ ‬ما آمن بها إلا موفّق،‮ ‬وما داسها إلا هيّن تعيس‮.‬

عجيب أمرهم،‮ ‬فإنك لتسمع في‮ ‬صدر أحدهم‮ ‬‭-‬‮ ‬متى اعترضه ذكرُ‮ ‬واحدٍ‮ ‬من الصوفية‮ ‬‭-‬‮ ‬هديرَ‮ ‬النار التي‮ ‬وقودها الناس والحجارة،‮ ‬وعصبيةَ‮ ‬الرعد الذي‮ ‬في‮ ‬أحشاء السماء،‮ ‬وإنّ‮ ‬الأعراض تلك،‮ ‬وهي‮ ‬مما حرم الله دينا،‮ ‬ومَنَعت الفضيلةُ‮ ‬تعفُّفًا،‮ ‬وصان العرفُ‮ ‬أريحيَّةً،‮ ‬لَمَحَكٌّ‮ ‬يُختَبَر به الناسُ‮ ‬فشقي‮ ‬وسعيد‭!‬

يختزل الأستاذ بركاني‮ ‬التصوف في‮ ‬بعض أهله،‮ ‬فيستدعي‮ ‬الشيخ علي‮ ‬جمعة لمحاكمة التصوف في‮ ‬المعادلة المصرية التي‮ ‬أحدُ‮ ‬طرفيها الإخوان المسلمون،‮ ‬وطرفها الآخر السيسي‮ ‬ومِن بين‮ ‬يديه ومن خلفه وعن أيمانه وعن شمائله أشتات الناس مؤيدا ومعارضا‮.‬

في‮ ‬علمي‮ ‬أن آخر من‮ ‬يُذكَر في‮ ‬المعترضين على السيسي‮ ‬هو حزب النور،‮ ‬وهو سلفي‮ ‬يحترف الماضوية إلى النخاع،‮ ‬فلماذا تغاضيت عنه وهو في‮ ‬صميم المناهضة للإخوان،‮ ‬أم أن قلمك مع الإخوان وقلبك عليهم؟‭!‬

أرَّقَكَ‮ ‬اجتماع الدبلوماسيين الغربيين بجماعة صوفية،‮ ‬وليس ثمة ما‮ ‬يدل على أن اللقاءات تمت بطلب صوفي؛ أستبعد أن سلفيا/حداثيا‮ (‬؟‮) ‬مثلك‮ ‬يجهل أن القنصليات الأجنبية تشرع أبوابها لكل من‮ ‬يسمون أنفسهم فاعلين سياسيين‮ ‬‭-‬‮ ‬حتى من الإسلام السياسي‮ ‬‭-‬‮ ‬وفيهم من‮ ‬يذهب إليهم بالعمامة ونصف الساق؛ فهل أنت على علم بذلك أم أن عين الرضى عن كل عيب كليلة؟‭!‬

للتصوف أدوار كبرى،‮ ‬هي‮ ‬بالتأكيد أشرف ممّا‮ ‬يُصوِّرُ‮ ‬قلمُك الجائر‮. ‬لقد حصل أن استشكل الإمبراطور الروماني‮ ‬فريدريك الثاني‮ ‬جملة من المسائل الفلسفية وعرضها على نخب نصرانية أولا ثم إسلامية،‮ ‬فلم‮ ‬يأته الحل إلى من الإسلام الصوفي،‮ ‬إذ بدد حيرتَه عبد الحق بن سبعين الصوفي‮ ‬في‮ ‬ردود هي‮ ‬اليوم مطبوعة حتى عنوان‮ (‬المسائل الصقلية‮).‬

كما أن الإسلام‮ ‬يَدين‮ ‬‭-‬‮ ‬بعد الصحابة والتابعين‮ ‬‭-‬‮ ‬للتصوف بانتشاره في‮ ‬آفاق من العالم،‮ ‬منها إفريقيا،‮ ‬وبثباته في‮ ‬آفاق أخرى،‮ ‬كالشرق الأقصى،‮ ‬وبالقدر نفسه تَدين له مقاومة الكولونيالية كما‮ ‬يشير إلى ذلك الكاتب الأمريكي‮ ‬ليوبلد ستودارت في‮ ‬كتابه الذي‮ ‬عربه عادل نويهض وعلق عليه وأضاف إليه الأمير شكيب أرسلان‮ (‬حاضر العالم الإسلامي‮).‬

وعلى رأس الإنجازات التي‮ ‬لا مطمع فيها لغير التصوف التأثيرُ‮ ‬في‮ ‬النخب الغربية بما‮ ‬غيّر وعيها بالأشياء وردّها إلى الله ردًّا جميلا،‮ ‬ولا شك أن الذي‮ ‬نفخ فيها من روحه إنما هي‮ ‬روحانية المتصوفة وليس ممارسات القاعدة وجيوبها،‮ ‬كما هي‮ ‬تفعل اليوم بأهل القبلة قبل‮ ‬غيرهم‮.‬

سبقني‮ ‬زاهد الكوثري‮ ‬رحمه الله إلى الإشارة إلى الحَجْب الذي‮ ‬يمارسه الخطاب التيمي،‮ ‬بامتداداته المعروفة،‮ ‬من ابن القيم إلى الشوكاني‮ (‬مع الفارق في‮ ‬القياس‮)‬،‮ ‬إلى ابن عبد الوهاب،‮ ‬إلى رشيد رضا وصولا إلى عوامّ‮ ‬الوهابية المعاصرة،‮ ‬وقد جسد هذا الحجْبَ‮ ‬مقالُ‮ ‬الأستاذ بركاني‮ ‬الذي‮ ‬يصلح بجدارة أن‮ ‬يكون مانفستو التيمية الجديدة‭!‬

لقد بُلُوا بشخص لا‮ ‬يزال إلى اليوم لوثةً‮ ‬لم تزدها القرون إلا كدرًا،‮ ‬تتلمذوا عليه في‮ ‬جملة من المنكرات أشدُّها عليه وعليهم القولُ‮ ‬بالتجسيم،‮ ‬وليس بأقل من ذلك قبحا الجسارةُ‮ ‬على رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وبينهما خرق الإجماع مع ما‮ ‬يترتّب على ذلك من تبعات عقدية‮.‬

أما لوثة التجسيم فهي‮ ‬حملُهُ‮ ‬حديثَ‮ ‬النزول على ظاهره،‮ ‬ولما لم‮ ‬يكف ذلك وخشية ألا‮ ‬يفهم الناس تصويره البائس،‮ ‬نزل درجة من على المنبر وقال‮: “‬كنزولي‮ ‬هذا‮”. ‬ذكر ذلك عليه شهود عيان منهم ابن بطوطة في‮ ‬رحلته المسماة‮ (‬تحفة الأنظار‮)‬،‮ ‬وقد رد عليه في‮ ‬ذلك جملة من العلماء منهم أحمد بن أحمد بن جبريل الشافعي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ (‬خبر الجهة‮).‬

وأما الجسارة على رسول الله صلة الله عليه وسلم فهي‮ ‬منعه من زيارته بناء على ما في‮ ‬حديث‮ “‬‭ ‬لا تشد الرحال‮….”‬،‮ ‬صارفا فهمه إلى ما‮ ‬يشعر بتنقيصه صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وقد شنع عليه ذلك الأكابر منهم ابن حجر الهيتمي‮ ‬في‮ (‬الجوهر المنظم في‮ ‬زيارة القبر المعظم‮)‬،‮ ‬وابن السبكي‮ ‬في‮ (‬شفاء السقام‮)‬،‮ ‬وتاج الدين الفاكهاني‮ ‬في‮ (‬التحفة المختارة في‮ ‬الرد على من أنكر الزيارة‮) ‬في‮ ‬آخرين لا‮ ‬يحصون؛ ولم‮ ‬يغن عنه أن وضع‮ ‬‭-‬‮ ‬للاستدراك على نفسه في‮ ‬الوقت بدل الضائع‮ ‬‭-‬‮ ‬كتاب‮ (‬الصارم المسلول‮) ‬لأن الخرق كان اتسع على الرقاع كما‮ ‬يقال‮.‬

وأما خرق الإجماع ففي‮ ‬مسائل أشهرها مسألة الطلاق الثلاث أوقعها طلقة واحدة،‮ ‬وقد خرج في‮ ‬ذلك حتى على المذهب الحنبلي‮ ‬الذي‮ ‬يدّعي‮ ‬الانتساب إليه،‮ ‬وهو ما رده عليه السبكي‮ ‬الكبير في‮ ‬رسالة سماها‮ (‬الدرة المضية في‮ ‬الرد على ابن تيمية‮)‬،‮ ‬وعيسى بن مسعود المنكلاني‮ ‬في‮ (‬الرد على ابن تيمية في‮ ‬مسألة الطلاق‮) ‬وغيرهما من الساخطين لا‮ ‬يحصون‮.‬

ومع كل هذا لم‮ ‬يجد الكاتب ما‮ ‬يقول إلا أن الصوفية وشت به إلى الحكام،‮ ‬كأن مثله‮ ‬يحتاج إلى وشاية لمؤاخذته بالاستظهار بالفرقة على الجماعة وبالشتات على الألفة‮. ‬لم‮ ‬يزد الصوفية على أن شكوه‮ (‬لا وشوا به‮) ‬لطعنه الهستيري‮ ‬والمتواصل على أئمتهم كالغزالي،‮ ‬وابن العربي،‮ ‬وابن سبعين،‮ ‬والعفيف التلمساني،‮ ‬وابن الفارض‮. ‬أما متكأ السلطة،‮ ‬وكانت سنية تحترم العلم والعلماء،‮ ‬في‮ ‬أخذه بالجريرة فكانت فتوى جماعية وقعها،‮ ‬سنة‮ ‬726هـ،‮ ‬مجتهدو عصره على المذاهب الأربعة هم محمد بن الحريري‮ ‬الأنصاري‮ ‬الحنفي،‮ ‬ومحمد بن أبي‮ ‬بكر المالكي،‮ ‬وأحمد بن عمر المقدسي‮ ‬الحنبلي،‮ ‬بها استوجب ما استوجب،‮ ‬حتى لكأن الفرزدق نظر إلى هوانه وقال‮:‬

وَكُـــــنَّا إِذَا الْجَــــبَّارُ‮ ‬صَـــعَّـــــرَ‮ ‬خَــــدَّهُ ضَرَبْنَاهُ‮ ‬حَتَّى تَسْتَقِيمَ‮ ‬الْأَخَادِعُ

ليس‮ ‬غريبا،‮ ‬من هنا،‮ ‬أن تصبح الغيرة على الحرمات‮ ‬‭-‬‮ ‬في‮ ‬عيون السلفية الجديدة‮ ‬‭-‬‮ ‬عبارة عن زلفى تتقرب بها عصبة‮ “‬وشاة‮” ‬إلى الحكام،‮ ‬بل الغريب لو كان فيهم،‮ ‬من أول خطيب إلى آخر من‮ ‬يبيع السواك على الأرصفة،‮ ‬من‮ ‬يقول بخلاف ذلك‮.‬

هذا الذي‮ ‬تتيحه ظروف النشر والسلام على من اتبع الهدى‮.‬

 

د‮. ‬ياسين بن عبيد‮/ أستاذ بجامعة سطيف‮ ‬2

مقالات ذات صلة