أليس منكم رجل رشيد..؟!
”إن الفضلَ قيمتُهَ فيه، لا فيما يقال عنه، أيًّا كان القائلون”..- نيتشه
لن تنسيني لذة المطارحة مع الأخ سلطان بركاني أن أذكّره بأني حريص على التفريق بين خطبة مغلقة أمام جمهور منحاز، أحادي المنظار، وبين كتابة عالمة أساسُها سلامة المنهج وغايتها الحق الذي يكبرني ويكبره.
قبل هذا، وإحقاقا للحق، وجدتني إزَّاءَ مُحاورٍ مهذَّب، قريب المأخذ، حسن التصوف بمعتقده ينقاد إليه بلا منازعة من اعتراضٍ محتمل، ولا تضييقٍ من استحالة امتلاك الحقيقة المطلقة.
لذلك أوشكت ألاّ أفهم كيف لمتطلع إلى التنوير مثله، ولمستبصر حسن الفحص من طرازه أن يأبى العرفانيةَ على نفسه وهي مطلب كلّ عتيقٍ من الأرضية وتوابعها، ومَفرُّ كلِّ ناجٍ من المحدودية ولواحقها، ولم ألبث - وأنا على عجالة من أمري ومن أمره – أن ردتني الوقائع إلى سنة الله في خلقه، هو الذي يختص برحمته من يشاء!
لا عليك أيها الفاضل ألا تكون مريدا صوفيا، فأقدارك لم تهيئك لذلك، فلا تطلب لنفسك حظا يراد به غيرك:
خَـــــــلِّ الطَّــرِيقَ لِـمَنْ يَـبْـــنِي الْـمَــنَــارَ بِـهِ وَاقْعُدْ بِبَرْزَةَ حَيْثُ اضْطَرَّكَ الْقَدَرُ!!
أوشكتُ، ثانيا، ألا أمسك بخيط في كل ما قاله في الشروق يوم 31/05/2014، فلا يكاد الرجل يحط على موضوع حتى يطير إلى غيره، تلك سيولة ولا شك ولكن الذي يريد أن يقول كل شيء لا يقول شيئا في الحقيقة، ففي لحن كلامه أشياء أريدت وأخرى قيلت، وأشياء دَلّت وأخرى لا حظ لها من جميع ذلك.
على أن البؤرة المركزية ثابتة بالثابت السلفي في كل نقاش، وهو التصوف تجريحا بلا عدل، وسَرَفا بلا قصد، وتجريما بلا تقية، وتسوُّرًا بلا تحفظ، ودوسا إلى آخر الحافر. فعلى إيقاع يشبه إيقاع السامبا، وبوتيرة ذاهبة في التصعيد، يستأنف الكاتب إذن حملة على التصوف كان دشنها سابقا، مع تنويعات سيأتيك نبأها بعد حين.
ألا إن أعراض الصوفية هي السياط التي تضرب جلودكم، وهي اللهيب الذي يشوي وجوهكم، وإن منعكم من نهشها يدخل في جملة القيم التي ما آمن بها إلا موفّق، وما داسها إلا هيّن تعيس.
عجيب أمرهم، فإنك لتسمع في صدر أحدهم - متى اعترضه ذكرُ واحدٍ من الصوفية - هديرَ النار التي وقودها الناس والحجارة، وعصبيةَ الرعد الذي في أحشاء السماء، وإنّ الأعراض تلك، وهي مما حرم الله دينا، ومَنَعت الفضيلةُ تعفُّفًا، وصان العرفُ أريحيَّةً، لَمَحَكٌّ يُختَبَر به الناسُ فشقي وسعيد!
يختزل الأستاذ بركاني التصوف في بعض أهله، فيستدعي الشيخ علي جمعة لمحاكمة التصوف في المعادلة المصرية التي أحدُ طرفيها الإخوان المسلمون، وطرفها الآخر السيسي ومِن بين يديه ومن خلفه وعن أيمانه وعن شمائله أشتات الناس مؤيدا ومعارضا.
في علمي أن آخر من يُذكَر في المعترضين على السيسي هو حزب النور، وهو سلفي يحترف الماضوية إلى النخاع، فلماذا تغاضيت عنه وهو في صميم المناهضة للإخوان، أم أن قلمك مع الإخوان وقلبك عليهم؟!
أرَّقَكَ اجتماع الدبلوماسيين الغربيين بجماعة صوفية، وليس ثمة ما يدل على أن اللقاءات تمت بطلب صوفي؛ أستبعد أن سلفيا/حداثيا (؟) مثلك يجهل أن القنصليات الأجنبية تشرع أبوابها لكل من يسمون أنفسهم فاعلين سياسيين - حتى من الإسلام السياسي - وفيهم من يذهب إليهم بالعمامة ونصف الساق؛ فهل أنت على علم بذلك أم أن عين الرضى عن كل عيب كليلة؟!
للتصوف أدوار كبرى، هي بالتأكيد أشرف ممّا يُصوِّرُ قلمُك الجائر. لقد حصل أن استشكل الإمبراطور الروماني فريدريك الثاني جملة من المسائل الفلسفية وعرضها على نخب نصرانية أولا ثم إسلامية، فلم يأته الحل إلى من الإسلام الصوفي، إذ بدد حيرتَه عبد الحق بن سبعين الصوفي في ردود هي اليوم مطبوعة حتى عنوان (المسائل الصقلية).
كما أن الإسلام يَدين - بعد الصحابة والتابعين - للتصوف بانتشاره في آفاق من العالم، منها إفريقيا، وبثباته في آفاق أخرى، كالشرق الأقصى، وبالقدر نفسه تَدين له مقاومة الكولونيالية كما يشير إلى ذلك الكاتب الأمريكي ليوبلد ستودارت في كتابه الذي عربه عادل نويهض وعلق عليه وأضاف إليه الأمير شكيب أرسلان (حاضر العالم الإسلامي).
وعلى رأس الإنجازات التي لا مطمع فيها لغير التصوف التأثيرُ في النخب الغربية بما غيّر وعيها بالأشياء وردّها إلى الله ردًّا جميلا، ولا شك أن الذي نفخ فيها من روحه إنما هي روحانية المتصوفة وليس ممارسات القاعدة وجيوبها، كما هي تفعل اليوم بأهل القبلة قبل غيرهم.
سبقني زاهد الكوثري رحمه الله إلى الإشارة إلى الحَجْب الذي يمارسه الخطاب التيمي، بامتداداته المعروفة، من ابن القيم إلى الشوكاني (مع الفارق في القياس)، إلى ابن عبد الوهاب، إلى رشيد رضا وصولا إلى عوامّ الوهابية المعاصرة، وقد جسد هذا الحجْبَ مقالُ الأستاذ بركاني الذي يصلح بجدارة أن يكون مانفستو التيمية الجديدة!
لقد بُلُوا بشخص لا يزال إلى اليوم لوثةً لم تزدها القرون إلا كدرًا، تتلمذوا عليه في جملة من المنكرات أشدُّها عليه وعليهم القولُ بالتجسيم، وليس بأقل من ذلك قبحا الجسارةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينهما خرق الإجماع مع ما يترتّب على ذلك من تبعات عقدية.
أما لوثة التجسيم فهي حملُهُ حديثَ النزول على ظاهره، ولما لم يكف ذلك وخشية ألا يفهم الناس تصويره البائس، نزل درجة من على المنبر وقال: “كنزولي هذا”. ذكر ذلك عليه شهود عيان منهم ابن بطوطة في رحلته المسماة (تحفة الأنظار)، وقد رد عليه في ذلك جملة من العلماء منهم أحمد بن أحمد بن جبريل الشافعي في كتابه (خبر الجهة).
وأما الجسارة على رسول الله صلة الله عليه وسلم فهي منعه من زيارته بناء على ما في حديث “ لا تشد الرحال….”، صارفا فهمه إلى ما يشعر بتنقيصه صلى الله عليه وسلم، وقد شنع عليه ذلك الأكابر منهم ابن حجر الهيتمي في (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم)، وابن السبكي في (شفاء السقام)، وتاج الدين الفاكهاني في (التحفة المختارة في الرد على من أنكر الزيارة) في آخرين لا يحصون؛ ولم يغن عنه أن وضع - للاستدراك على نفسه في الوقت بدل الضائع - كتاب (الصارم المسلول) لأن الخرق كان اتسع على الرقاع كما يقال.
وأما خرق الإجماع ففي مسائل أشهرها مسألة الطلاق الثلاث أوقعها طلقة واحدة، وقد خرج في ذلك حتى على المذهب الحنبلي الذي يدّعي الانتساب إليه، وهو ما رده عليه السبكي الكبير في رسالة سماها (الدرة المضية في الرد على ابن تيمية)، وعيسى بن مسعود المنكلاني في (الرد على ابن تيمية في مسألة الطلاق) وغيرهما من الساخطين لا يحصون.
ومع كل هذا لم يجد الكاتب ما يقول إلا أن الصوفية وشت به إلى الحكام، كأن مثله يحتاج إلى وشاية لمؤاخذته بالاستظهار بالفرقة على الجماعة وبالشتات على الألفة. لم يزد الصوفية على أن شكوه (لا وشوا به) لطعنه الهستيري والمتواصل على أئمتهم كالغزالي، وابن العربي، وابن سبعين، والعفيف التلمساني، وابن الفارض. أما متكأ السلطة، وكانت سنية تحترم العلم والعلماء، في أخذه بالجريرة فكانت فتوى جماعية وقعها، سنة 726هـ، مجتهدو عصره على المذاهب الأربعة هم محمد بن الحريري الأنصاري الحنفي، ومحمد بن أبي بكر المالكي، وأحمد بن عمر المقدسي الحنبلي، بها استوجب ما استوجب، حتى لكأن الفرزدق نظر إلى هوانه وقال:
وَكُـــــنَّا إِذَا الْجَــــبَّارُ صَـــعَّـــــرَ خَــــدَّهُ ضَرَبْنَاهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ الْأَخَادِعُ
ليس غريبا، من هنا، أن تصبح الغيرة على الحرمات - في عيون السلفية الجديدة - عبارة عن زلفى تتقرب بها عصبة “وشاة” إلى الحكام، بل الغريب لو كان فيهم، من أول خطيب إلى آخر من يبيع السواك على الأرصفة، من يقول بخلاف ذلك.
هذا الذي تتيحه ظروف النشر والسلام على من اتبع الهدى.
د. ياسين بن عبيد/ أستاذ بجامعة سطيف 2