أما آن لهذه الوزيرة أن ترحل؟
في كل دول العالم التي تحترم نفسها وشعوبها، يسارع وزراؤها إلى تقديم استقالتهم من مناصبهم إذا حدثت كارثة ما في قطاعاتهم، لشعورهم بالمسؤولية عنها بشكل من الأشكال، أما في الجزائر فلا يستقيل أي وزير عادةً ولو وقعت السماء على الأرض؛ إذ لم يحدث بعد الاستقلال أن استقال وزيرٌ وقعت كارثة بقطاعه، إلا طيِّب الذكر علي بن محمد الذي أجبره الفرنكفونيون المتغلغلون في دواليب الحكم على تقديم استقالته من وزارة التربية بعد أن دبروا ضدّه مؤامرة تسريب أسئلة امتحانات بكالوريا جوان 1992، عقابا له على “جرأته” وتقديم الإنجليزية على الفرنسية المقدّسة عند أتباع دوغول بالجزائر!
أما بعد فضيحة تسريب أسئلة بكالوريا 2016، فقد التفّت الحكومة حول بن غبريط رمعون وساندتها تحت غطاء “التضامن الحكومي”، عوض إقالتها أو دفعها إلى الاستقالة، ولذلك لا عجب أن تواصل الوزيرة “جرأتها” على مواد الهوية، وتكيد للتربية الإسلامية لتخفيض معاملها وساعات تدريسها، ثم تقدّم مخططين لاستبعادها وباقي مواد الهوية: العربية والأمازيغية والتاريخ من بكالوريا العِلميين بين 2018 و2021، ولا عجب أن نجد في كتاب الجغرافيا خارطة فلسطين وعليها اسم “إسرائيل” اللقيطة، ثم تُبرّر الفضيحة بأنها “مجرد خطإ غير مقصود”، ولا عجب أن نجد في كتب “الجيل الثاني من الإصلاحات” المزعومة إشادة بـ”ديمقراطية” فرنسا التي علّمتها للجزائريين في مستهلّ جويلية 1962 من خلال إجراء استفتاءٍ حرٍّ ونزيه واحترام إرادة الشعب الجزائري في الاستقلال، وهي التي عاثت في بلده فسادا طيلة قرن وثلث من الاحتلال وارتكبت مجازر مهولة بحقه.. ولكن من يحاسب عشاق فرنسا على ما يقدّمونه للملايين من أبنائنا باسم “الإصلاحات” المزعومة؟!
قبل أسابيع، تحدّث الوزير الأول عبد المالك سلال في سعيدة عن ضرورة تجنيب البلد “فتنة اجتماعية جديدة”، وذلك على خلفية الضجّة الكبرى التي أثارتها “الإصلاحات” والتربية الإسلامية وفرْنسة المواد العلمية للتعليم الثانوي… والوزير الأول محقّ في ذلك، ولكننا نتساءل: من هو المسؤول عن هذه الفتنة الجديدة التي تطلّ برأسها منذ أكثر من عام: هل هم المدافعون عن عناصر الهوية الجزائرية؟ أم هي الوزيرة التي ما فتئت تعبّر عن نيَّتها في تغريب المدرسة وضرب عناصر هوية 40 مليون جزائري منذ أن “اقترحت” رفقة “خبرائها المائتين”، في أواخر جويلية 2015، حكاية التدريس باللهجات العامّية، ثم استعانت بالخبراء الفرنسيين في “إصلاحاتها” باعتراف وزيرة التربية الفرنسية نجاة فالو نفسها، ثم كادت للتربية الإسلامية لتخفيض مُعامِلها وساعات تدريسها وصولا إلى “اقتراح” إلغائها وباقي مواد الهوية من البكالوريا بالتدريج بين 2018 و2021، فضلا عن اقتراح تدريس المواد العلمية بالفرنسية بدل العربية، وكل ذلك باسم “الإصلاحات” المزعومة؟! أليست الوزيرة إذن هي المسؤولة الأولى عن إثارة هذه “الفتنة” الجديدة التي تطلّ برأسها وأنها هي التي يجب أن تُحاسَب على ذلك وليس من يدافع عن عناصر هويته؟
منذ نحو عام، أقدم سلال على التخلي عن خدمات وزير التجارة عمارة بن يونس لوأد فتنةٍ اجتماعية بدأت تتصاعد حينما عمّم بيع الخمور وأثار غضبا اجتماعيا واسعا ومظاهراتٍ احتجاجية في عدة مناطق بالوطن، ونرجو أن يعيدها سلال مع الوزيرة بن غبريط التي أمعنت في المساس بعناصر هوية الجزائريين، فذلك أدعى لوأد الفتنة التي أثارتها وإعادة الاستقرار إلى قطاع التربية.