الرأي

أمة.. خارج الاختصاص

محمد سليم قلالة
  • 3334
  • 9

اكتشف المسيحيون عند احتكاكهم الأول بالحضارة الإسلامية في الأندلس، أن قوة هذه الحضارة إنما تكمن في أن حُكّامها وعلماءها كل يعمل في اختصاصه، إن في السياسة أو الطب أو الحكمة أو الفلسفة أو العلوم الشرعية أو الشأن العسكري، وعندما قارنوا أوضاعهم المتمثلة في سيطرة الكنيسة على الدين وعلى السياسة وعلى العلم، استنتجوا أن قوة هذه الدولة التي تمكّنت من الوصول إلى قرطبة وصقلية، وأثّرت في كل أوروبا الجنوبية آنذاك، وتمكنت من تقديم نموذج حضاري متقدم أصبح مضرب الأمثال في القوة والتسامح، حيث كان يعيش جنبا إلى جنب ابن رشد المسلم وابن ميمون اليهودي وألفونس العاشر المسيحي، إنما يكمن في عدم تداخل الاختصاصات بها، حيث الفقيه فقيها والسياسي سياسيا والمحدّث محدثا والشاعر شاعرا وعالم الفلك عالما… والكل يعمل في تناغم تام يصنع الحضارة التي أبهرتهم.

وبمقارنة أوضاعهم آنذاك، حيث كانت الكنيسة هي التي تحكم في السياسة وفي العلم وفي الفن، وحيث كان رجال الدين يقحمون أنفسهم حتى في غفران الذنوب، تأكدوا أن لا بديل لهم عن أخذ القدوة من هذه الأمة الإسلامية المتقدمة بمنع الكنيسة من أن تُبقى سيطرتها على كل مناحي الدولة، ومنع رجالها من يحتكروا الدين والدنيا معا. وبالتدريج وصلوا بعد قرون من التطور إلى ما هم عليه الآن من مجتمعات قادرة على إيجاد توازن بين أبعادها الدينية والعلمية والسياسية وغيرها، ووضع كل في مكانه.

 

اليوم عندنا وبدل أن نعود إلى استحضار تجربتنا التاريخية في التعامل مع قضايانا السياسية والعامة، وبدل أن يتعلّم كل منا العمل ضمن نطاق تخصصه وقدراته وكفاءاته، وبدل أن نستفيد من الخبرة العالمية في مجال توزيع الاختصاصات والتكامل فيما بينها، نعود إلى مواقع لا هي تُعبّر عن تجربتنا التاريخية، ولا عن قدرتنا على الاستفادة من تجارب الآخرين. فيتكلم الإمام في الشأن السياسي بما لا يعرف، ويفتي السياسي في المسائل الدينية بما يجهل، ويسعى العسكري لأن يكون أولى من السياسي فيما هو خارج عن نطاقه، ويخرج العالم من مخبره ليتحول إلى مناضل فوق المناضلين… وهكذا تنقلب الأدوار ونسمع غرائب لم نكن نسمعها، ونرى أهوالا لم نكن نراها، كما يحدث الآن في البلاد العربية مشرقا ومغربا، وكما هو الافتاء أصبح يتم تحت الطلب، وإن كان فيه تبرير ليبقى في الحكم من اغتصب.

مقالات ذات صلة