-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أمريكا والمنطقة‮.. ‬هل هو تغير في‮ ‬الطبيعة أم الدور؟

صالح عوض
  • 1588
  • 0
أمريكا والمنطقة‮.. ‬هل هو تغير في‮ ‬الطبيعة أم الدور؟

لا‮ ‬يلتفت الغربيون باحترام إلى‮ “‬زعل‮” ‬حكام الخليج،‮ ‬ولا بشفقة إلى‮ “‬قلق‮” ‬إسرائيل،‮ ‬ويكون في‮ ‬نظرهم أنهم قد أدخلوا إيران حلبة لا‮ ‬يمكن مغادرتها وأنهم ضمنوا‮ “‬شر‮” ‬إيران لسنوات قادمة كما قال بعضُهم‮.. ‬فهم بكل جدية لا‮ ‬يلتفتون إلا إلى مصالحهم المتطورة فقط‮.. ‬فإن اقتضت استراتيجيتهم فسيخرجون من المنطقة حلفاء ويتصالحون مع أعداء ويضحون بتحالفات تاريخية‮.. ‬ومن هنا جاءت التخوفات في‮ ‬المنطقة‮.‬

الموضوع قيد البحث هو من طراز السياسة العليا الذي‮ ‬يستدعي‮ ‬استحضار الدقة والتحليل العلمي‮ ‬بعيدا عن الأهواء والمواقف المسبقة‮.. ‬وهنا لابد من إبداء الإشفاق على الكُتاب والساسة الذين لم‮ ‬يستوعبوا بعد أن المراحل‮ ‬يسلم بعضها إلى البعض الآخر متخليا عن سماته واشتراطاته فاسحا المجال لسمات واشتراطات جديدة‮.. ‬وإن الشفقة تجري‮ ‬على كُتاب اختل توازنهم من‮ ‬غير وعي‮ ‬منهم ولا قصد فاصطفوا في‮ ‬خندق إسرائيل إزاء الاتفاق الإيراني‮ ‬الغربي‮.. ‬لأنهم لم‮ ‬يروا المعاملات والتداخلات من موقع الإشراف الاسمى‮..‬

دول عربية أبدت قلقها ولكن عاد إليها الاطمئنان بعد أن قدم لها الأمريكان ضمانات أن الاتفاق‮ ‬يحرم إيران من النووي‮ ‬العسكري‮ ‬ويسمح بالإشراف والتفتيش على قوتها العسكرية‭.‬‮ ‬وهذا التطمين‮ ‬يخفي‮ ‬رؤية أمريكية‮ ‬غربية لتفتيت دول الخليج‮.. ‬وللأسف لم‮ ‬يتم التوقف عند إعلان القلقين على اطمئنانهم،‮ ‬فلقد تحركوا على الأرض لتشكيل محور سني‮ ‬في‮ ‬المنطقة‮ ‬يضم إليه دولا محورية وقوى سياسية وتيارات دينية في‮ ‬مواجهة التمدد الإيراني‭.‬‮ ‬وهذه نقطة لم تكن‮ ‬غائبة عن المفاوض الأمريكي‮ ‬الغربي‮ ‬بل لعلها أحد أهدافه الحقيقية‮.‬

أما إسرائيل فلقد أحدث الاتفاق قلقا واضطرابا كبيرين على مستوى الطبقة السياسية كما أن المفكرين والإعلاميين دقوا ناقوس الخطر بأن الاتفاق‮ ‬يحمل معه مستقبلا مظلما لدولة إسرائيل‮.. ‬ومع أن المؤسسة الصهيونية لم تتوقف منذ أكثر من عشر سنوات عن التحريض المستمر عالي‮ ‬الوتيرة للقيام بعمل عسكري‮ ‬ضد إيران،‮ ‬إلا أن المتابع للآلة الإعلامية الصهيونية هذه الأيام‮ ‬يستطيع التأكد من أن الأمر قد بلغ‮ ‬الذروة مع إحباط كبير لعدم استجابة الغرب للرغبة الإسرائيلية في‮ ‬شن حرب على إيران‮.‬

إسرائيل تراقب اللحظات القادمة بكل قلق وتوجس خوفا من دور إيراني‮ ‬يتمدد في‮ ‬المنطقة ليجد نفسه وجها لوجه مع الكيان الصهيوني‭.‬‮ ‬وحينذاك سيصبح من الضروري‮ ‬خروج أحدهما من المشهد السياسي‮.. ‬والكيان الصهيوني‮ ‬يجد نفسه‮ ‬يتراجع على مستوى الفكرة والدور والجغرافيا كما أنه‮ ‬يتراجع على صعيد التأييد الدولي‮ ‬حيث الخوف‮ ‬يستبد بقادة الكيان من أن هناك احتمالاً‮ ‬بتقليل حجم الحاجة الغربية لإسرائيل‮.. ‬في‮ ‬حين لا‮ ‬يغيب عن صناع السياسة في‮ ‬الكيان الصهيوني‮ ‬أن القوة الإيرانية المتصاعدة قد تمددت برغم الحصار الشديد عليها واجتازت الحدود القومية والطائفية في‮ ‬المنطقة‭.‬‮ ‬فكيف ستكون حال هذه القوة عندما‮ ‬يُرفع الحصار ويتم التعامل معها على اعتبار أنها شريكٌ‮ ‬دولي‮ ‬لا‮ ‬يمكن تجاوزه؟

في‮ ‬إيران،‮ ‬كانت الخزينة الإيرانية تعاني‮ ‬من وضع صعب وقاس في‮ ‬كثير من القطاعات على صعيد قطع الغيار والمستلزمات الضرورية‮.. ‬هذا،‮ ‬وقد مثلت الجبهة السورية نزيفا إضافيا للخزينة الإيرانية‮.. ‬وجاء الاتفاق ليحرر أموال إيران المحجوزة وليرفع العقوبات عن النفط الإيراني‮ ‬والتجارة معها في‮ ‬شتى المجالات،‮ ‬وليحقق لها مطلبها وهدفها في‮ ‬إنجاز ملفها النووي‮ ‬السلمي‮ ‬لتحقق وضعا استراتيجيا‮ ‬يضمن لها التعويض الضروري‮ ‬لما قد‮ ‬يحدث من نضوب لطاقة البترول‮.. ‬وتكون إيران انتزعت اعترافا بطبيعة نظامها وبدورها في‮ ‬قضايا المنطقة‭.‬‮ ‬وهذا سيعود بالأثر الحاسم في‮ ‬مصير حلفائها في‮ ‬سوريا واليمن والعراق ولبنان إذا سارت الأمور كما‮ ‬ينبغي‮..‬

لكن بعيدا عن حسابات الدول العربية القلقة من الاتفاق الإيراني‮ ‬الغربي‭.‬‮ ‬وبعيدا عن خوف الكيان الصهيوني‮ ‬وتوجسه،‮ ‬وبعيدا عن حسابات الإيرانيين وتطلعاتهم،‮ ‬هناك رؤية أمريكية‮ ‬غربية للذي‮ ‬حدث انتهت بالاتفاق مع إيران على وثيقة مهمة كبيرة وخطيرة،‮ ‬ومن هنا لابد من الاقتراب من الكشف عن الرؤية الأمريكية الغربية لعلنا نفهم بالضبط الدوافع الغربية للخطوة الكبيرة التي‮ ‬اتخذت‮..‬

الرأي‮ ‬في‮ ‬الإدارة الأمريكية والغرب أن النفط سيكون فاقد الأهمية في‮ ‬المنطقة بعد عشرين سنة كما تفيد بذلك معظم التقديرات‮.. ‬وستصبح المنطقة بلا أهمية اقتصادية استراتيجية،‮ ‬وسيكتفي‮ ‬بأن تكون منطقة في‮ ‬عين الاهتمام الجيوسياسي‮ ‬بحيث لا‮ ‬يسمح لها بالتوحد أو الوقوع بيد قوة عالمية نقيضة،‮ ‬وبناء على ذلك‮ ‬يرى الأمريكان والغربيون أن إسرائيل تكون فقدت كثيرا من الحاجة إليها‮.. ‬وقد تجلّى ذلك في‮ ‬حرب الغرب على العراق حيث اضطرت القوات الأمريكية والغربية أن تنزل إلى شوارع بغداد والمدن العراقية وتدخل حربا مكلفة دفاعا عن مصالحهم في‮ ‬المنطقة،‮ ‬ولم‮ ‬يُسمح لإسرائيل بالمشاركة في‮ ‬تلك الحرب‮.. ‬ورغم أن الوضع في‮ ‬العراق قد تمّ‮ ‬تشكيله على عين الأمريكان إلى حد كبير،‮ ‬إلا أنه لم‮ ‬يكن شرطا عليه أن‮ ‬يمد جسور الاعتراف والتطبيع مع إسرائيل‮.. ‬وتنازلت الإدارات الغربية والأمريكية عن مطلبها الاستراتيجي‮ ‬المتمثل بضرورة الالتزام بأمن إسرائيل وتفوّقها‮.. ‬وهاهي‮ ‬الإدارات الغربية تقدم على حدث تاريخي‮ ‬مع إيران ولم تضمّنه موضوع إسرائيل بأي‮ ‬شكل‮.. ‬وتجري‮ ‬المفاوضات رغما عن أنف إسرائيل التي‮ ‬لم‮ ‬يستطع مندوبها تناول كلمة في‮ ‬مجلس الأمن إبان مناقشة قرار بترسيم الاتفاقية‮.. ‬لقد ذهب الغرب بقيادة أمريكا إلى التفاوض مع إيران بعد أن فشلت أساليبهم كلها في‮ ‬إحباط الثورة الإيرانية وأصبح من المؤكد للغربيين ضرورة التوصل إلى تفاهمات عميقة مع دولة مسؤولة؛ دولة مؤسسات قوية لديها مشروع وتتحرك باستراتيجية‮.‬

‭ ‬وهنا‮ ‬يصبح أمام الأمريكان والغربيين ضرورة وضع ضمانات عدم نجاح إيران وعدم استقرار المنطقة،‮ ‬فكان لابد من زرع بؤر التوتر الدائم الكافي‮ ‬للتصارع المستمر طائفيا وقوميا‮.. ‬وهم‮ ‬يكونون قد رأوا أن الاتفاق مع إيران‮ ‬يمكن أن‮ ‬يولد لوبيات اقتصادية جديدة‮ ‬يكون لها أثر كبير في‮ ‬تعديل وجهة الأولويات الإيرانية‮.. ‬تلك أمانيهم‮.. ‬وللرد على هذا جاء موقف قائد الثورة آية الله الخامنئي‮ ‬وقادة الحرس الثوري‮ ‬والقيادات الإيرانية العديدة عقب الاتفاقية بأن المواجهة لا تزال مستمرة ضد السياسات الأمريكية الاستعمارية في‮ ‬المنطقة الإسلامية وفي‮ ‬العالم‮.‬

أمريكا لم تغيّر طبيعتها العدوانية،‮ ‬هي‮ ‬فقط تعتقد نجاعة الفتن والتصارعات الذاتية‮.. ‬لذا فإن النصر الإيراني‮ ‬المظفر في‮ ‬المفاوضات توّج صمود عشرات السنين،‮ ‬وهو‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يكون خيرا وعزة للمنطقة ومقرِّبا إلى القدس‮.. ‬تولانا الله برحمته‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!