الرأي

أمطري حيث شئت

يقدم المشهد الانتخابي الرئاسي في الجزائر، هذه المرة، كل التوجهات التي تجعل من شهية الانتخاب متفتحة، لا يكون فيها مهزوم، غير الذي يريد الشر للجزائر، بين وطنية تراهن على المستقبل بجذور الماضي، وإسلامية من دون تطرف ولا استعمال للدين لأغراض دنيوية، وأصالة وقفت في وجه الجهوية وتركت جهة غالية من البلاد، في حضن الوطن.
فقد كانت السيرة الذاتية للمترشحين الثلاثة تثلج الصدر، وكانت الحملة الانتخابية هادئة، حاول فيها كل طرف أن يقدم عصارة أفكاره وزبدة برامجه، فتحوّل المشهد إلى سحابة مثقلة، لا بدّ من أن تجود على الأرض بغيث نافع، في بلد صار يصنع الحدث بين الحين والآخر، في مجالات علمية واقتصادية وثقافية ورياضية، ولم يكن في زمن ليس ببعيد، إلا حلقات متسلسلة من مآسي الأزمة الأمنية والفساد، الذي كاد يغرق البلاد.
مشاركة الجزائريين داخل الوطن وخارجه في الاقتراع، ستكون إضافة للمشهد الهادئ، البعيد عن البهرجة التي كانت تنفّر المواطنين، خاصة أن الانتخابات تطهرت في السنوات الأخيرة من سيئتين، وهما المال الفاسد والتزوير.
من الظواهر السياسية والشعبية والاجتماعية التي صارت تميز الانتخابات في كل دول العالم، أن عملية سبر الآراء لم تعد تصيب، ولو بنسبة صغيرة، وقد فعلتها في فرنسا وحتى في إيران، وقد تفعلها في الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى استخدام الذكاء الاصطناعي خاب، وتحوّل إلى ما يشبه قراءة الكفّ أو الفنجان، فالأفراد ما عادوا يقتنعون بالأضواء ولا بالوعود، ويزنون كل مترشح بميزان العقل، وفي سباق الرئاسيات من الفروض ألا أرنب سباق فيه، وكل مرشح ما بذل من جهد، إلا لأجل الانتصار، وفي حالة الخيبة سيقتنع بأنها معركة وليست حربا، وسيكتفي مؤقتا بأجر الاجتهاد ليطلب مستقبلا الأجرين معا.
يطل الجزائريون الآن من شرفات بلدهم القارة، فيتابعون بإعجاب ظهور قوى عالمية جديدة، تنتظر فرصتها القريبة لتخلف القوى السابقة، ويبتهجون عندما يشاهدون عددا من المشاريع الاقتصادية التي ستفك تبعيتهم للقوى الكلاسيكية القديمة، وتبني شراكات رابحة مع صينيين وأتراك وقطريين وبرازيليين وإيطاليين، في انتظار جني الثمار، والسعي لصيب نافع في كل المجالات.
لا تفتقد الجزائر أبدا، لأي من مقومات النهضة، فقد حباها الله من كل ما تشتهي الأمم وتتمناه، من أرض شاسعة وخصبة وأمطار ومياه جوفية وغابات وسهول وصحار، وشمس، وشعب ضخّ الأدمغة لبلاد قريبة وبعيدة طوّرت بهم مختبراتهم وكلياتهم العلمية والتكنولوجية الكبرى، وثروات باطنية تحتل باحتياطياتها المراتب الأولى في مختلف الكنوز. وبقليل من الجهد والثقة بالنفس، يمكن لبلادنا أن تنافس عالميا، وتجد لها مكانا مع الأوائل وتحقق الرخاء لشعبها، لأنه هو المعني الأول والأخير، باقتراع السابع من سبتمبر.
ونستذكر هنا مقولة الخليفة العباسي هارون الرشيد، ونحن نرى تلك السحابة السياسية والاقتصادية المثقلة: “أمطري حيث شئت.. فإن خراجك لي”.

مقالات ذات صلة