الرأي

أمين الزاوي: حين لا تستطيع الإثبات.. عليك أن تثير الإعجاب!

كتب الأديب أمين الزاوي مقالا من 1600 كلمة (ضعف حجم هذا المقال) في ركنه “أوشام” (Awcham) بصحيفة “لكسبرسيون” الناطقة بالفرنسية قبل أيام تناول فيه قضية تمزيق الكراريس الذي تقوم به مجموعات من تلاميذنا في بعض المدارس والأحياء.

وراح الزاوي يفترض ويستنتج بدون حدود حتى ظننا أنه سيأتي بما لم يأت به الأوائل من أفكار وخطط تفيد البلاد والعباد في باب التربية والتعليم. غير أنه اختتم مقاله بالتأكيد على أن “المدرسة، للأسف، تحولت إلى مكان يشبه السجن، خالٍ من أي نشاط ثقافي وفني حرّ ومبدع: مسرح، سينما، أدب، موسيقى…

وهذا الجفاف الروحي والثقافي الذي يسود المدرسة طوال العام يراكم طبقات من الإحباط والكبت تنفجر في نهاية السنة الدراسية في مشاهد تمزيق الكراريس تشبه عروضا جماعية مسرحية غنائية وراقصة”! وهنا يتساءل القارئ من أين استخلص هذا الأستاذ الجامعي الذي يعرف جيدا كيفية الوصول إلى نتائج قطعية من هذا القبيل؟

المنهجية الغائبة

في نهاية كل سنة دراسية، تتداول مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أصبحت مألوفة: تلاميذ يمزّقون أو يحرقون أو ينثرون أوراق كراريسهم في أجواء احتفالية أحيانا وفوضوية أحيانا أخرى. هل هذه الظاهرة مجرّد طيش عابر أم أنها تنذر بتحوّل عميق في علاقة الأجيال الجديدة بالمدرسة؟ لقد قرأ الكاتب في هذا السلوك “مؤشرا اجتماعيا لتحوّل حضاري ونفسي ومعرفي عميق”. يبدو هذا الحكم أقرب إلى “وشمٍ” لغويّ منه إلى استنتاج علمي يستند إلى الوقائع والتحقيقات.

فلم يذكر الكاتب أي مصدر، أو دراسة، أو رقم. ولم يورد أي إحصاء عن وتيرة الظاهرة. ولم يشر إلى مقابلات مع عينة من التلاميذ أو الأساتذة أو الإداريين أو المواطنين. ولم يُحِل إلى أي بحث سابق في علم الاجتماع التربوي أو علم النفس المراهقي. يعتمد الكاتب بالكامل على انطباعاته الشخصية، وعلى تعليلات عامة، وحنين عاطفي إلى ذكريات الطفولة من قبيل “كنّا … وأصبحوا”.

وهذا الأسلوب يناقض المنهجية العلمية التي ينبغي اتباعها لإصدار أحكام في موضوع دقيق وحساس كهذا. بمعنى أن الأمر يتعلق بموضوع له من الجدية ما لا يجيز لنا أن نتلهّى به على صفحات الجرائد.

ما هي نسبة التلاميذ الذين يشاركون فعلاً في هذه الممارسة؟ وهل يتعلق الأمر بسلوك محدود أم بظاهرة واسعة الانتشار؟ وهل توجد دراسات أو إحصاءات موثوقة تسمح بالحديث عن “تحول حضاري ونفسي ومعرفي عميق’؟ هذه أسئلة أساسية لا نجد لها أثرا في المقال. ذلك أن الكاتب لم يكلف نفسه عناء البحث عن الأرقام والمعطيات، بل ينتقل مباشرة إلى إطلاق أحكام عامة على “الجيل الجديد”. وهكذا تحلّ “الأوشام” محلّ الإحصاءات، والانطباعات محلّ الأدلة، ويغدو ما هو مجرد تخمين شخصي لدى الكاتب حقيقةً اجتماعية لا يختلف فيها اثنان.

يبني الكاتب مقابلة بين جيلين: “جيل السبعينات والثمانينات” الذي كان يحتفظ بكراريسه في علاقة مع المعرفة مقابل جيل اليوم الذي يمزّق كل شيء رفضا “للتلقين” وتمرّدًا على سلطة “تفكير محافظ وتقليدي”. هذا السرد لا يثبت أبدا أن الاحتفاظ بالكراس كان يعني، بالنسبة للتلميذ يومها، الاقتناع الواعي بالقيم التي يُسقطها الكاتب اليوم على ذلك السلوك. وهنا نتساءل بسذاجة: لماذا لا نضيف إلى قائمة التأويلات ‘وشما’ جديدا، فنربط تمزيق الكراريس بشعار «صفر ورق» الذي يرفعه أنصار الرقمنة؟ فمثل هذا التفسير لا يقل وجاهة، من حيث الدليل، عن غيره من التفسيرات المطروحة!

الأكثر خطورة

والعيب الأكثر خطورة في هذا المقال هو ميله إلى تكديس تفسيرات متضاربة دون محاولة ترتيبها أو مواجهتها بالواقع. فحسب الكاتب، يعبّر تمزيق الكراس تباعا عن: صراع أجيال؛ رفض الآثار النفسية التي خلّفتها العشرية السوداء؛ محاكاة لعمل الهاتف الذكي الذي يطلب باستمرار حذف الملفات غير الضرورية؛ رد فعل على منع بعض قصات الشعر أو مقلمات الألوان؛ انتقام رمزي من العنف التربوي؛ تضامن عفوي مع وضعية الأستاذ المتدهورة؛ رفض لفكرة أن “المعرفة لم تعد تشكّل مخرجا من الفقر”.

وهكذا نرى أن كل شيء صالح لدى الكاتب: كل فرضية تُطرح عنده كيقين، دون أن نعرف أيها الغالب أو إن كانت منسجمة فيما بينها. فنحن ننتقل من النفسي إلى السياسي، ومن التكنولوجي إلى الاجتماعي، باستخفاف مذهل. ويزداد الأمر غرابة حين نتذكر أن كاتب المقال أستاذ جامعي يعرف جيدا أن الفرضيات تُختبر ولا يتم الإعلان عنها كحقائقَ بمجرد أن تخطر في الذهن، وأن دراسة ظاهرة اجتماعية من هذا الحجم تتطلب أشهرا، وربما سنوات من العمل الميداني. لكن ما يحتاجه الباحثون من استبيانات ومقابلات وتحليل بيانات، استطاع صاحب ركن “أوشام” أن ينجزه في بضع فقرات فقط. إنها كفاءة بحثية خارقة لو ثبتت لوفّرت على الجامعات ومخابر البحث كثيرا من الوقت والمال!
إن الأوصاف الرنانة والاستنتاجات المثيرة لا تتحوّل إلى حقائق علمية لمجرد صياغتها بلغة جذابة.

فالكاتب يتحدث عن “هاوية حضارية” وعن “انتحار منهجي معلن”، وعن “جفاف روحي”، وعن “هوة لغوية”. إن هذه الاستعارات الدرامية المفزعة تمنح النص مظهرا من العمق أكثر مما تمنحه من الأدلة، فهي لا تقدّم برهانا، بل توهم بوجوده. وكلما ازداد التصوير البلاغي كثافة، ازداد القارئ حاجة إلى التساؤل عمّا إذا كان هذا الثراء اللغوي يخفي فقرا في المعطيات وفي البيان. ذلك أن القاعدة التي يتبعها الأستاذ الزاوي في مثل هذه المواضيع الحساسة هي القائلة: “حين لا تستطيع الإثبات، عليك أن تثير الإعجاب”… وأي إعجاب في هذا المقام؟!

يؤكد الزاوي مثلا قوله: “هذه الظاهرة تُعلن أيضا بداية نهاية المدرسة التقليدية واختفاءها التدريجي”. إنه تنبؤ مثير وخطير. فمن سخرية القدر أن الكاتب يتحدث بكثافة عن التلاميذ… دون أن يمنحهم الكلمة. إنه يفسّر إيماءاتهم كما يشاء، وينسب نواياهم إلى أفعالهم، ويشخّص إحباطاتهم وتمرّداتهم، لكنه لا ينقل شهادة واحدة مباشرة عنهم. يقول الزاوي: “التلميذ يسعى لمحو كل ما تراكم من تلقين”، “التلميذ يشعر أن اللغة المدرسية حاجز”، “التلميذ يريد تقليد هاتفه الذكي”. من أي دراسات ومراجع استقى الكاتب هذه المعلومات الدقيقة؟ هكذا ترسم “أوشام” الأستاذ الزاوي المشهد التربوي في البلاد.

التكهّنات والانطباعات

لا شك لدينا أن الأديب الزاوي يدرك أنه ينبغي ألا ننسب المعاني إلى سلوكات من دون سؤال الفاعلين أنفسهم. فتمزيق الكراريس والكتب والأوراق موجودة بطرق مختلفة في أكثر من بلد شرقي وغربي (اليابان، الولايات المتحدة، السعودية، تونس، فرنسا، بلجيكا، نيجيريا، روسيا…)، وقد يعبّر عن ألف شيء بحسب السياق، والمزاج اللحظي، وضغط المجموعة، والرغبة في التقليد، ومتعة الطفولة في التخريب… الكاتب يتجاهل هذا التعقيد بازدراء ليحشره في قالب تفسيري وحيد مسبق الصنع: رفض الجيل الجديد للمدرسة التقليدية!

في الأخير، نقول إن هذا المقال لا برهان فيه عما ذهب إليه الكاتب من استنتاجات بل هو مقال يشبه مسوّدة افتتاحية أيديولوجية أعدّت على عجل، ولم يتسع وقت صاحبها لتنقيحها. لقد غرق تحليل “ظاهرة تمزيق الكراريس” في بحر التكهّنات والانطباعات من قبل صاحب ركن “أوشام” في جريدة “لكسبرسيون” الأستاذ أمين الزاوي.

ولذا فإما أن يكون موضوع ‘تمزيق الكراريس’ لا حدث، لا يستحق من إعلامنا أكثر من تجاهل عابر؛ وإما أنه تحوّل إلى ظاهرة جادة تستحق الدراسة، لا بد من الإلمام بجذورها الاجتماعية والتربوية: إن كانت الحالة الأولى أكثر احتمالا، فالسكوت عنها أولى من التضخيم الإعلامي. وإن مالت الكفة إلى الاحتمال الثاني، فنذكّر بأن الظواهر الاجتماعية لا تُفسَّر بـ”الأوشام” اللغوية والعناوين المثيرة، بل بالبحث الميداني، والأرقام الموثقة، والمعطيات القابلة للقياس. فلا يصحّ الحديث عن الظاهرة بلا برهان، ولا الادعاء بوجودها بلا دليل.

مقالات ذات صلة