الرأي

أندونيسيا والثورة الجزائرية.. من باندونغ إلى الاستقلال

بقلم: مشري عمار
  • 360
  • 0
ح.م

في لحظات فارقة من التاريخ، تقاطعت مسارات الشعوب التواقة إلى الحرية والاستقلال، ومن بين هذه المسيرات، برزت علاقة استثنائية بين الثورة الجزائرية وأندونيسيا، الطيب أهلها، الكريم معدنها والغزير عطاؤها والتي كانت لها أبعاد سياسية وشعبية ساهمت في دعم القضية الجزائرية على المستويين الدولي والداخلي، سواء الشعبي أو الحكومي وفي مقدمتهم الرئيس الراحل أحمد سوكارنو الذي يعدّ أحد أبرز الشخصيات في اندونيسيا، فهو محرر البلاد من الاستعمار الهولندي الياباني وهو أول رئيس لها، وأحد قادة التحرر في العالم الإسلامي والأسيوي، وهو الداعي إلى عقد مؤتمر باندنغ، وكان رمزا عالميا في النضال من أجل التحرر الوطني.
قاد سوكارنو البلاد كرئيس أول لها، مؤسِّساً نظامه على فلسفة الحكم الإندونيسية المعروفة بـ”البانشا سيلا” (PANCHA SILA) التي تقوم على خمسة مبادئ:
1. الإيمان بالله.
2. الإنسانية.
3. الوحدة الوطنية.
4. الديمقراطية.
5. العدالة الاجتماعية.
وعندما اندلعت ثورة التحرير الجزائرية في الفاتح من نوفمبر1954، كان سوكارنو أول زعيم آسيوي يعترف بها ويصفها بأنها “حركة تحررية مشروعة ضد الاستعمار الفرنسي” وربط بينها وبين نضال بلاده ضد الاحتلال الهولندي، كما اغتنم فرصة مؤتمر باندونغ التاريخي سنة 1955 لفضح الاستعمار الفرنسي والدعوة إلى دعم نضال الشعب الجزائري.
قام سوكارنو بفتح مكتب لجبهة التحرير الوطني في جاكرتا واستقبل وفود الثورة ومنحها دعما ماديا ومعنويا، بالإضافة إلى الدعم اللوجيستي ومساعدات لجيش التحرير.

عندما اندلعت ثورة التحرير الجزائرية في الفاتح من نوفمبر1954، كان سوكارنو أول زعيم آسيوي يعترف بها ويصفها بأنها “حركة تحررية مشروعة ضد الاستعمار الفرنسي” وربط بينها وبين نضال بلاده ضد الاحتلال الهولندي، كما اغتنم فرصة مؤتمر باندونغ التاريخي سنة 1955 لفضح الاستعمار الفرنسي والدعوة إلى دعم نضال الشعب الجزائري.

كما اعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1958، مقدّما لها دعما سياسيا ودبلوماسيا، أضف إلى ذلك دعم شعب اندونيسيا بجميع فئاته للثورة الجزائرية والذي كان يتجاوز الدعم الحكومي أحيانا وفي طليعتهم : نهضة العلماء، والمحمدية،وهما حركتان اجتماعيتان دينيتان كان لهما تأثير واسع في المجتمع الإندونيسي وفي دعم الثورة الجزائرية في شتى الميادين، بالإضافة إلى الشيوخ الدعاة أمثال : محمد ناصر (نهضة العلماء)، وأحمد دحلان، وهاشم الأشعري، وعبد الوهاب سرور الأزهري،وعبد الملك عبد الكريم أمر الله…
غير أن التأييد الشعبي لم يقتصر على رجال الدين بل تعداه إلى الأحزاب والجمعيات والمنظمات والهيئات الطلابية وأفراد المجتمع المدني وفي مقدمتهم:
– الاتحاد النسائي الاندونيسي بقيادة فاطمة شمس الدين ورديني المكلفة بتنظيم التظاهرات النسائية وجمع التبرعات والتي قادت أكبر مظاهرات عرفتها اندونيسيا احتجاجا على حكم الإعدام من طرف المحاكم الفرنسية ضد جميلات الجزائر، بوحيرد وبوباشا.
ومن المفارقات العجيبة أننا نجد جميع الهيئات الاندونيسية كمنظمة الطلبة والمركز النقابي لعمال اندونيسيا ونقابة العمال المسلمين الاندونيسين وأخيرا نقابة الصحافيين الاندونيسين، وكذا الجامعات الاندونيسية الكبرى، كانوا يتنافسون في دعم الجزائر وثورتها من خلال تنظم مسيرات واحتجاجات، وجمع التبرعات، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية والأدبية الواسعة لحرب التحرير الجزائرية.
لقد كان هذا التعاطف الجارف مع الثورة الجزائرية مرده إلى أن الشعب الاندونيسي كان يرى في الجزائر أختا في الكفاح ضد الاستعمار الهولندي.
وعندما عُقد مؤتمر باندونغ بين 18 و24 أفريل 1955 بإندونيسيا، اعتبر ذلك لحظة فارقة في التاريخ المعاصر، إذ باتت اندونيسيا هي مهد نشأة حركة عدم الانحياز.
إن هذا المؤتمر يعد بمثابة التاريخ الرسمي لميلاد الكتلة الأفروأسيوية التي شكلت فيما بعد حركة عدم الانحياز والتي شاركت فيه جبهة التحرير بوفد رسمي برئاسة حسين آيت أحمد وأمحمد يزيد كعضو ملاحظ في الاجتماع التحضيري الذي عُقد في بوقور الأندونيسية يوم 28و29 ديسمبر 1954 بمشاركه 29 دولة وما يزيد على 30 حركة تحرر، أسفرت عن توصية هامة لصالح الثورة الجزائرية تنص على حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.
كما استطاعت الثورة بفضل هذا الدعم أن تنتزع نصرا دبلوماسيا آخر، إذ سُجلت القضية الجزائرية لأول مرة ضمن جدول أعمال الدورة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت في سبتمبر 1957، كما صادقت الجمعية العامة في 10 ديسمبر 1957 على قرار تعتبر فيه أن القضية الجزائرية قضية دولية تدخل في اختصاصات هيئة الأمم المتحدة وأن الجزائر ليست فرنسا، كما أن الدورة 13 للأمم المتحدة المنعقدة في 9 ديسمبر 1958 صوتت لصالح القضية الجزائرية بأغلبية الثلثين، مما جعل فرنسا في موقف حرج أمام هيئة الأمم المتحدة، بسبب عنادها في رفض تطبيق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
غير أن فرنسا ظلت تتجاهل كل القرارات الأممية إلى أن أرغمتها المقاومة الصلبة لجبهة التحرير وجناحها العسكري جيش التحرير، على الرضوخ لمنطق التفاوض والجلوس صاغرة لبحث تسوية مشرفة لها، لاسيما بعد صدور القرار الأممي 1914 المتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها في الدورة 15 التي عُقدت في 20 ديسمبر 1960، مما جعل فرنسا تدخل في مفاوضات رسمية مكّنت الشعب الجزائري من افتكاك حريته والاعتراف باستقلاله بعد 132 سنة من الاستعمار، بفضل التأييد الدولي والشعبي عبر مختلف القارات وخاصة حركة عدم الانحياز التي جمعت الدول الإفريقية والأسيوية المستقلة حديثا والتي سعت إلى بلورة موقف موحد ضد التبعية السياسية والاقتصادية لاسيما بعد أن تأسست رسميا حركة عدم الانحياز في مؤتمر بلغراد من 01 إلى 06 سبتمبر 1961، التي جاءت امتدادا لمؤتمر باندنغ سنة 1955 بمبادرة من القادة أحمد سوكارنو (اندونيسيا)، شوان لاي (الصين)، جمال عبد الناصر (مصر)، نهرو (الهند)، تيتو (يوغوسلافيا)، كوامي نيكروما (غانا)، ثم انضمت إليهم في مؤتمر بلغراد الأول 25 دولة أخرى وقد أسفر هذا الاجتماع على بلورة عدة مبادئ أهمها:
– احترام سيادة الدول.
– عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
– التسوية السلمية للنزاعات.
– المساواة بين الأمم.
– عدم الانضمام إلى التحالفات العسكرية.
لقد أدّت هذه الحركة دورا مهما في دعم قضايا التحرر الوطني، فقد شكّلت هذه الحركة منبرا قويا للشعوب المستعمَرة والمناضلة من أجل استقلالها.
إن العلاقة بين أندونيسيا والجزائر التي تشكِّل إحدى أجمل صور التضامن بين الشعوب، لم تكن مجرد دعم سياسي بين دولتين، بل كانت تحالفًا عميقًا بين شعوب تنشد الحرية وتجعل اندونيسيا ورئيسها بلد شامخًا، بفضل ما حققه مؤتمر باندونغ، ثم حركة دول عدم الانحياز التي عُقدت في بلغراد عاصمة يوغوسلافيا السابقة سنة 1961 والتي أيدت بالإجماع كفاح الشعب الجزائري ودعمه حتى ينال حقه في الاستقلال والحرية وجعلت الشعب الجزائري يخلّد في ذاكرته كل القرارات المتخذة في هذا المؤتمر وما قبله والتي ستظل باقية في الذاكرة الجزائرية كصفحة بيضاء مضيئة في تاريخ الكفاح المشترك.
تحية لاندونيسيا وشعبها المجيد، الذي يحتفل هذه الأيام بالذكرى الثمانين لاستقلاله، وتحية إلى قادتها وعلى رأسهم أحمد سوكارنو عليه الرحمة والرضوان وعلى شهداء الشعبين الجزائري والاندونيسي.

مقالات ذات صلة