أنقذوا غرداية
الوضع الخطير الذي آلت إليه المواجهات في غرداية والمدن التابعة لها يفرض تدخّلا قويا من قبل الدّولة والكف عن التّحركات الرّمزية لبعض الوزراء الذين يقومون بزيارات ولقاءات مع الأعيان تنتهي بتطمينات عامة دون أدنى تأثير في الحالة الأمنية التي تتدهور يوما بعد آخر.
كل الأخبار الواردة من هناك تشير إلى تطوّر غير مسبوق في أعمال القتل والتخريب باستخدام الأسلحة النارية، يصاحب ذلك دعوات للنفير واستغاثات من هذا الطرف أو ذاك، مع انتشار كبير لأشرطة فيديو على مواقع التّواصل الاجتماعي تظهر دمارا واسعا في الأحياء السّكنية، وكأن الأمر يتعلق بحرب فعليه.
إلى متى تظل السّلطة تغمر رأسها في الرّمل كلّما ساءت الأمور في غرداية؟ وهل تنتظر ليتم إحصاء الضّحايا بالمئات ليتم التّحرك؟ ومتى يتم ملاحقة المحرّضين الذين يعملون ليل نهار على الإيقاع بين الطّرفين؟ ولماذا لا تتصدّى بكل قوة لمن ثبت تورطهم في استخدام العنف؟ وهل عجزت الدولة بكل أجهزتها الأمنية على إيقاف الملثمين الذين يشعلونها في كل مرة؟
لم تعد الفتنة محصورة في حيز صغير بغرداية ولكنها انتقلت إلى باقي المدن، وبدأ بعض المعتوهين يتموقعون على أساس مذهبي ويوظّفون مصطلحات طائفية في الدّفاع عن مذهب معين وذمّ المذهب الآخر، وهو انحراف بدأ يأخذ مجراه في الفيسبوك من خلال مناشير تحريضية غير مسبوقة.
لقد أطلقت العديد من مبادرات الصّلح والتّهدئة وشارك فيها ناشطون وسياسيون وعلماء، لكن هذه المبادرات يزول صداها بانتهائها، ولعل الجميع مخطئ في تشخيص ما يحدث في غرداية، فالخلاف ليس مذهبيا أو طائفيا كما يحلو للبعض أن يسمّيه، ولكن الأمر يتعلق باستغلال بعض الفروقات الاجتماعية والعوامل التاريخية لخلق بيئة توتّر دائمة.
والآن وبعد أن أصبح عدد الضحايا بالعشرات فلم يعد هناك مبرر لمزيد من هذه المبادرات الهامشية ولا للاجتماعات الشكلية، فالأمر جلل والكارثة عظيمة ولا بد من تحريك الجيش لحماية الأرواح وفرض الأمن في كل المدن التابعة لغرداية، لضمان عدم سقوط المزيد من الضحايا.
مع كل قطرة دم تسيل تكبر المشكلة، ومع كل ضحية تسقط تنشأ أحقاد جديدة، وكل تأخر في توفير الأمن تكبر معه كرة الثلج التي ستأتي على المنطقة كلها إذا لم تسارع السلطة إلى تحمل مسؤولياتها في وقف حمام الدم بإجراءات صارمة ضد كل من يحمل سلاحا ويوجهه إلى أخيه في الوطن والدين.