أوقفوا الكذب والتضخيم!
عندما يقول وزير السكن مخاطبا إطاراته ومديري القطاع: “لا تضخّموا الأرقام”، فهذا يعني في ما يعنيه “لا تكذبوا.. ولا تزوروا”، وهذا يعني أيضا أنه طالما هناك تحذير من الشيء، فإما أن البعض وقع فيه سابقا، أو أن الشبهة تحوم حول البعض الآخر ممّن يُريد أن يضخم الأرقام ويزيف الحقائق ويكذب على مسؤوله ومن ثم على الرأي العام لأهداف شخصية!
تضخيم الأرقام، هي لعبة يحبها الكثيرون، منهم من يستعملها للاستمرار في منصبه، ومنهم من يلجأ إليها ليوقع الآخر، ومنهم من يستخدمها للتظاهر بصورة غير حقيقية وإن كانت مبنية على “الخدع” و”الفستي”، ومثل هذا النماذج السيئة لا تخصّ شخصا بعينه أو قطاع دون آخر، وإنما للأسف يكاد يتحوّل تضخيم الأرقام إلى عدوى تضرب هنا وهناك!
المرض يخصّ يا جماعة الخير، الكثير من القطاعات الوزارية، والمصالح الإدارية، والمجالس “المخلية”، والمؤسسات العمومية والخاصة، ونكاد لا نفلح والعياذ بالله إلاّ في مسألة “التضخيم”، والأخطر ما في الموضوع، أن اللاحق دائما “يمسح الموس” في السابق، ليضيع بالتالي الجمل بما حمل نتيجة التضخيم وتصحيح التضخيم بتضخيم آخر!
أحيانا يكون التضخيم فعلا انفراديا معزولا وشاذا، لكن قد يتعمّم ويتحوّل إلى “وباء”، فهذا يعني أن الكذب سيحلّ محلّ الصدق والحقيقة، وليس بهكذا طريقة تسير المشاريع وتنهض التنمية وتحلّ مشاكل المواطنين، ولعلّ دعوة وزير مديري قطاع إلى “قول الحقيقة” فيه بطاقة تحذير وتنبيه، وفيه كذلك إشارة قد يفهمها متابعون بأنها تعكس أرقام سابقة!
سواء تعلق الأمر بقطاعات السكن أو السياحة أو التربية أو الريّ أو الأشغال العمومية أو الصحة، وغيرها من القطاعات الأخرى، فإن الأرقام المقدمة خلال مراحل سابقة، تستدعي التصحيح بمجرّد مقارنتها بالواقع والميدان، ولا داعي هنا لذكر النماذج والأمثلة، فالحلال بيّن والحرام بيّن، ولن يختلط الزيت بالماء، مثلما لا يتشابه التضخيم مع الحقيقة!
لقد تعبت القطاعات من التضخيم، وتعب المواطن أيضا من التضخيم والتضخم، وهاهم الوزراء قد تعبوا كذلك من التضخيم، لكن الرقم الغائب دائما في مثل هذه الحكايات والاتهامات، هو “اختفاء” المتورط الرئيسي أو المتورطين والمتواطئين، وبالتالي، تبقى “التهمة” مجرّد “كلام جرائد”، لا يقدّم ولا يؤخر، غير أنه بوسعه نقل الهلع إلى “الهدف” أو “المستهدف”!
التضخيم هو في الأصل خطرة حربية، هدفها نقل الرعب إلى الخصم، أو الحفاظ على مصلحة، لكن يا جماعة الخير، عندما يتحوّل هذا التضخيم إلى هواية و”بديل” فمن الطبيعي أن يقفز الواحد إلى مليون، ويُقرأ المليار بليارا، وتعمّ عبارة “لأول مرّة.. والأولى في العالم”!