-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ذاكرة النار وأمل العودة

أولاد عسكر بجيجل بعد الحرائق… رماد على الجبال وحياة تستعيد أنفاسها

موفد "الشروق" إلى أولاد عسكر: ب. بوجمعة
  • 402
  • 0
أولاد عسكر بجيجل بعد الحرائق… رماد على الجبال وحياة تستعيد أنفاسها
الشروق

من قلب الجبال التي كانت تعانق الخضرة وتفوح منها رائحة الغابات، ومن ربوع أولاد عسكر، معقل الثوار وجزء من الذاكرة التاريخية للولاية الثانية، تبدو الصورة اليوم مختلفة. أيام بعد الحرائق التي مست مناطق واسعة من ولاية جيجل، لا تزال آثارها بادية على مساحات من الغابات والمرتفعات، فيما بدأت الحياة تستعيد إيقاعها تدريجيا وسط السكان.
بعد انحسار النيران، شددنا الرحال نحو بلدية أولاد عسكر، الواقعة جنوب الولاية، للوقوف عن قرب على آثار الحرائق التي شهدتها المنطقة في الأيام الأخيرة من شهر أوت، والاستماع إلى شهادات السكان الذين عاشوا ساعات صعبة، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها التضامن وإحصاء الأضرار واستعادة النشاط.
أولاد عسكر ليست مجرد بلدية جبلية، فهي أرض التاريخ والثورة، وموطن الجبال والغابات والوديان، ووجهة يقصدها الزوار للاستمتاع بطبيعتها خلال فصل الصيف، غير أن آثار الحرائق غيّرت ملامح عدد من المناطق، وحولت مساحات خضراء إلى أراضٍ تغطيها آثار الرماد، فيما بقيت أشجار متفحمة شاهدة على مرور النيران.
دخلنا أولاد عسكر من جهتها الجنوبية، عبر منطقة قاع الزان المحاذية لولاية ميلة، وهناك ظهرت آثار الحرائق بوضوح؛ أشجار متفحمة، ومساحات سوداء، ورائحة دخان لا تزال عالقة في بعض الأماكن، رغم مرور أربعة أيام.
ومن قاع الزان إلى رأس الزان، وصولا إلى مشارف منطقة لمرابع بقرية المنازل، تتكرر المشاهد ذاتها. آثار النيران حاضرة على امتداد مساحات من المنطقة، بينما بدأت بعض المواقع تستعيد هدوءها بعد انحسار ألسنة اللهب.
وامتدت آثار الحرائق عبر عدد من مناطق البلدية، من قاع الزان على الحدود مع ولاية ميلة، وصولا إلى برج الطهر، ومن بوراوي بلهادف إلى الشحنة، لتطال أجزاء من بعض المشاتي والمناطق الغابية.

ليلة صعبة عاشها السكان

في قاع الزان، التقينا الشاب باديس بن عرجونة، الذي استعاد معنا تفاصيل الساعات التي شهدت انتشار النيران في المنطقة.
يقول باديس إن النيران جاءت من منطقة بوداود، قادمة من جهة جيملة، قبل أن تصل إلى مشتيي بوالربط والمارة، التابعتين إقليميا لبلدية باينان بولاية ميلة.
ومع حلول المساء، وصلت ألسنة النار إلى قاع الزان، قبل أن تنتشر بسرعة بفعل الظروف الجوية، وتتقدم نحو رأس الزان ومنطقة المنازل في وقت قصير، حسب شهادته.
ومع اقتراب النيران، تحولت الأولوية لدى السكان إلى حماية الأرواح وإبعاد المواشي عن المناطق المعرضة للخطر.
سارع الأهالي إلى نقل الأبقار والأغنام نحو منطقة لبصير بعيدا عن المنازل، فيما اتجه آخرون نحو أعالي الأربعاء، المعروفة بخيولها البرية، قبل أن تمتد إليها النيران هي الأخرى، متسببة في احتراق أجزاء من الغطاء النباتي.
وفي تلك الساعات، تحرك شباب المنطقة لمساعدة السكان في المناطق المجاورة، حيث توجه عدد منهم نحو منطقة تاغراست التابعة لبلدية برج الطهر، للمساهمة في إجلاء السكان ومساعدة العائلات.
يقول باديس: «كانت ليلة صعبة بكل المقاييس، وتمكنا من مساعدة عدد من السكان وإبعادهم عن مناطق الخطر».
حرارة مرتفعة، رياح قوية ومتغيرة الاتجاه، دخان كثيف ورماد متطاير، كلها ظروف جعلت تلك الساعات شديدة الصعوبة على السكان، الذين غادر عدد منهم المناطق القريبة من النيران نحو أماكن أكثر أمنا.

العيادة… استقبال الحالات ومواصلة التكفل
في مقر البلدية، توجهنا إلى العيادة المتعددة الخدمات، حيث كانت الحركة متواصلة لاستقبال مختلف الحالات.
حالات اختناق وإرهاق من جهة، ومتطوعون ومتضامنون يحملون الأدوية والمستلزمات من جهة أخرى، في وقت واصل فيه الطاقم الطبي أداء مهامه والتكفل بالحالات الوافدة من المناطق المتضررة.
وهناك التقينا رئيس المصلحة عبد الحليم بوخنوفة، الذي كان يستعيد تفاصيل تلك الساعات بعد أيام من العمل المتواصل.
ويقول بوخنوفة إن ارتفاع درجات الحرارة والرياح وانتشار الدخان شكلت ظروفا صعبة بالنسبة للسكان، مشيرا إلى أن العيادة واصلت استقبال الحالات والتكفل بها.
ويستحضر محدثنا، في المقابل، الدور الذي لعبه شباب أولاد عسكر في مساعدة سكان الجهة الغربية من بلدية برج الطهر، حيث توجه عدد منهم نحو المناطق المتضررة للمساهمة في عمليات النجدة ونقل السكان.
كما فتح مواطنون أبوابهم لاستقبال العائلات التي غادرت المناطق القريبة من النيران، فيما تحول المسجد المركزي بأولاد عسكر إلى نقطة استقبال وإيواء مؤقت للعائلات.

من بيت إلى آخر… آثار الحرائق حاضرة


رافقنا عبد الحليم بوخنوفة إلى عدد من المناطق التي مستها النيران، على غرار محيط مقر البلدية ومشاتي الدمنة دي الزيتون، النغرة، مانار، توزلامت، أولاد عربي.
في كل محطة، كانت آثار الحرائق واضحة؛ أشجار متفحمة، مساحات غابية متضررة، وبعض المنازل والممتلكات التي أصابتها النيران، فيما لا تزال رائحة الحريق حاضرة في عدد من المواقع.
وفي مشتى الدمنة دي الزيتون، دخلنا منزل السيدة نوارة عميرة الخالدية، الذي تضرر بفعل النيران.
كانت نوارة هادئة وهي تستحضر ما عاشته، وقالت: «ما عسانا نقول أمام هذا الوضع… الحمد لله على سلامة الناس، والعوض من الله».
كلمات قليلة تختصر مشاعر السكان الذين واجهوا أضرارا مادية، لكنهم يضعون سلامة الأرواح في مقدمة اهتماماتهم.

شباب أولاد عسكر… حضور في ساعات صعبة
في أولاد عسكر، لا تتوقف حكايات تلك الليلة عند حدود البلدية. الشاب حسام بوقشور روى لنا تفاصيل الساعات التي تحرك فيها شباب المنطقة لمساعدة سكان الجهة الغربية من بلدية برج الطهر، خاصة أهالي تاغراست وأنشيد وبني يدر.
يقول حسام إن عددا من الشباب توجهوا إلى المناطق المجاورة للمساهمة في نقل السكان ومساعدة العائلات.
«كانت ليلة صعبة، أصحاب المركبات هبوا للمساعدة في نقل السكان»، يقول حسام، مشيرا إلى نقل بعض المصابين إلى العيادة المتعددة الخدمات، واستقبال عائلات بالمسجد المركزي.
ومن بين المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته، عملية مساعدة طفل كان داخل منزل معزول، حيث ساهم الشباب في إخراجه ونقله إلى مكان آمن.
جرت عمليات النجدة في ظروف صعبة بسبب الدخان وكثافة الرماد وضعف الرؤية، لكن تضامن السكان وتعاون الشباب ساهما في مساعدة عدد من العائلات وإبعادها عن مناطق الخطر.

مطعم وسط الغابة… مكان تغيّر في ساعات
في منطقة توزلامت بأعالي المنطقة، وجدنا حسان عميرة، صاحب مطعم كان يقع وسط منطقة غابية، قبل أن يتضرر محله بفعل النيران.
أتت الحرائق على جزء كبير من محتويات المطعم والمكان الذي كان يستقبل العائلات الباحثة عن الهدوء والاستمتاع بالطبيعة.
ورغم ما حدث، كان حسان متماسكا وهو يستعيد معنا آخر ليلة سبقت اندلاع الحرائق، حين استقبل عائلة كبيرة قادمة من الجزائر العاصمة، وأعد لها وجبة العشاء، قبل أن تغادر المكان في اليوم الموالي، أي قبل وصول النيران إليه.
يقول حسان: «سنتعافى وستعود الأجواء إلى طبيعتها، لكن ما حدث سيبقى في الذاكرة».

حين خمدت النيران… بدأ التضامن
بعد الفاجعة، بدأت الحياة تعود تدريجيا إلى مناطق أولاد عسكر، بينما بقيت آثار الحرائق حاضرة في الغابات والممتلكات التي تضررت.
وفي المقابل، بدأت قوافل التضامن تصل من مناطق مختلفة، محملة بالمواد الغذائية والمياه والأدوية والأفرشة ومختلف الاحتياجات الأساسية.
وتحول المسجد المركزي إلى نقطة لتجميع المساعدات وتنظيمها، فيما توجهت قوافل أخرى إلى المداشر والقرى لتوزيع ما تم جمعه على السكان المتضررين.
وبلغ حجم التضامن مستوى دفع بعض سكان أولاد عسكر إلى الدعوة إلى توجيه جزء من المساعدات إلى مناطق أخرى تحتاج إليها، بعد ما تم توفير عدد من الاحتياجات الأساسية للمنطقة.
وفي مقر البلدية، ساهم شباب المنطقة في تنظيم استقبال القوافل والمتطوعين، وتجهيز أماكن للاستراحة والمساعدة في توفير الظروف المناسبة للمتضامنين القادمين من مختلف مناطق الوطن.

من آثار الحرائق إلى مرحلة الإحصاء والتكفل


وبالتزامن مع وصول قوافل التضامن، بدأت مرحلة معاينة الأضرار وإحصائها، حيث شرعت اللجان المختصة في الوقوف على حجم الخسائر تمهيدا لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتكفل بالمتضررين وفق التدابير المعتمدة.
السكان اليوم ينظرون إلى ما خلفته النيران في منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، لكنهم ينظرون أيضا إلى المرحلة المقبلة، في انتظار استعادة المنطقة لنشاطها وعودة الغطاء النباتي تدريجيا.
لقد مست النيران مساحات من الغابات وألحقت أضرارا بعدد من الممتلكات، لكن صور التضامن التي رافقت هذه المرحلة أظهرت في المقابل قدرة سكان المنطقة على التكاتف ومساعدة بعضهم بعضا في الظروف الصعبة.
غادرنا أولاد عسكر بعد ما خمدت النيران، لكن آثارها بقيت حاضرة في الجبال والبيوت والممتلكات.
السواد يغطي مساحات كانت خضراء، والأشجار المتفحمة تقف وسط الغابات التي ستحتاج إلى وقت حتى تستعيد عافيتها، فيما بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها تدريجيا.
لكن المشهد لم يكن كله آثار نار؛ فقد كانت هناك أيضا صور شباب يهبون لمساعدة السكان، ومواطنون يفتحون أبوابهم للعائلات، وأطقم طبية تواصل التكفل بالحالات، ومتطوعون يصلون محملين بالمساعدات.
اليوم تبدأ مرحلة جديدة في أولاد عسكر، عنوانها إحصاء الأضرار والتكفل بالمتضررين واستعادة النشاط، فيما يبقى الأمل معلقا على عودة الغطاء الأخضر إلى هذه المنطقة الجبلية التي ارتبط اسمها بالتاريخ والطبيعة.
قد تحتاج الأشجار إلى سنوات حتى تستعيد عافيتها، وقد يستغرق إصلاح بعض الممتلكات وقتا، لكن سكان أولاد عسكر يتطلعون إلى المستقبل بثقة، وإلى أن تستعيد منطقتهم تدريجيا صورتها التي عرفوها بها.
فأولاد عسكر اليوم تحمل آثار الحرائق، لكنها تحتفظ أيضا بصورة أخرى أكثر إشراقا: صورة سكان وشباب ومتطوعين اختاروا في أصعب الساعات أن يقفوا إلى جانب بعضهم بعضا، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها التعافي واستعادة الحياة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!