أولمبياد بخمسين مليار سنتيم!
“خصصنا 50 مليار سنتيم لتحضير الرياضيين للمشاركة في الأولمبياد”، و”الدولة قامت بواجبها”، و”حان الوقت لتتحمل الاتحادات الرياضية مسؤولياتها”.. كلام قرأناه في الصحف الوطنية هذه الأيام، قبل تنقل الرياضيين الجزائريين “المساكين” إلى لندن للمشاركة في الألعاب الأولمبية بمعنويات منحطة وقدرات ضعيفة وتحضيرات ناقصة، ومع ذلك نستمر في مغالطة الرأي العام، ونحملهم ما لا طاقة لهم به، ونحمّل الاتحاديات مسؤوليات أكبر منها، ونواصل كالعادة سياسة الهروب الى الأمام التي صارت متجذرة في ممارساتنا..
لن أكتب اليوم عن الاتحاديات والمنتخبات والرياضيين، لأننا نسيناهم من زمان ولم يعد يهمنا سوى منتخب كرة القدم، ولكنني سأركز على الخمسين مليار سنتيم التي ذكرتها الوزارة وتحدثت عنها بعض وسائل الإعلام كمبالغ “ضخمة” صرفت على الرياضيين لتحضيرهم للأولمبياد، وكأن المبلغ كبير وكافٍ لتحقيق النتائج وتبرئة ذمة الوزارة من الإخفاق المرتقب!، أليس التصريح بهذا المبلغ في هذا الوقت طريقة غير مباشرة لإقناع الجمهور غير المختص بأن “الدولة” أعطت كل ما لديها للرياضيين، وأنهم هم من قصّر في أداء واجبه! أليس محتملا أن المقصود هو أن يثور السخط الشعبي الذي يرى في مبلغ 50 مليارا “ثروة كبيرة” استهلكتها رياضات لا طائل منها بينما يعيش 14 مليون جزائري تحت خط الفقر! أليس متاحا لمن يريد أن يقرأ في هذا التصريح وجها آخر لـ”مِنّة” الدولة على أبنائها! وأن ما قدمته “الدولة” يستحق الوقوف عنده لتذكير الرأي العام به في بلد لا يتوفر على مركز واحد لتحضير الرياضيين، والمرافق الرياضية الموجودة نال منها الإهمال ، والمؤطرون والمدربون تائهون بحاجة إلى تكوين وإعادة تأهيل… الخ.
دعونا نقوم بـ”وَزن” الـ 50 مليار سنتيم التي يراد لنا التصديق بأنها مبلغ “جبار” يمكن أن يضمن لنا كل ميداليات لندن!
الـ 50 مليارا لا تمثل شيئا أمام الـ600 مليار سنتيم التي خصصتها السلطات العمومية للاحتفال بالذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية، ولا تمثل شيئا أمام الـ200 مليار دولار من احتياطي العملة الصعبة الذي تملكه الجزائر!، ولا تساوي شيئا في بلد من حجم الجزائر تصل مداخيله إلى 70 مليار دولار في السنة!
– 50 مليار سنتيم صرفها نادي اتحاد العاصمة، لكرة القدم هذا الموسم ووفاق سطيف العام الماضي، ويتقاضاها كريم زياني سنويا في نادي الجيش القطري ونذير بلحاج في نادي السد!
– 50 مليار سنتيم تعادل 5 ملايين دولار بالعملة الصعبة، وهو ما يعادل الراتب السنوي لمدرب باريس سان جرمان كارلو أنشيلوتي، ولا يمكنك أن تشتري بها لاعبا واحدا متوسطا في أوربا !، وهو مبلغ يصرفه أحد الأندية الخليجية في شهر واحد لتسديد رواتب لاعبيه ومدربيه!
– 5 ملايين دولار تساوي ثلث الميزانية السنوية لفريق الترجي التونسي التي تصل 15 مليون دولار، وسدس ميزانية الاتحادية التونسية لكرة القدم التي تعادل 30 مليون دولار، وفي أمريكا تمثل 5 مليون دولار تكلفة تحضير رياضيين اثنين للحصول على ميداليتين ذهبيتين في ألعاب القوى، وعندنا نخصصها لتحضير أكثر من خمسين رياضيا!
– 5 مليون دولار اشترى بها التلفزيون الجزائري، حقوق بث 5 مباريات في كأس العالم الأخيرة في جنوب إفريقيا، ولا تمثل سوى ثلاثة أشهر من رواتب موظفيه المقدر عددهم بثلاثة ألاف عامل!
هي أمثلة بسيطة لما تمثل الخمسين مليار سنتيم التي خصصتها السلطات العمومية لتحضير الرياضيين للمشاركة في الأولمبياد، ونحن نتحدث عنها وكأنها دخلت جيوب الرياضيين والمدربين، أو كأنها مبالغ ضخمة وكافية للتويج بكل الميداليات الأولمبية!
ثم ماذا يعني الحديث عن التكاليف المادية لتحضير الرياضيين؟. ماذا يعني ذلك حينما يترافق مع تغطية الشمس بالغربال؟ ولماذا نقوم بحساب كلفة التحضيرات بالملايير لا بالمعايير؟ ولماذا نحسبها كتكلفة تحضير لا كاستثمار بسيط جدا جدا للمستقبل؟!.. ولماذا نتعاطى مع أبنائنا بمنطق المِنة والصدقة؟! لا بمنطق الواجب الذي يقول أن أولئك الشبان الذين يمثلون مستقبل الرياضة لدينا يستحقون ملايير الدولارات لا السنتيمات! ويستحقون مرافق تؤهلهم وتساعدهم وتمنح لهم وسائل الاستعداد والاسترجاع والترفيه، ويستحقون تفكيرا أفضل في حياتهم بعد التقاعد الرياضي.. يحتاجون ببساطة لمسؤولين يقومون بواجبهم بأمانة وصدق وإخلاص ثم يرافقون ذلك كله بكثير من التواضع والضمير المستيقظ.. ولا يرغبون في مسؤولين يمنحونهم مبلغا تافها بالمقاييس العالمية.. يمنحونهم إياه في اللحظة الأخيرة.. ثم تأتي الميكروفونات لتكون شاهدة على التصريحات “المليارية” التي يقول ظاهرها “لقد منحناهم كل شيء” ويقول باطنها “إننا نبرر الكارثة قبل وقوعها”..
أيها السادة: إن كان ما قدمتوه للرياضيين واجبا فلا تتوقعوا منا شكركم عليه.. وإن كان صدقة فاستروها لأن “صدقات الميكروفونات” غير مقبولة ولن تنزل عليها البركة.. وإن كنتم تعلمون ونعلم أنه ليس هناك تحضير ولا هم يحزنون وأن ما قدمتوه لا يكفي لتحضير رياضيين فقط لا خمسين رياضيا.. إن كنتم تعلمون ونعلم ذلك فلا نطلب منكم إلا شيئا واحدا: قليلا من الحياء بارك الله فيكم!