أولياء وأبناء يتخبطون في الجفاء العاطفي
يواجه المجتمع الجزائري، اليوم، أزمة عاطفية متجذرة، تبدأ من الأسرة الصغيرة، وتنعكس تبعاتها على مختلف العلاقات، في مشهد يوضح مدى ضعف مهارات التواصل، منذ زمن بعيد، أحدث خللا في مفاهيم عدة، حين أصبح التعبير عن المشاعر عيبا وضربا من الدلال، والتعاطف ضعفا.
يعزو الخبراء والمختصون ظاهرة ضعف التواصل العاطفي، بين الأبناء وأوليائهم، إلى ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية، أثرت بالملموس على البنية الأسرية والاجتماعية. فأغلب الأشخاص من جيل الآباء والأجداد، هم أبناء حقبة زمنية ترسخت فيها نماذج عاطفية سلبية، إذ اتسمت التربية حينها بالقسوة والانضباط الشديد والبرود، وتم ربط الحب خلالها بالطاعة والطواعية. وانتشرت العلاقات المشروطة، حتى في أقرب الروابط الإنسانية. هذا الحرمان العاطفي، الذي عانت منه غالبية الأجيال السابقة، هو السبب المباشر، بحسب الخبراء، في عجز الكثيرين عن التعبير عن مشاعرهم، بحيث كبروا وأنجبوا وربوا أبناءهم، وهم يعتقدون أن العاطفة ليست ضرورة، والتواصل بحب، مع الاستماع إلى الأبناء، هو رفاهية ودلال، لا يصنع منهم أقوياء نفسيا..
ما علاقة الحياة العصرية بجفاء الأولياء؟
الخوف من التعلق والمعاناة المتكررة من الرفض، عوامل نفسية نشأت في جيل يصارع أولياؤه الزمن، ليوفر له الحياة العصرية المريحة، التي يتوق إليها. في المقابل، يحمل هؤلاء ضغوطات عديدة، بين الانشغال بالعمل والانسياق خلف التجديد والتغيير، وما تسوق له التكنولوجيا، بوسائلها، ما يجعلهم أقل حضورا من الناحية العاطفية. فالأم التي تطمح وتسعى إلى توفير الثراء لأطفالها، وسد جميع حاجياتهم، هي ذاتها الأم التي ترسل أبناءها كل صباح إلى المربيات، والحضانة والمدارس، ليقضوا يومهم، دون أن يكون أمامها متسع للجلوس إليهم، ومحاورتهم، أو تقديم الحب في عناق طويل، أو خطاب عاطفي على مهل. تقول الأستاذة دبوب عقيلة، أخصائية نفسية خبيرة علاقات: “يتلاشى التواصل العاطفي بين الطفل وأبويه، في كل مرة يقابل فيها برفض الاستماع إلى أزماته الصغيرة. وفي كل مرة يكون في حاجة إلى تبادل الحب وعبارات الدعم. ولكن الطرف الذي يكون في حاجة إليه مشغول، إما بالعمل أو مجابهة الزمن، لإتمام مهام حياتية أخرى..”. تضيف الأخصائية، مؤكدة أن هذه الحاجة ليست مؤقتة، وإنما متنامية، محدثة خواء داخليا أكبر. وهي ما يشكل لنا المزيد من الأفراد الذين يعانون من الجفاء العاطفي”.
معتقدات متوارثة تربط العاطفة بالضعف
يتحدث الأستاذ لزهر زين الدين، خبير اجتماعي، عن بعض الموروثات الفكرية، التي شكلت معتقدات بالية لدى الجزائريين: “كأن يقتنع الطفل بأنه من العيب تكرار التعبير عن الحب بالكلمات، ومن غير الجيد استخدام العناق أو سرد مواقفه اليومية، التي يشعر فيها بالضعف، وربط كل ذلك بمستوى رجولته. في الوقت الذي رسخت فيه الأسرة لدى الأجيال السابقة مفاهيم خاطئة عن الاحترام، جعلت البنات يخجلن ويخفن من التفوه بكلمات جميلة لأوليائهن، لعلها تمس بهيبتهم ووقارهم الشديد. ويبتلع الآباء كلمات الإطراء والغزل على الأبناء، بمعتقد أنها تفتح عليهم باب التجاوزات.. فراحت هذه
الأفكار الهجينة على الفطرة وعلى الدين، تشكل مع مرور الزمن ما نشهده اليوم، من جفاء عاطفي، وعقد واضطرابات في علاقة الأبناء بأوليائهم.
قد يبدو للبعض أن أي خلل في العلاقة بين الأولياء والأبناء داخل الأسرة هي مشاكل شخصية، بينما للخبراء رأي آخر، عندما انتفضوا جملة للتصدي لهذا التهديد الخفي، نظرا إلى تفشي آفات عديدة من منطلقه. فالطفل الذي لا يحظى اليوم بالاحتواء العاطفي داخل الأسرة، لا يجد له سوى الشارع يحتويه، وقد ينتهي به الأمر في أحضان مروجي المخدرات، أو المغتصبين وشرار النفوس.. لذلك، فإن إصلاح الأسرة يبدأ من ترميم العلاقة بين الأب والأم والأبناء، وبات مسؤولية اجتماعية أكثر منها شخصية.