الرأي

أيام العشر في زمن الحظر والحجر

سلطان بركاني
  • 517
  • 0
ح.م

((اللّطيف لطيف بعباده))، أروعْ بها من آية في كتاب الله، تملأ القلب راحة وطمأنينة، والصدر رحابة وانشراحا، بأنّ خالق الكون ومدبّر أموره، مهما ابتلى عباده بالخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، فإنّه بهم لطيف رحيم؛ يريد لهم أن يؤوبوا ويتضرّعوا إليه ويرجوه ويسألوه من خزائنه ما لا يقدر على منحه أحد سواه.

الله لطيف بعباده، يحبّ أن يرزقهم ويعافيهم، ويحبّ لهم أن يتوبوا إليه ويفرح بتوبتهم، لذلك فتح لهم أبوابه في كلّ وقت وكلّ ساعة وكلّ لحظة ليفرّوا إليه ويسألوه من خزائنه التي لا تنفد.. ومن لطفه سبحانه ورحمته بعباده أنّه اصطفى لهم من بين أيام الدّهر أياما جعلها فاضلة مفضّلة،يضاعف فيها الأجور ويُحبّب فيها إلى عباده التّوبة والأوبة ليتلقّاهم بالبشر والحبور والعتق من النار دار الثبور.. أيام تهبّ فيها نسائم الرّحمات، وتلين فيها القلوب والأرواح لعالم الخفيات، يقول نبيّ الهدى صلى الله عليه وآله وسلّم: “افعلوا الخير دهركم، وتعرّضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمّن روعاتكم”.. نفحات تهبّ في أيام ومناسبات شرّفها الله، لعلّ من أعظمها شهر رمضان الذي ودّعناه قبل شهرين، ورغم أنّه كان هذا العام رمضان مختلفا إلا أنّه لم يكن كذلك عند عباد الله الصّالحين الذين صاموا فيه وقاموا وتهجّدوا وتصدّقوا وختموا القرآن.

من أعظم مواسم التّوبة والرّجاء، كذلك، العشرُ من ذي الحجّة التي نعيش أجواءها ونفحاتها هذه الأيام؛ أيام ليست مثل باقي الأيام، بل هي أفضل الأيام عند الله جلّ وعلا، يقول المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر، يعني عشر ذي الحجة”.. أيام يجتمع فيها من العبادات ما لا يجتمع في غيرها؛ تجتمع فيها الصلاة والصيام والصدقة والحج.. صحيح أنّها عشرة أيام فقط، وليست شهراً كاملا مثل رمضان، لكنّها في القدر لا تقصر عن رمضان.. وقتها قصير لا يحتمل التقصير. الشياطين فيها مطلقة وليست مصفدة، فالاجتهاد فيها أعظم أجرا، ومغالبة النّفس فيها أعلى قدرا.. وقد حقّق بعض العلماء أنّ هذه الأيام أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان؛ ما يعني أنّ في إمكان العبد المؤمن أن يعيش نفحات رمضان في هذه الأيام، فيقضيها بين صيام وقيام، وذكر وقرآن، وصدقة ودعاء.. بل ربّما تكون هذه الأيام بداية حياة جديدة يعيشها العبد المؤمن، يطلّق فيها الغفلة ويُقبل على طاعة ربّه الغفور الرّحيم الحنّان المنّان.. أيام تأتي كلّ عام بعد فترة فتور تعقب رمضان، ينشغل فيها جلّ النّاس بالعطل والأفراح والمناسبات؛ لتعين عباد الله المؤمنين على أن يراجعوا أحوالهم ويتداركوا تقصيرهم ويبدؤوا من جديد.. هي فرصة سانحة لكلّ متحسّر على فوات رمضان، ولكلّ عبد يريد أن يتوب إلى الله الواحد الديّان، ويبدأ عهدا جديا مع مولاه في أيام هي أفضل وأكرم الأيام على الله.

مهما كانت الظّروف التي نمرّ بها هذا العام، ومهما حُرم كثير من عباد الله حجّ البيت العتيق، ومهما لم يسمح بالحجّ إلاّ لعدد قليل من عباد الله، فإنّ فضل أيام العشر من ذي الحجّة لا ينقص، بل إنّ الأعمال الصّالحة تضاعف أجورها في زمن وأيام البلاء.. العشر من ذي الحجّة تأتي هذا العام في أيام بلاء وحرّ، تضاعف فيها أجور الصيام والقيام والذّكر والدّعاء والتهليل والتكبير.

من كان منّا مقلا من الصّلاة، فلتكن هذه الأيّام بداية له للتزوّد من الرّكوع والسّجود والإكثار من النّوافل، ومن حرم قيام الليل فيما مضى، فلتكن هذه الأيّام بداية له ليذوق حلاوة القيام بين يدي الله في وقت السّحر، ومن حرم لذّة الصّيام في غير رمضان فلتكن هذه الأيّام بدايته ليذوق لذة الجوع طلبا لمرضاة الله، ومن حرم لذة الإنفاق في وجوه البرّ والخير فلتكن هذه الأيام بداية له لينعم بلذة العطاء، خاصّة في خضمّ هذه الجائحة التي تفاقمت معها معاناة كثير من الأسر مع الفقر والحرمان.

أيام العشر هي أيضا فرصة للتضرّع إلى الله تعالى في ثلث الليل الأخير وفي وقت إجابة الدّعاء بأن يرفع الوباء ويكشف البلاء، ويرحم عباده الضّعفاء، فهي أيام تهليل وتكبير ورجاء، والدّعاء فيها أقرب إلى الإجابة من غيرها، خاصّة في يوم عرفة الذي يدنو فيه الرّحيم ويفتح أبوابه لعباده ليسألوه من مغفرته وعفوه وعافيته وفضله ورزقه.

مقالات ذات صلة