أين إيران في خضم المراهنات الاستراتيجية!!
إلى أي مدى يمكن المراهنة على إيران في هذه المرحلة الخطيرة من عمر الأمة؟ هل إيران فعلا قوة لصالح الأمة بالمطلق في معركتها الحضارية الحاسمة؟ بمعنى: هل تقف في خندق مصالح الأمة من أجل الوحدة وفلسطين والنهضة ضد التجزئة والتبعية والكيان الصهيوني حتى لو كان ذلك على حسابها؟ أم إنها دولة إقليمية ككل الدول الإقليمية لها حساباتها ومصالحها الإقليمية الخاصة ولو كانت على حساب الأمة ومصالحها الكبرى؟ ما هي حدود المذهبي والقومي في الموقف الإيراني؟ حتى نتعرف على الإجابة الحقيقية ينبغي لنا التزام أكبر قدر من الموضوعية والميزان الحق والتثبت من الرؤية، فإنه لا يفلح الظن السيئ، قال تعالى: “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا”.. ومنذ اللحظة الأولى يجب أن لا يخطر على بال أحد أن المطلوب من إيران أن تتنازل عن مذهبها الشيعي أو عن قوميتها الفارسية.. وهذا غير مطلوب منها أو من غيرها من القوميات والمذاهب الإسلامية الأخرى. لذلك يجب أن لا يطرح هذا الموضوع على طاولة البحث لأنه فعلا ليس له أي قيمة. فلكلٍّ مذهبه ولكل قوميته في إطار الأمة الواحدة. والله أعلم بمن هو أهدى وأتقى.
إيران تواجه دوما بالأسئلة وهي معنية دوما بالقيام بالإجابات العملية. وستجد نفسها مضطرة من حين إلى آخر إلى الإجابة لكي يثبت خط معين. كما أن الآخرين عليهم أن يتدبروا الموقف الإيراني بما له وما عليه. فهل كانت إيران لحظة انطلاق ثورتها تعني ما رفعت من شعارات الوحدة وفلسطين والتصدي للغرب؟ أم إنها تراجعت بفعل أسباب عديدة منها الحصار وبروز التيار الإصلاحي من حين إلى آخر.. ثم إلى أي مدى تستطيع إيران أن تفصل بين المشروع المذهبي والمشروع الإسلامي؟ وإلى أي مدى تستطيع أن تفصل بين الرغبات والقدرات؟ أي إلى أي مدى تستطيع التوحيد بين الثورة والسياسة؟
تثار هذه العبارات أمام الموقف الإيراني في ملفات عديدة لا سيما الملف الفلسطيني والملف العراقي والملف الأفغاني والملف السوري والملف اللبناني.. ولا يمكن لإيران أن تدير ظهرها عندما تطرح عليها الأسئلة الاستراتيجية حول موقفها من كل هذه الملفات بالإضافة إلى ملفات متناثرة هنا وهناك كالملف اليمني وغيره.. والإجابة هنا تعني رسم الخط السياسي الذي تلتزمه حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران. وهنا تكثر الاستنتاجات والاستنباطات. وهنا تكثر الظنون وتصبح حركة الجمهورية الإيرانية على المحك نقدا وتساؤلا.
في مواجهة هذه الملفات الحساسة والخطيرة يقف الملف النووي وهو قيد التوجس الغربي ورهين مفاوضات عسيرة كفاحص لحقيقة الموقف الإيراني من الملفات الأخرى، حيث ستطرح فيها الملفات السابقة حتما وستكون إيران معنية بإيجاد إجابات بغض النظر عن طبيعتها وشكلها.. وهنا تطرح تخوفات من قبل البعض الذين يتتبعون الموقف الإيراني ويراهنون على أنه غير جدي ويبدون رهانات على مستقبله. ويذهب البعض إلى طرح فرضيات من قبيل إن إيران ستضحي ببعض الملفات في مقابل تراجع المعسكر الغربي في ملفها النووي وجهة رفع الحصار أو تخفيفه عنها.
إن الموقف الإيراني في الملفات السابقة واضح تماما وهو إن كان يتجه إلى الفعل على أرضية مصلحة الجمهورية الإسلامية فهو في الحين نفسه ملأ قلوب كثيرين من المتابعين للشأن الإيراني حيرة وقلقا، لا سيما عندما تفتح الملفات جميعها على الموقف من قضايا حرية الشعوب وكرامتها ومستقبلها.. ففي العراق، الموضوع شائك، كما هو الموقف من أفغانستان وهو أقل تعقيدا في الشأن اللبناني والسوري.
كل هذا الكلام يجد رواجا له وهو يحمل في داخله أسئلة مشروعة لكن من الخطإ تحويل الأسئلة إلى إجابات وأحكام.. فلئن كان من حق الناس التساؤل فمن الواجب عليهم أن يتحروا الحقائق ويسلكوا طريق المنهج العلمي لاكتشاف حقيقة الموقف الإيراني بالقرائن والأدلة لأنه ليس من السهل اتخاذ موقف خصومة مع دولة كبيرة في المنطقة تربطنا بها قواسم التاريخ المشترك والحضارة الواحدة والإسلام الواحد.. وصعوبة إجراء عملية التقييم تنشأ في الأساس من حجم الدعاية والإعلام التي تبثها أجهزة إعلامية دولية وإقليمية شيطنت إيران في كل شيء. وهنا لا بد من إيجاد معيار للمناقشة والتدقيق..
وتطل فلسطين العظيمة بوجهها الصبوح معيارا لا يخطئ ومقياسا لا يزل.. فلسطين هي ضمير الأمة ووجدانها وبوصلتها وروحها.. فصديقها هو صديق الأمة. وعدوها هو عدو الأمة. ولا يصادقها إلا من له علاقة صادقة بالأمة. لها عدو محدد واضح، إنه الإدارات الغربية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية وصنيعتهم في المنطقة الكيان الصهيوني.. والأمة كلها تعاني من مخططات الإدارات الغربية التي تعادي فلسطين. ويمكن شرح هذه القوانين بكثير من الكلام، لكن محصلة القول إن الإدارات الغربية هي العدو.. من هنا نسأل عن طبيعة مواقف كل الذين يشيطنون إيران، أي المواقع يتخذون..؟ إنهم يتخذون موقعا في دائرة الولاء للإدارات الغربية.. من هنا لا يمكن الاعتداد بروايتهم عن إيران. ومن هنا أيضا ينبغي عدم الاستماع إليهم لأنهم مشوشون يقومون بمهمة تدمير طاقات المقاومة في الأمة.. فلو جاءت الانتقادات من طرف أصيل في موقفه من فلسطين وعلى التضاد من الإدارات الغربية، فإننا سنلتزم بالسمع والانتباه والاحترام.. إننا في هذه الحالة سنأخذ القول مأخذ الجد، لكن أن تأتينا الروايات من أجهزة دعاية منغمسة في تزيين جرائم الإدارات الغربية والكيان الصهيوني فإننا بلا شك لن نعيرها انتباها، بل سنلاقي كلامها بالشك والتفنيد ولن تنطلي علينا المؤامرة.
نعود من جديد لاستكشاف الإجابات الإيرانية على موقفها من الملفات المطروحة.. وهنا نذكر موقفها من فلسطين حيث لازالت تدعم الموقف الفلسطيني والقضية الفلسطينية كما أنها ترفض التطبيع مع إسرائيل وهي في حالة صراع مباشر وغير مباشر مع إسرائيل.. وهذا فيصل مهم في تحديد طبيعة الخط السياسي في العلاقات الإقليمية والدولية.. ولا يستطيع أحد أن يقلل من قيمة الموقف الإيراني تجاه فلسطين وإن كان للبعض نقد أسلوب الدعم والتأييد فالجمهورية الإيرانية تمتلك الموقف المتين والعميق تأييدا ودعما لفلسطين. ولا يستطيع أحد أن يشكك في هذا، وإن كان من حق البعض أن يبدي تصويبا ما أو نقدا ما لكيفية الدعم الإيراني.. ولكن كما قال الإمام علي– كرم الله وجهه–: “ليس من قصد الحق فأخطأه كمن قصد الباطل فأصابه”.
إن إيران اليوم ليست مواقف وشعارات.. إنها دولة إقليمية مهمة وقوية.. من العبث السياسي أن تستعدى. ومن الجهل أن لا ينظر إلى ضرورة مد الجسور معها والاستفادة من تجربتها في مجالات عديدة، لا سيما الصناعة والتبادل والتكامل على صعيد التجارة والسياسة من أجل تدعيم الموقف العربي والإسلامي وتحقيق سيادة واستقلال بلداننا.. وتبقى الأسئلة مفتوحة والإجابات مطلوبة ولكن على أرضية الأخوة الإسلامية وباتجاه القدس الشريف هدفا ومعيارا.. هذا سيفتح صفحات من الحوار المسؤول والتلاقي المفيد للبلدان العربية والإسلامية.. تولانا الله برحمته.