أين انتم يا وزراء؟
الوزراء في اجتماعهم الأخير، فضلوا التركيز على الانتخابات التشريعية المقبلة، ورفع عدد “طابوريات” البرلمان، بدل أن يركزوا على العاصفة الثلجية التي خلفت قتلى وضحايا ومعزولين ومحاصرين ومنكوبين، عبر مختلف انحاء الجزائر العميقة!
قد يكون مجلس الوزراء قد ناقش ملف الاضطرابات الجوية، دون أن يظهر هذا الانشغال والاجتماع في البيان الختامي الذي قرأته بالتفصيل والتحليل نشرات اليتيمة، وربّما يكون مجلس الوزراء قد ارتأى التطرّق إلى الوضع الاستثنائي الذي خلفته الثلوج، بعيدا عن الترويج والتسويق الإعلامي والسياسي، حتى لا يتم اتهام الحكومة باستغلال الثلوج لتحقيق أهداف انتخابية!
إذا أخذنا في الحسبان، أن مجلس الوزراء الرسمي والعلني، لم يشر لا من بعيد ولا قريب إلى العاصفة الثلجية وما خلفته من متغيرات عبر أغلب ولايات الجمهورية، فإنه من الضروري القول بأن الوزراء: إمّا أنهم لا يعيشون في بلد اسمه الجزائر، ولذلك سمعوا بالانتخابات من باب الواجب الحكومي، ولم يسمعوا بمعاناة المواطنين المحاصرين عبر الولايات المنكوبة!
كان بالإمكان توطئة بيان مجلس الوزراء، بتعزية العائلات التي فقدت أحد أقاربها وأبنائها في الاضطرابات الجوية المستمرة منذ نحو الأسبوع، وكان بالإمكان لأصحاب المعالي أن يعلنوا تضامنهم مع المنكوبين والمحاصرين بالثلوج والبرد القارس والجوع، وكان بإمكان الوزراء أن يبدو استعدادهم للنزول إلى القرى والمداشر للمساهمة في فكّ الحصار والعزلة عن الزوالية!
لكن، الوزراء فضلوا الاهتمام بالانتخابات القادمة، التي غطتها الثلوج وجمّدت الأحزاب التي شرعت في البحث عن مناضلين ومترشحين وناخبين، وبدأت أيضا في تسوّل وتوسّل للجزائريين للمشاركة القوية في الاقتراع، من أجل رفع نسبة المشاركة!
آه.. لو تلقى المواطنون العالقون في هذه الظروف الحرجة والمأساوية، حيث امتزجت النعمة بالنقمة، رسائل sms تسألهم إن هم محاصرون أم منكوبون أم جوعى؟، تسألهم عن انقطاع الغاز والكهرباء؟، تسألهم إن وصلهم الخبر والحليب والمواد الغذائية الضرورية؟، وتسألهم عن تكفل الأميار ورؤساء الدوائر والولاة، ومختلف المصالح المحلية، بانشغالاتهم في هذا الوضع الاستثنائي؟.
حتى لا يتم تغطية الشمس بالغربال، فإن هناك مجهودات ووسائل تمّ تسخيرها لفكّ العزلة وتحرير المحاصرين في الربوات المنسية، لكن هذا لا يبرّر اختفاء الوزراء عن مشاركة المواطنين “مصيبتهم”، وقد يكون الاهتمام المعنوي أهم وأبقى من الاهتمام المادي، وليس تطاولا لو قيل أنه لا معنى لحكومة لا تعيش مع مواطنيها مأساتهم ومعاناتهم!
لقد حافظ الجيش الوطني الشعبي، ومعه مصالح الشرطة والدرك والحماية المدنية، على هيبة الدولة وسمعة المؤسسات، فعكس الوزراء المختبئين بمكاتبهم الدافئة والساخنة، نزل أفراد الجيش والأمن إلى “ميدان الحرب” لإجلاء العالقين وإنقاذ المنكوبين، وصنع بذلك ملحمة جديدة ليست غريبة عن تضحيات وخصال وشيّم وكبرياء “أبناء الشعب”!
قد لا يهمّ تدخل الوزراء والحكومة، طالما هناك تدخل عاجل وإنساني لقوات الجيش، مثلما حدث في الزلازل والفيضانات.. فالجيش لا يعني فقط استعمال السلاح للدفاع عن وحدة وأمن وسلامة الوطن، وإنما يعني أيضا مؤازرة الشعب في محنه.