الرأي

أيّها‮ ‬السلم‮ ‬تجلّ‮!

جمال لعلامي
  • 3266
  • 5

سبحان من علاّك، سبحان من جلاّك، أيّها السلم تجلّ..! هذا جزء ممّا يجب قوله، تجاه ما يحدث في بلدان “الربيع العربي”، فالانفلات الأمني والفتنة والقلاقل بين الأشقاء الفرقاء، والصراع السياسي والنزاع من أجل السلطة، يكاد يقسم ظهور هؤلاء وأولئك، رغم سقوط “الديكتاتوريين‮”‬،‮ ‬ورغم‮ “‬تغيير‮ ‬الأنظمة‮”‬،‮ ‬فما‮ ‬الذي‮ ‬يحدث‮ ‬بالضبط‮ ‬في‮ ‬تونس‮ ‬وليبيا‮ ‬ومصر‮ ‬ومعهم‮ ‬سوريا‮ ‬الشقيقة؟

يقول المتفائلون إنها إرهاصات وتداعيات ما بعد “الثورة” وإن كل ثورة تبدأ هكذا وتنتهي هكذا، وإنه لا مفرّ من قضاء الله وقدره، وما يحدث من مواجهات ومدّ وجزر وكرّ وفرّ وانتقام وتصفية حسابات، لكن المتشائمين يرسمون علامات استفهام وتعجّب أمام هذه التطورات المرعبة والمتغيرات‮ ‬المخيفة‮ ‬التي‮ ‬تضرب‮ ‬استقرار‮ ‬وأمن‮ ‬واقتصاد‮ ‬دول‮ ‬كانت‮ ‬نماذج‮ ‬ناجحة‮ ‬يحجّ‮ ‬إليها‮ ‬السيّاح‮ ‬والمستثمرون‮ ‬بحثا‮ ‬عن‮ ‬الراحة‮ ‬ورؤوس‮ ‬الأموال‮!‬

 

لا أحد بإمكانه أن يُدافع عن الديكتاتورية والقمع والردع والتجاوزات والخروقات و”الفساد” المنسوب إلى أنظمة حسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا وزين العابدين بن علي في تونس، لكن هل الذي يحدث الآن من انزلاقات وانحرافات يسرّ عدوّا أو حبيبا؟ ولماذا لا تكون تبعات‮ “‬الثورة‮” ‬سلمية‮ ‬وبلا‮ ‬دماء،‮ ‬وقد‮ ‬تكاثر‮ ‬‭”‬الأبطال‮” ‬بعد‮ ‬انتهاء‮ ‬المعركة؟

الناتو الذي شارك في إسقاط القذافي والدول “الديمقراطية” التي رعت وزرعت بذور إسقاط زين العابدين وباركت إسقاط مبارك، في انتظار اتضاح مصير بشار الأسد، تحوّلت الآن بعد مرور عاصفة “الربيع” إلى متفرّج يتسلـّى بالمشاهد المأساوية وبالخراب الذي يكاد يُفلس البلدان المستهدفة‮ ‬ويحوّلها‮ ‬إلى‮ “‬مخابر‮ ‬تجارب‮” ‬لإنتاج‮ ‬صناعة‮ ‬ما‮ ‬زالت‮ ‬مجهولة‮ ‬الهوية‮ ‬والمنشإ‮!‬

نعم، لا يُمكن أبدا الطعن في شرعية ومصداقية “الثورات” التي عصفت بأنظمة الحكم في تونس وليبيا ومصر، لكن ألا ينبغي التساؤل بكلّ براءة عن المستفيد من الأحداث الدامية التي تعرفها هذه الأيام البلدان الشقيقة والصديقة؟ ومن المسؤول عن الزجّ بشعوب هذه الدول إلى مستنقع‮ ‬التصادم‮ ‬والتشرذم‮ ‬والانقسام‮ ‬والاشتباكات‮ ‬المسلحة؟

لا ينبغي أن يحنّ هؤلاء وأولئك إلى المراحل السابقة التي أصبحت جزءا من الماضي، لكن هل هكذا يُراد للربيع أن ينقلب فجأة ودون سابق إنذار إلى تسونامي لا يبقي ولا يذر، وعاصفة رملية تعمي العيون والبصائر وتحوّل الأشقاء إلى أعداء والعياذ بالله!

عندما يضرب “الربيع” الأمن والاستقرار والوحدة الشعبية والترابية لعدد من البلدان العربية، فمن الضروري أن تتوقف فصول السنة وتـُلغى عملية تداول الصيف والخريف والشتاء، وليس غريبا أن تختلط الفصول الأربعة أو تـُختزل في فصل أو فصلين عكس نظام الكون!

منذ‮ ‬البداية،‮ ‬حذر‮ ‬الفطنون‮ ‬من‮ “‬الربيع‮” ‬كحقّ‮ ‬يُراد‮ ‬به‮ ‬باطل،‮ ‬أو‮ ‬كسمّ‮ ‬مدسوس‮ ‬في‮ ‬عسل،‮ ‬لكن‮ ‬المتعطشين‮ ‬إلى‮ ‬الحرية‮ ‬والديمقراطية‮ ‬والعدل،‮ ‬لم‮ ‬يروا‮ ‬سوى‮ ‬الشجرة‮ ‬التي‮ ‬تغطي‮ ‬الغابة‮ ‬والظاهر‮ ‬من‮ ‬جبل‮ ‬الجليد‮!‬

قد يكون الحلّ اليوم هو الفطنة والحكمة والوحدة وتجاوز الخلافات والحسابات الضيقة، ووضع البلاد الربيعية فوق كلّ اعتبار، حتى تخرج بلدان “الربيع العربي” من عنق الزجاجة وتتجاوز “المؤامرة” المخفية والمصلحية من وراء “الرعاية الدولية” لإسقاط “أصدقاء” رعاة ودعاة وغلاة‮ “‬الفوضى‮ ‬الخلاّقة‮” ‬التي‮ ‬أدخلت‮ ‬الدول‮ ‬المعنية‮ ‬في‮ ‬دوّامة‮ ‬يعلم‮ ‬الله‮ ‬نهايتها‮ ‬وثمنها‮ ‬وضحاياها‮!  ‬

مقالات ذات صلة