أيّها الزعماء.. تكلّموا!
إعلان تعرّض المجاهد وزعيم الأفافاس حسين آيت أحمد لجلطة دماغية- شفاه الله وعافاه- أدخل كلّ من يعرف الرجل والمقرّبين منه والباقي المتبقي من الأسرة الثورية والمجاهدين و”جيل الاستقلال” في حالة انتظار.. ينتظرون إجابات مقنعة عمن يكتب التاريخ بعد وفاة صانعي الثورة وجزء من تاريخ الجزائر المعاصر؟
منذ سلـّم “الدا الحسين” قيادة جبهة القوى الاشتراكية، وأعلن “انسحابه” واكتفى بمنصب “الزعيم الشرفي“، وهو القرار الذي فاجأ البعض وأجبر آخرين على توجيه تحية تقدير واعتراف إلى صاحبه، فيما تحدث الكثير ممّن يعرفون الرجل، عن “تعبه” ومتاعبه الصحية، ومتاعبه السياسية أيضا، فقد ناضل وكافح ومارس السياسة لسنوات طويلة يشهد عليها هؤلاء وأولئك.
استقالة ومرض وسكوت و“غضب” ومقاطعة وانسحاب واختفاء، هؤلاء الزعماء والكبار والرجال، ضيّع على جيل الثورة وجيلي الاستقلال، معا، الكثير من الأسرار والخبايا والخفايا والألغاز والمعلومات والنصائح، التي كان من المفيد جدّا أن تخرج من “واجب التحفظ” ومن مجال الوجود بالقوّة إلى مجال الوجود بالفعل!
لقد التزم حسين آيت أحمد الصمت منذ فترة ليست بالقصيرة، وباستثناء الرسائل “المشفرة” التي كان يُرسلها إلى الرأي العام عن طريق اجتماعات “هيئة أركان” الأفافاس، فإن الرجل اختار “الإضراب عن الكلام“، لأسباب ومبررات يعرفها هو جيّدا، وأهل “الثورة” أدرى بشعابها!
“الدا الحسين” هو واحد من “العلب السوداء” والخزائن المغلقة والصناديق السرية، التي لم تـُفتح، فلم يستفد جيل ما بعد الثورة، وربما حتى بعض جيله، من إفادات نافعة وشهادات حيّة، تـُفيد المؤرخين وتخدم التاريخ وتمنع وقوع الانحرافات والتزوير والتحريف وظهور أبطال من ورق!
لقد غيّب الموت– وهو قضاء الله وقدره– الكثير من الشخصيات الثقيلة، وإن قال بعضها “جزءا” ممّا يجب قوله، فإن البعض الآخر لم يقل لا قليلا ولا كثيرا، نتيجة عدّة اعتبارات، وفي هذه النماذج، يصطف الراحلون أحمد بن بلة والشاذلي بن جديد ويوسف بن خدة وعلي كافي ورابح بيطاط وشريف مساعدية وبشير بومعزة، وغيرهم كثير رحمة الله عليهم.
لم يستفد جيل الاستقلال كثيرا من شهادات و“اعترافات” هؤلاء المخضرمين المرحومين، مثلما لم يستفد نفس الجيل من “شهود حقّ” مازالوا على قيد الحياة، أطال الله عمرهم، ولعلّ رابطة غريبة تجمع السابقين واللاحقين، هي “الأفواه المغلقة“، التي لا تتفوّه وإذا تفوّهت فإنها تتحفظ وتعرف جيّدا ما تقوله، فهي تدرك جيّدا أنه ليس كلّ ما يُعرف يُقال!