الرأي

أيُّ ماض لأيِّ مستقبل مغاربي؟

عمار يزلي
  • 1308
  • 12
ح,م

العمل المغاربي، الذي يبدو معطَّلا منذ سنوات بسبب الخلافات البينية، ليس مردُّه فقط إلى أزمات سياسية بعينها، ولا حتى في أسوإ الأحوال إلى عمل تكتلات إقليمية ودولية، ولو أنه قد تدخل كل هذه العناصر لتغذي عناصر تاريخية وسوسيو سياسية داخلية، كون أنَّ هناك ما هو أبعد من الأقطار وأبعد حتى من الأفراد.

الفضاء المغاربي، هو فضاءٌ إنساني بشري وعندما نتحدث عن الإنسان، نتحدث عن التغير والتحوّل، تطورا كان أم تقهقرا، ذلك أن الإنسان الفرد، هو نفسه في حالة تغير دائم وحالة من التحولات التي لا تنتهي بوفاته ولا حتى بسقوط دولة أو اندثار حضارة. التحوّل مستمرّ، حتى وإن لم نشعر به.

من الصَّعب والحال هكذا، أن نقارن وأن نتتبّع آليات التغير والتطور والتحول ونفهمها لكي نفسرها، فالتاريخ مليءٌ بالفراغات، بل إنَّ مناطق الفراغ في التاريخ الإنساني، أكثر من المناطق المليئة، وحتى تلك المناطق الممتلئة، لا تعتبر ملآى إلا في تصورنا، لأن الأحداث المنسية غير المروية وغير المكتوبة، تتجاوز تلك المدوَّنة أضعافا مضاعفة. كما أنه، وحتى ذلك الجزء القليل والنزر المدوَّن عن طريق الرواية الشفهية والمدونة لاحقا، أو حتى تلك المدونة في زمانها، إنما هي عمل إنسان. وعندما نتحدث عن “عمل إنسان”، نتحدث عن النسبية وعن القصور، كيفما كان هذا العمل: قصورا بسبب التدخل الذاتيّ، والتأويل الشخصيّ، والكتابة من زاوية نظر محددة، أو بسبب الضعف والقدرة على التصوير والتأريخ للتفاصيل أو إهمالها أو التغافل عنها، باعتبارها غير مهمة أو لا تستحق الذكر أو أنها لا تدخل في التاريخ ذاته. غير أنَّ “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وأن “التاريخ الكبير”، ليس هو “التاريخ الصغير”، وأن التاريخ الصغير، كان يخلَط عادة بالتاريخ الكبير.

فيما يتعلق بتشكل بنية الهوية الفردية، وطريقة إعادة إنتاج الفرد والجماعة لنفسه، ضمن نسق عام لسيرورة غير متحكم فيها ذاتيا، تدخل هذه السيرورة ضمن ناموسٍ كوني، لا نكاد نقف له على قانون دقيق يكون بالإمكان لإدراكاتنا أن تعيه أو أن تفهمه، لأنه يفلت من العقلنة. فهم الإنسان المغاربي بخصوصية كل شعب على تشعُّبه بما يتمثَّله هو من صفات

هوياتية، يجعلنا نفهم التسيس والتكتُّل وانزواء الفرد هو كل شيء وهو الأساس، والجماعة هي “الجسم الحمائي” للجسم الفردي؛ فالهوية الفردية، هي الأصل الذي سيُبنى عليه الفصل (الجماعة)، وليس العكس كما سيبدو ظاهريا، فالعلاقات الانسانية، هي علاقات يبنيها الفرد لصالحه هو، وليست الجماعة هي التي تنبي الجماعة لصالح الفرد.. قد يحدث هذا، ولكن هذا لن يحدث، لأن روح الجماعة معقدة ومتضاربة الأهواء الفردية، وكل جماعة ترغب في ذلك، ستجد نفسها تخدم فردانيتها وليس الفرد.

الأمر يطرح تساؤلات أكثر من الإجابات بسبب تعقُّد بنية الفرد، فما بالك بالجماعة. تساؤلات عن الأسباب التي تجعل من شعب أو جماعة ما تختلف عن شعب أو جماعة أخرى والتي تكون وراء قاعدة تشابه الدورات التاريخية والإنسانية ويقف وراء العداوات التاريخية التي لم تنمح إلى اليوم بين الأقطار والأمم. إنها مسألةٌ في غاية الأهمية أن نعرف كيف نتناولها. غير أن العلم حاليا، يقف عاجزا للأسف عن الإجابة على تلك التساؤلات كلها، ما يجعل المستقبل العربي والمغاربي رهين الأحداث الآنية وما يغذيها من أنانيات خارجية في الداخل، تجعل من المصلحة الوجودية المعيشية أقوى من رابطة الدم والهوية واللحمة الرحمية.. للأسف.

مقالات ذات صلة