أي مستقبل للطاقة في الجزائر مع التحديات والتحوّلات الطاقوية العالمية؟
يعرف العالم تقلبات إستراتيجية كبرى في ملف الطاقة وتأثيراتها مع تخلي الإدارة الجديدة لترامب عن سياسات حماية المناخ، واختيارها لكريس رايت وزيرا للطاقة، وإنشاء ترامب مجلس طاقة وطني مهمته تتمثل في “الإشراف على المسار نحو هيمنة الولايات المتحدة على الطاقة” العالمية، وسيكون رايت عضوا فيه خاصة مع دعم الشركات النفطية له. وحسب ترامب، فإن مجلس الطاقة الجديد سيحد من البيروقراطية، ويزيد من استثمارات القطاع الخاص في جميع قطاعات الاقتصاد ويركّز على الابتكار بدلا من اللوائح التنظيمية غير الضرورية، ويعتبر رايت من أشد دعاة الوقود الأحفوري ومن الشخصيات التي لا تعترف بأزمة تغير المناخ عالميا، وقد قال سابقا في تصريح له أنه “ليس ثمة شيء اسمه أزمة مناخ”.
تحديات وتحولات
لكن الأسئلة الجوهرية هنا هي: كيف سيؤثر هذا التوجه على الاقتصاد الوطني ومستقبل أسعار الطاقة في العالم؟ وهل نحن مقدمون على تحولات كبرى في جيوبولتيكا الطاقة مع رغبة الغرب في سحق إيران وروسيا، خاصة مع تداول استعداد سلاح الجو الإسرائيلي لقصف مفاعلات إيران النووية؟ والأهم: هل يتكرر سيناريو 1986 إذ انهارت أسعار النفط آنذاك من 27 دولارا إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، وبداية من 2014 مع تضاعف إنتاج الولايات المتحدة في السنوات الست السابقة لـ2014 انهارت الأسعار لغاية 27 دولارا (2015) وشهدت تقلبات ضخمة إلى غاية 2018 بعد انسحاب أمريكا من اتفاق إيران النووي وتوصل مجموعة أوبك+ لخفض انتاج النفط لتصل إلى 70 دولارا.
كان جليا أن تركة النظام السابق كانت معرقِلة ولكن كان يجب أن يُبنى عليها بطرق أخرى، والدخول إلى عالم السيارات الكهربائية وأدواتها كرأس حربة؛ ففيتنام لم تحقق النمو الاقتصادي الذي حققته في سنوات قليلة لولا الاستثمارات الضخمة التي ضخّتها كوريا الجنوبية واليابان وعدة دول غربية وصلت إلى 125 مليار دولار في عقدٍ واحد، و”طالبان” بأفغانستان نجحت في استقطاب استثمارات صينية معتبرة ومنها بناء مدينة صناعية من 150 مصنع بـ216 مليون دولار.
وهنا السؤال المطروح هو: كيف سيكون كذلك وضع أسعار الغاز بداية من عام 2025، مع إمكانية حدوث انفراج في الأزمة الأوكرانية وهدوء التوترات العالمية مع احتمال تسوية أزمة قطاع غزة؟ وهل هناك توترات عالمية أكبر في الأفق، يمكن أن تفيد أو تضر بأسواق الطاقة؟
والأهم في كل هذا: ما هو دور الطاقات المتجددة والآليات والسيارات الكهربائية التي ستشغِّل المصانع والطرق خاصة بعد التوافق الاستراتيجي بين رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك والرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، ونمو صناعة السيارات الكهربائية والمصانع التكنولوجية على سوق الطاقة العالمية؟ وكيف ستؤثر الطاقات المتجددة على سوق الطاقة التقليدية، خاصة مع تشكيلها وفق معطيات الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، نحو 6.8% في عام 2022، فيما تشكل الكهرباء المتجددة نحو 30% من إجمالي إنتاج الكهرباء العالمي؟ وهل نحن جاهزون لذلك؟.
النقد الأجنبي للاستيراد
لا يزال الاقتصاد الوطني يعتمد على المحروقات بنسبة تزيد عن 90 بالمائة منه في الحصول على النقد الأجنبي، وهو مرهونٌ بقدرتها على تمويل ميزانية البلاد فيما يتعلق بالاستيراد بنحو 21 بالمائة من الناتج القومي للبلاد الذي بلغ نحو 266 مليار دولار، أي 55.5 مليار دولار من صادرات محروقات الجزائر في 2023 والتي سجّلت هي بدورها انخفاضا بـ10 مليار دولار عن عام 2022، وهو العام التي اندلعت فيه الأزمة الأوكرانية.
وقد اعتمدت الجزائر في عام 2025 سعرا مرجعيا بـ60 دولارا للبرميل إلى غاية 2027 وسعرا متوقعا للسوق بـ70 دولارا (سعر البترول حاليا 75 دولارا والمبلغ المُتبقي من السعر المرجعي يوجَّه لصندوق ضبط الإيرادات)، مع ميزانية تبلغ قيمة كتلتها المالية بالنقد الأجنبي 126 مليار دولار أمريكي، وسط كتلة أجور ضخمة تبلغ قيمتها الكلية بالنقد الأجنبي نحو 40 مليار دولار منها نحو 3 مليار دولار توجَّه لمنحة البطالة التي يستفيد منها نحو 2 مليون جزائري.
وبعيدا عما يروجه الإعلام، كانت الميزانية الأضخم للجزائر عام 2013 بـ10699.8 مليار دينار (135 مليار دولار)، وكان سعر الدينار آنذاك يبلغ 78.5 دينارا مقابل الدولار، بينما بلغت ميزانية 2024 وفق سعر الدينار الحالي البالغ 133 دينار جزائري، 16 ألفا و700 مليار دينار، أي نحو 126 مليار دولار، وكان السعر المرجعي للبترول هو 37 دولارا وحاليا يمثل 60 دولارا، أي أن ميزانية 2025 تمثل 93 بالمائة من ميزانية 2013.
وإذا كان يجب أن نلاحظ، فإن تلك الميزانية فرضتها إجراءات أزمة لمجابهة تداعيات أزمة ما سُمِّي “الربيع العربي”، وكانت البلاد تكتنز أزيد من 194 مليار دولار في 2013 في احتياطي الصرف، كما كانت تتوفر على نحو 100 مليار دولار في صندوق ضبط الإيرادات، وهو الصندوق الذي كان يُدَّخر فيه فارق أسعار النفط الذي وصل إلى 140 دولار في سنوات سابقة بينما كانت البلاد تعتمد سعرا مرجعيا لم يتجاوز 37 دولارا، وهو الذي سمح بتمويل سنوات عجز كبير قبل اللجوء إلى قنبلة التضخُّم “التمويل غير التقليدي” من خلال طبع ما قيمته 54 مليار دولار من العملة الوطنية، أي نحو 5940 مليار دينار جزائري، وهو مبلغ ضخم أثَّر لسنوات على أسعار السلع والمنتجات الاستهلاكية من خلال التضخم، ولعب كوفيد 19 والحرب الروسية- الأوكرانية الدور الأبرز في تناميه.
حلول بديلة
في هذا الصدد، مع ضعف إيرادات النفط عمدت الجزائر إلى توسيع الاستكشاف وتطوير الحقول النفطية، كما وسَّعت المجال لاستغلال المعادن والمناجم ومنها الحديد والفوسفات ولعب دور إستراتيجي في إمدادات الغاز، خاصة مع أوروبا، ومحاولة بناء قطاع إنتاج وطني يقلّل من حجم الاستيراد، وهي خياراتٌ بقدر ما ساهمت في الحدّ من نزيف العملة الصعبة، فرضت كذلك خيارا بيروقراطيا ثقيلا تورَّط البعض من المشرفين فيه في الفساد الذي قادهم إلى العدالة، وكان الأحرى هنا كذلك -بعيدا عن الجهاز البيروقراطي- تحفيز الاستثمار الخارجي بشكل مُهيكل لمحاولة إدماج شركات الإنتاج الدولية في الاقتصاد من خلال التفاوض معها على مستويات عليا لإقامة مصانع كبرى في الجزائر للسيارات مثلا وغيرها لتغطية الطلب المحلي، خاصة تلك الآسيوية المتعطّشة للنمو مثل الشركات الصينية والكورية وغيرها، عوضا عن الأوروبية التي تفلس أو تواجه منافسة حادة من الشركات الصينية التي قلّلت من تنافسيتها وأهميتها في السوق العالمية من ناحية الجودة والسعر.
لقد كان جليا أن تركة النظام السابق كانت معرقِلة ولكن كان يجب أن يُبنى عليها بطرق أخرى، والدخول إلى عالم السيارات الكهربائية وأدواتها كرأس حربة؛ ففيتنام لم تحقق النمو الاقتصادي الذي حققته في سنوات قليلة لولا الاستثمارات الضخمة التي ضخّتها كوريا الجنوبية واليابان وعدة دول غربية وصلت إلى 125 مليار دولار في عقدٍ واحد، فضلا عن هذا فإن “طالبان” بأفغانستان نجحت في استقطاب استثمارات صينية معتبرة ومنها بناء مدينة صناعية من 150 مصنع بـ216 مليون دولار، وهو ما يفرض علينا أن نسير بالسرعة القصوى لفتح المجال أمام الاستثمارات الإستراتيجية التي يمكن أن تساهم في نمو الاقتصاد الوطني ورقيّه، لحماية القدرات الداخلية بأدوات إستراتيجية وواقعية مثلما فعل دينج شياو بينج الصيني في سياسته “الإصلاح والانفتاح” بفتح مناطق حرة للاستثمار على الساحل الصيني بلغت 14 منطقة وكانت نواة النهضة الصناعية والاقتصادية للصين الجديدة.
تبدو سوق الطاقة العالمية المقبلة ضبابية؛ فهناك سيناريوهات عدة محتملة وكلها تحمل مخاطر جمة على الاقتصاد الوطني، فهل سيكرِّر الغرب أزمة 1986 للإطاحة بروسيا كما حدث مع الاتحاد السوفياتي والمفتاح الطاقة، وهل سنتأثَّر نحن كما حدث عام 1986، وأدّى بنا الوضع إلى تحوُّل اقتصادي وسياسي مضطرب رهن مسار البلاد والاقتصاد لعشر سنوات للمجهول وصندوق النقد الدولي، نتيجة نمو مطالب المجتمع الاجتماعية والاقتصادية لتتحول إلى ديموقراطية وسياسية وتنتهي إلى العنف والفوضى وعشرية الدم والدمار والجمود؟ وما هي الآليات الجوهرية التي يجب أن نطوِّرها لحماية الأمن القومي السياسي والاقتصادي والطاقي من مخاطر الزلازل الاقتصادية والصراعات الكبرى من خلال الطاقة والاقتصاد والحروب التكنو- سيبيرانية التي تريد تشكيل عالم جديد فيه لغة واحدة هي العولمة وفقا للمنظور الغربي، وهنا يتجلّى بعمق ضرورة وضع مخطط وطني كبير لتحويل استغلال الطاقة في الداخل من خلال بناء صناعة وقطاعات اقتصادية منتجة، لأننا أمام تحوُّلات عالمية كبرى وخطيرة.