إباءُ المستضعفين
إذا لم تك غزة معسكَرة حتى الثمالة فستغري بها العدو الصهيوني وحائط المبكى الأمريكي للسيطرة على القطاع بأكمله وتحويله إلى معتقل كبير تبرم على أسواره صفقات المال والاتجار بالبشر. قد يرجّى أملٌ ضعيف من الوسيطين التركي والقطري، ولكنهما أضعفُ من أن يقتحما الأسوار الشائكة. على كتائب “القسام” أن تنظر في تجربة كوريا الشمالية، فهنالك شبهٌ بينهما كبير، وللمؤمنين بالله مخارج لا تخطر على بال.
فلسطين الولّادة
كل هذه التنازلات من حركة المقاومة الإسلامية “حماس” توحي بأنها تفاوض الأعداء من موقع المهزوم في معركة “طوفان الأقصى”، وهي في الحقيقة ليست كذلك. إن المرأة الغزاوية وحدها تستطيع أن ترفس خطة السلام كلها بقدميها الشريفتين، إذا استعصمت بالله ورضيت بما بقي لها من متاع قليل ولكنه في منظور الجهاد كثير، وإذا قررت أن تكون منبتا للرجال حتى يتحقق الاستقلال.
يتحدث بعض المتحدثين عن أن الحرب لم تعد بالأنفاق والصواريخ، وأنها باتت أشد تعقيدا وأكثر تنوعا. ويقوِّمون الموقف الحالي لحركة المقاومة “حماس” بالضرورة والتكتيك لأن القطاع يعيش كارثة… ورأيي أن مخاطبة شعب خاض حربا أسطورية بهذا الأسلوب الذي يُفهم منه العزاء والمواساة لا يليق بعد كل هذه التضحيات. حربٌ لم تُؤتِ الصهاينة نصرا بل تضعضعا وشرخا في البنيان لا يمكن ترميمه. ثم إن الأنفاق والصواريخ ركائز مهمة لأيِّ حرب، ونحن نرى كيف أن الصهاينة لما دخلوا لبنان بدؤوا بتفجير أنفاق قلعة الشقيف، فلماذا فعلوا ذلك؟ ولن يجد من سيحترف الحرب الالكترونية والمسيَّرات سوى باطن الأرض ليقاوم، والكلام طويل في هذا القبيل.
إن مخاطبة شعب خاض حربا أسطورية بهذا الأسلوب الذي يُفهم منه العزاء والمواساة لا يليق بعد كل هذه التضحيات. حربٌ لم تُؤتِ الصهاينة نصرا بل تضعضعا وشرخا في البنيان لا يمكن ترميمه. ثم إن الأنفاق والصواريخ ركائز مهمة لأيِّ حرب، ونحن نرى كيف أن الصهاينة لما دخلوا لبنان بدؤوا بتفجير أنفاق قلعة الشقيف، فلماذا فعلوا ذلك؟ ولن يجد من سيحترف الحرب الالكترونية والمسيَّرات سوى باطن الأرض ليقاوم، والكلام طويل في هذا القبيل.
كما أن لغة القانون الدولي لغة مخصية ولا تنفع شعبا يسعى لاستقلال بلده وتحريره من الاحتلال، بعدما تحرّرت أغلب البلدان من نير الاستعمار مقدِّمة أثمانا باهظة من أجل ذلك. ولا أعلم حركة وطنية فاوضت المحتل عبر داعميه وهي خالية الوفاض من الخيار المسلح غير منظمة التحرير الفلسطينية، التي باتت تعيش بـ”دولتها” اليوم في غابة من الوحوش الكاسرة التي تتربَّص بأهلنا في كل شبر من أرضهم، فأين مخرجات اتفاقيات “أوسلو” 1993 إذن؟ ثم ما قصة دحلان مدلل الأنظمة العربية المطبِّعة، الذي يطل متنعما على شعبه في كل ضائقة؟ وأين فيلق مروان البرغوثي المحارب الصنديد؟ على حركة حماس ألا تسمح لغازي العراق “أنطوني بلير” والخفير المأمور “غاريد كوشنر” أن يليِّنا جلدها الخشن.
إن “مجلس السلام” مثل النعجة “دوللي”، أجله يسير لأنه غير شرعي ولم يولد من اتفاق عادل، وسيظهر عليه الهزال والضعف ويدركه الفناء بعد فترة قصيرة ستتبدل فيها الأحوال، ودوام الحال من المحال. “… إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ”.
من يعوِّل على الألمان لإدانة هؤلاء الإرهابيين كمن يعوِّل على صيصان تفقصت حديثا لتكون ديوكا. ولا ينبغي على الفلسطينيين أن يبقوا مكتوفي الأيدي ليفعل هذا المجرم بن غفير فعلته فيهم التي توعَّدهم بها. إن الصهاينة “غلاظ الرقبة” كما وصفتهم توراتُهم المحرَّفة، ولا يليق بهم إلا حكمُ الله الذي أشار به سعد بن معاذ رضي الله عنه. ثم أليست فلسطين ولّادة؟ لقد ضرب فاروق رمضان التلي رحمه الله أروع مثال في المقاومة، ولو كان هذا الرجل في قوم آخرين لخلَّدوا ذكره ولاتخذوه رمزا من رموزهم الوطنية.
اجتماعات الدول والتنظيمات لدعم المقاومة ضد تغوُّل الكيان الصهيوني وداعميه قليلة الفاعلية، خاصة وأن استخدام النووي التكتيكي ضد إيران فرضية مستبعدة لسببين، أحدهما يتعلق بجدواه، لأنَّ قدرته التدميرية تخريبية أكثر منها فتكية بقوة الخصم الحقيقية، وقد استخدمت الولايات المتحدة أقوى قنابلها لدك التحصينات في الجبال الشاهقة بلا فائدة؛ والسبب الثاني يرتبط بتداعيات استخدام النووي، والتي لن تقتصر على تحفيز إيران على الإعلان عن دخول النادي النووي بتفجير يقلِّب الحسابات، بل بتشجيع الانتشار النووي بين دول العالم التي كانت لا تأبه بهذا السلاح.
كانت أمتنا التي لا تزال بخير وعافية، حينما تَدْلَـهِمُّ عليها الخطوبُ تلجأ إلى الله مستنصِرة إياه بشتى القرب، وتشرع في الإثخان في العدو بضرب الرقاب، وهما متاحان في جنوب لبنان وفي إيران واليمن، بل إن “حزب الله” طفق في نصب الكمائن التي يتقن فنونها جيدا بعدما أصبح جنود العدو على أرضه وفي مرمى بصره.
مخالبُ المستضعفين
ولا ننس أن هذه الحرب ليست الوحيدة في العالم، هنالك صدعٌ حربي يبدأ من روسيا وأوكرانيا ويمر عبر فلسطين ولا ينتهي عند باب المندب. وكلها فوّهات بركانية نشطة وتتفجّر من حين لآخر. وإذا كان تمدُّدُ الحرب في دول الخليج وبلاد الرافدين متوقعا فما أخفّها من كلفة على دول المنطقة إذا كانت هذه هي نتيجة عدم انتصار الولايات المتحدة الأمريكية، التي لن تربح الحرب قطّ وستنسحب من المنطقة إذا طالت المدة وزادت تكاليفها وعجز المموِّلون عن السداد، وذلك بعجزهم عن بيع منتجاتهم النفطية والغازية، وهي الحال المتوقعة في ظل انسداد الأفق في قضية مضيق هرمز. ولكن الفاتورة التي لا تطاق حقا، هي أن تنسحب القواتُ الغازية وتتقهقر، وتبدأ رؤوس من أنظمة الخليج تتساقط، ولن تنجدها التحالفات التي بنتها للدفاع المشترك ساعتذاك، وعلى ذلك الحسبان، وعليه أيضا النقاش الحقيقي حول الخطة البديلة والفاعلة للأمة، والتي لم توضع أعلى جدول الأعمال بعد.
إثيوبيا تبني السدود ومصر تُكثر الصراخ، ولقد بنت الحبشة أكبر سدٍّ وشرعت في بناء سدود أخر ولا تملك مصر غير الصراخ ومزيد من الصراخ. ولنتأمّل منطق الوعيد المصري عندما يعوِّل على القانون الدولي والمحافل العالمية وعلى الجالية المصرية، ويؤخر الحلول “المؤلمة” ويخفيها ولا يبالي بأنه يخفيها. مصر تتباهى بأن لديها أقوى جيش في إفريقيا، ولكنها عاجزة عن حماية نسغ الحياة الأول لبلدها النيل، وهي تراه يتضاءل أمامها وتتناقص حصَّتُها منه بفعل فاعل من البشر لا بفعل القدر.
قصفُ الكيان الصهيوني للمطارات العسكرية السورية رسالةٌ لا تحتمل التأويل ألَّا مكان للقوة في سورية الجديدة، وأن كل شيء يجب أن يبقى عاريا من الأشواك كي تطوله أيديهم الآثمة متى تشاء. إن القطة حينما تكون صغيرة ضعيفة، فإن ربَّها قد زوَّدها بمخالب حادة لتدافع عن نفسها، هذه هي قوانين الطبيعة. والذي يبدأ ببناء المطارات والموانئ ويجلب الاستثمارات ولا شوكة له، كمن يقدِّم سلاحه لقاء لقمة خبز. للسوريين فرصة تاريخية للنيل من الصهاينة وهم يحتلون حوران، والمقاومة أشكال وأنواع، فليتخيَّر الأباة ما يليق بهم. ولو أن الحكم في سورية كان واعيا بما يكفي لقاتل الغزاة بصغار النمل، كما قال الفاروق رضي الله عنه للمشركين: “فوالله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به “.