الرأي

إبن‭ ‬الفلاح‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬الكولون

عمر أزراج
  • 2319
  • 2

في عام 1957 أرسلني والدي الفلاح لأدرس في المدرسة الفرنسية بقريتي أكنتور بعد أن هدده العساكر الفرنسيون المقيمون بالثكنة، التي بنوها في وسطها، مرارا بأنه إن لم يفعل سوف ينال العقاب ما بعده عقاب أشد منه. كانت هذه الطقوس الكولونيالية مفروضة على أغلب العائلات وأطفال المنطقة أيضا، وكان هذا الوضع سببا من أسباب كراهيتنا لتلك المدرسة ومعلميها الفرنسيين. كان نفورنا من المدرسة الفرنسية مزعجا جدا للسلطات الاستعمارية، ولكي يقضوا على تلك الظاهرة راحوا يقومون باستدعاء أولياء التلاميذ للتحقيق في الأمر، وفي حالة عدم رضاهم عن نتائج التحقيق كانوا يبقون الأولياء في الثكنة ليوم أو ثلاثة أيام مع تكليفهم بأعمال الطبخ والكنس، وحفر الطرقات، وترميم سقف الثكنة ومجاري المياه وغيرها من الأعمال التي كانوا يختلقونها اختلاقا. في تلك الأثناء كان “المجاهدون”ينزلون ليلا من الجبل إلى القرية من حين لآخر ليتزودوا بالأكل والنقود والذخيرة العسكرية، وذلك تحت حراسة مشددة وسرية تامة، وقد قيل لنا بأنهم كانوا يشجعون الأهالي على إرسال أبنائهم إلى المدرسة الفرنسية للتزود بالعلم والمعرفة. رغم تشجيع المجاهدين ونصائحهم تلك، لكننا واصلنا موقفنا المتمرد، وقد بقيت مجموعة قليلة جدا من التلاميذ تتردد على تلك المدرسة. تميزت البرامج التعليمية المطبقة في تلك المدرسة الفرنسية بالتركيز على العناصر اللغوية والجغرافية والتاريخية الفرنسية وكان الهدف المركزي لتلك النصوص المفروضة علينا يتمثل في “إلغاء”الجزائر ككيان جغرافي وتاريخي وحضاري من ذاكرة التلاميذ الصغار، ونسف الجذور والروابط التي تصل الجزائر بغيرها من البلدان في آسيا وإفريقيا. إن عمليات سلخ الذاكرة الجزائرية وفقا للمخطط الفرنسي نفذت في المؤسسات التربوية التي كانت تدار من طرف الحكم الفرنسي، وتمت عملية فرضها مرة بالترغيب ومرات بالترهيب. كانت الكتب المقررة آنذاك تخلو حتى من الأسماء الثقافية والتاريخية الجزائرية، إذ أن أسماء مثل “ماري وجون وروبير”قد ظلت هي السائدة والمسيطرة، أما أسماء سلاسل الجبال والوديان والقرى والمدن والأماكن التاريخية الجزائرية فإنها كانت تكتب محرفة حتى تبدو عند النطق بها وكأنها ذات أصول فرنسية بحتة. فضلا عن ذلك، فإن تلك الكتب كانت خالية من نصوص تتناول الآداب واللغة والشخصيات الجزائرية وكذا التاريخ العربي والإفريقي والأسيوي والأمريكي اللاتيني وهلم جرا… إضافة إلى ذلك، فإنهم لم يثبتوا في البرامج أي نص يعود إلى التراث الأمازيغي المحلي من نثر وشعر. لم تكن. لقد تزامنت فرنسة المناهج التربوية مع حملة إلغاء الجنسية الجزائرية للمواطنين وإسقاطها من أوراقهم الرسمية كبطاقات التعريف وجوازات السفر وبطاقات الإعاشة. ولكن عمليات إسقاط الجنسية الجزائرية عن المواطنين العزل لم تمر بسلام بل فقد رافقتها حكايات ونوادر وردود فعل كثيرة أخذت شكل مقاومات ثقافية وفنية شعبية، وهكذا كانت الأغاني الشعبية الوطنية التي كانت تغنى في الأعراس تنتقد هذه العملية. كما كان الفلاحون والفلاحات يسخرون منها. إذ سمعت أحد الفلاحين في نادي القرية يتساءل: “مادمنا في نظرهم فرنسيين فلماذا يرفعون الأسلحة في وجوهنا؟”، أما أمي فقد قالت أمام جمع من النساء: “اسألن هذه الزيتونة فإنها لو تكلمت فإنها ستقول لنا جميعا بأننا لم نكن ولن نكون فرنسيين”. هكذا حاول الفرنسيون محاصرتنا قي تلك القرية الجبلية النائية وحاولوا‭ ‬عبثا‭ ‬إقناعنا‭ ‬بأن‭ ‬الكون‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬بلدين‭ ‬فقط‭ ‬هما‭ ‬فرنسا‭ ‬الأم‭ ‬والجزائر‭ ‬الفرنسية‭.‬

 

مقالات ذات صلة