الجزائر
سحبت في آخر لحظة بداعي غياب التوافق بشأنها

إجهاض مبادرة فرنسية للاعتراف بجرائم الدولة في 17 أكتوبر 1961

محمد مسلم
  • 1479
  • 0
أرشيف

فشلت المجموعة البرلمانية التي تمثل نواب “حزب الخضر” في الجمعية الوطنية (الغرفة السفلى للبرلمان الفرنسي)، في الدفع بمشروع لائحة تطالب الدولة الفرنسية بالاعتراف بجرائم الدولة في مجزرة مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس، التي تورط فيها مجرم الحرب موريس بابون.
وأودع مشروع اللائحة شهر مارس المنصرم، وكانت تستهدف الحصول على اعتراف رسمي من قبل الدولة الفرنسية بمسؤوليتها في سقوط المئات من المتظاهرين الجزائريين، الذين قتلوا بالرصاص وغرقا في نهر السين بعدما كبلوا من قبل الشرطة الفرنسية، وتخصيص احتفاء رسمي ومنتظم مع تخصيص مكان لذاكرة الضحايا، وفتح الأرشيف أمام جميع المواطنين.
غير أنه وفي الخامس من الشهر الجاري، قرر نواب المجموعة البرلمانية لـ “الخضر”، التراجع عن تقديم اللائحة بعدما رأت بأنها غير مناسبة “في ضوء السياق الحالي”، وهي الأولى من نوعها التي تحاول فيها الغرفة السفلى للبرلمان الفرنسي إحياء هذه القضية، منذ أن صوت عليها مجلس الشيوخ (الغرفة العليا للبرلمان الفرنسي) في 23 أكتوبر 2012.
وقد وصف مؤرخون ومختصون فرنسيون ما حصل بـ “الخطأ الجسيم”، كما حملوا المسؤولية للقوى السياسية والأخلاقية والفكرية للمجتمع الفرنسي، على اعتبار أن هذا الفشل يشكل إهمال لجهد كان يتعين القيام به لمعالجة القضايا المتعلقة بالماضي الاستعماري لفرنسا وذاكرتها، وهو أمر ضروري ولا سيما في ظل صعود اليمين المتطرف.
وعبر أحد النواب المقربين من النائب صابرينة صبايحي (صاحبة مشروع اللائحة)، عن أسفه لإلغاء المشروع قائلا: “نحن نتحدث عن متظاهرين سلميين ذبحوا أو ألقوا في نهر السين.. كنت أتمنى أن نتعامل مع هذا بكرامة.. وهذا يثبت أن الطريق إلى الكرامة لا يزال طويلاً وأنه بعد 62 عامًا، لا يزال الضحايا مخفيين.. إنه عنف رمزي”.
فيما ينظر البعض الآخر إلى هذا الموضوع بحساسية ويرى بضرورة تفادي طرحه في الوقت الراهن، وهي حالة النائب صوفي تايي بوليان، التي تساءلت بشأن “مدى جدوى نقل نقاش يتعلق بالذاكرة إلى البرلمان في ظل الاحتقان الحاصل في البلاد (فرنسا)، كما دعت إلى “المضي قدما في بحث ملف الذاكرة والحرب في الجزائر”.
غير أن المدافعين عن قرار سحب المشروع يدفعون بحجية قوية، مفادها أنه من الصعوبة بمكان أن ينجح أصحابه في حشد الأصوات المؤيدة لتمريره في البرلمان، في ظل الحضور القوي لليمين واليمين المتطرف، وحتى نواب حزب ماكرون المعروف بتسمية “النهضة” لن يكونوا إلى جانب مؤيدي المشروع، استنادا إلى كلام النائب صبايحي، التي توقعت بأن يصوت نواب الرئيس إلى جانب حزب الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة (التي أصبحت تسمى التجمع الوطني)، بزعامة مارين لوبان، التي ترفض بشدة صدور أي لائحة تدين الدولة الفرنسية، ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بالجزائر.
ومما جاء في مشروع اللائحة: “في 17 أكتوبر 1961 ، تظاهر عدة آلاف من الجزائريين (كانوا فرنسيين في ذلك الوقت) سلميا في باريس ضد حظر التجول التمييزي الذي تعرضوا له.. والواقع أن “مسلمي الجزائر الفرنسيين” فقط ، كما كانوا يسمون في ذلك الوقت، كانوا خاضعين لها.. وفي عنف شديد أدى القمع ضدهم إلى اعتقال آلاف المتظاهرين وتسبب في مقتل مئات الأشخاص وإصابة الآلاف.. في غياب البيانات الرسمية، التي لا تزال سرية و أو مخفية بعد وقوعها، من المستحيل إجراء تقييم دقيق للانتهاكات المرتكبة”.
وتضيف اللائحة: “هذه الحلقة ليست حادثة منعزلة عن الحرب الجزائرية. فهي تعتبر قمة سياسة تمييزية واستعمارية، فرضها مسؤول شرطة باريس، موريس بابون. ومع ذلك، فإن سلسلة المسؤوليات أعلى بكثير من مسؤول الشرطة وحده، من الإدارة المركزية لوزارة الداخلية إلى رئيس الجمهورية (الفرنسية) نفسه”.
ويمضي محررو اللائحة بالتأكيد أن: “الأشهر والسنوات التالية لا تسمح بالاعتراف بالشهادات التي جمعها عدد كبير من الكتاب والصحفيين والمؤرخين الذين يرون أنفسهم يفرضون الرقابة.. لم يتم التعبير عن الواقع بحرية إلا في أوائل التسعينيات، بعد 30 عامًا من الأحداث.. وبالتالي، فإن الاعتراف بمسؤولية بلدنا تم إطلاقه في أكتوبر 2012 من قبل الرئيس فرانسوا هولاند الذي أعلن أن “الجمهورية تعترف بوضوح بهذه الحقائق. بعد 51 عاما من هذه المأساة، أحيي ذكرى الضحايا.. واستُكملت هذه التصريحات ببيان صحفي صادر عن الرئيس ماكرون في أكتوبر 2021، أقر فيه بأن: “الجرائم المرتكبة (في 17 أكتوبر 1961) تحت سلطة موريس بابون لا تغتفر للجمهورية”.

مقالات ذات صلة