-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إدارة الأزمة بتدوير الأزمات

حبيب راشدين
  • 2339
  • 8
إدارة الأزمة بتدوير الأزمات

ما كنت لأتعرض لملف الغاز الصخري، وما حام حوله من صخب ورهانات كاذبة، لو لم يجسد سياسة “الإدارة بالتعفن” التي يتقنها النظام، يتوارثها أكابره، كابرا عن كابر منذ ستة عقود.

لقد كان بوسع رأس الدولة أن يتدخّل في وقت مبكر بموقف حاسم، إما لصالح حق الدولة في تنمية موارد البلاد، أو لصالح مواطني المنطقة بإعلان ما أعلنه الرئيس مؤخرا، وحمل كثيرا من التطمينات لسكان جنوب البلاد، وخفف من حدة الاحتجاجات، وأوقف مسار ركوب المعارضة للاحتجاجات الشعبية.

نفس السلوك تابعناه في أزمات غرداية وورڤلة المستدامة، والتي كان بوسع النظام أن يطوقها في المهد، بالالتفات إلى ظاهرة التهميش التي كان ضحيتها سكان ولايات الجنوب، وحرمانهم من الاستفادة مثل بقية ولايات البلاد من عوائد ثروات المحروقات.

غير أن إشعال بؤر توتر مؤمّنة من خطر التوسع، في مناطق معزولة مثل غرداية وورڤلة وعين صالح، كان إلى حد ما مرغوبا فيه، إن لم تكن قد حرّكته خلف الستار أنامل ماهرة، وقد صرف الأنظار عن مواطن التوتر والاحتجاجات الاجتماعية التي كانت غيومها بدأت تتشكل في شمال البلاد، فضلا عن حراك المعارضة، وتنامي الأصوات المطالبة بالتغيير، أظهر حاجة النظام إلى إدارة بؤر توتر في مناطق يمكن التحكم فيها، وإدارتها بيُسر.

السلوك ليس جديدا، بل هو الأصل في إدارة النظام لأزماته الداخلية، بترحيلها إلى الشارع لكن بوتيرة منخفضة متحكم فيها، وهو ما حصل في البؤر الثلاث، وفي الملف الثالث كان واضحا للعيان، أن الدولة تعمّدت ترك الاحتجاجات حول الغاز الصخري تبلغ الذروة قبل التدخل بما جاء في قرار الرئيس الأخير، والذي لم يحمل جديدا يُذكر، لأن قرار تجميد مسار استغلال الغاز الصخري كان قد اتخذ منذ شهور، وبالذات في اللحظة التي بدأت أسعار المحروقات تتهاوى، وبدأت الحكومة تأكل من المخزون الاحتياطي.

ما كان يجهله قادة الاحتجاجات، أنه لا سوناطراك ولا الحكومة كانتا على استعداد للمضيّ في برنامج استغلال الغاز الصخري في الظروف النفطية المستجدة، التي تفرض على سوناطراك مراجعة برنامجها الاستثماري المكلف والطموح، وبالضرورة تأجيله إلى ما بعد انحسار أزمة أسعار المحروقات التي لا يعلم أحدٌ متى ستتوقف، كما لم يكن بوسع الحكومة ـ وهي مقبلة على أيام صعبة ـ أن تسمح بصرف أموال طائلة في تهيئة تلك المناطق بما يحتاجه المشروع من إنشاءات قاعدية مكلفة.

والحال، لم يكن القرار الذي أعلنه الرئيس استجابة صرفة لمطالب سكان المنطقة، بقدر ما هو قرار فرضه شحّ الموارد المالية، على خلفية انهيار أسعار المحروقات، والخوف من استدامتها، وربما من تفاقمها في الشهور والسنوات القادمة، وإلا ما كانت هذه الاحتجاجات لتوقف سياسة الحكومة في ملف هو من صلب “الصلاحيات الملكية” للدولة المالكة لباطن الأرض، والتي لن توقفها احتجاجات، كيفما كان حجمها، حين يتعلق الأمر بتنمية مواردها المالية.

الإجراء الوحيد الذي يُثمن كمردود ملموس لاحتجاجات المواطنين المتكررة في ولايات الجنوب، يترجمه إعلان إنشاء ولايات منتدبة في شمال ووسط الصحراء، قد تحمل معها بعض الاستجابة لمطالب مشروعة يرفعها سكان هذه المنطق منذ عقود، وسط لا مبالاة من الحكومة كما من مواطنيهم من سكان الشمال.  

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • عبد الرحمان

    مبالغ فيه! من أين لك هذا الحكم؟ إبحث في الأمر أولا و اقرأ ما أصدر من قبل في هذا الشأن. إن كنت تحسن الانكليزية اختصرت المسافات. تفادى حفظك الله الارتجال في الحكم.

  • عبد الرحمان

    عجيب كيف يكذب القادة و تتبعهم في ذلك تلك الكلاب المسعورة المتحزبة المفرّقة للأمة. لو أسند الأمر إلى أهله لرأينا من رجال الصحافة من يحقق في أمر الغاز الصخري و يطير إلى أمريكا و كندا و فرنسا و يلتقي من سبقوه ممن يقاوم هذه الحماقات التي عثت في الأرض فساد. لماذا لم يترجم تحقيق مايكل مور Gazland لماذا لا نعرف بلمقاومين لعصابات المال و الطاقة من أمثال Josh Fox . لكننا نحبذ أن نجتر الغباوة و نتفوه بالحماقات لإرضاء السفهاء ذلة و طمعا في الحضوة. كل خطاب علمي محقق منبوذ.. كل تنوير منبوذ ..لنا الله

  • الحاج.د

    يشيرالمقال إلى فعلة شيطانية تكون وراءها"أيادي ماهرة"قامت بإشعال بؤرة الجنوب لصرف الأنظار عن احتجاجات متوقعة في الشمال ،و وإلهاء الجميع ببؤرة الجنوب.نريد أن نطرح سؤالا بريئا:إذا تماثلت الفكرة بالخبر اليقين ،فأين يمكن تصنيف هذه الأيدي الجزائرية هل في فسطاط العمالة والنذالة والخبث والمكر وارباك الأمن العام ورهن الوطن لليد الخارجية العابثة بأمنه واستقراره لماأوقدته من نار الفتنة في الجنوب ،أم أياد وطنية بعيدة في الإخلاص لوطنهامشبعة بـ"فقه الأولويات"إضطرت مرغمة إلى اشعال قبس من نار لتفادي نار السموم؟

  • اسمهان جغبابو

    ااشكركم ايها الباحث والصحفي المحنك على هذا التحليل واعتقد ان اهل الحل والربط في هذا البلد لا يقرؤون واذا قرؤوا لا يركزون واذا ركزوا تحاصرهم هواجس الجنون والهذيان. كنت وانا صغيرة اقرا صحيفتكم الخميسية(الصح افة) ولا اتعمق في قراءة ما بين السطور، اما اليوم فقد اصبحت اعي ان ما كنتم طرحتموه في تلك الحقبة قبل ربع قرن من الزمن قد حدث وساضيف لطلبتي بقسم علم الاجتماع مصطلح(الادارة بالتعفن) واعتقد انها شبيهة بمصطلح الادارة بالاهداف او الادارة بالكفاءات او الادارة بالمعارف، فبارك الله فيك ولك وشكرا جزيل

  • بلقاسم

    الجزائر تتبرأ من تبني جمعبات الأشرار هذه (وجوه التقشف والشر سيماهم على وجههم ) ولا حق لهم في وراثة ما على سطحها ولا ما في بطنها

  • عبدالرحمن

    ‘لى الأخ عقبة،
    هناك نقطتان يجب التنبيه لهما:
    أولا: يجب الا نخلط بين احتجاج سكان الجنوب ضد استغلال الصخري و مخاطرة و احتجاجهم ضد التهميش، لأن هذا الخلط سيقود إلى اقتراح حلول مغلوطة من الأساس.
    ثانيا: لسنا أكثر دراية من أمريكا و كندا، لذا اقترح عليك قراءة التقرير الأخير عن الغاز الصخري في مقاطعة الكيبيك في كندا و تأكيد خبرائهم على رفضه لأن التكنولوجيا الحالية لا تضمن عدم تلوث المياه الجوفية... و غيرها من المخاطر.

  • صالح

    منطق معكوس.
    هل تعني أن الدولة في خدمة السلطة؟ أليست السيادة ملك للشعب؟عندما تختلط المفاهيم لدي النخبة وتصبح عاجزة عن بلورة الافكار وإخراجها لإقناع الناس بها حق للسلطة التفنن في تدوير الازمة ونقلها من جهة لاخري حسب ما تقتضيه مصلحتها،إن الاخفاقات التي واكبت السلطة منذ نشأتها يعود في قيقة الامر إلى إخفاق النخبة التي مافتئت تبرر إفعال السلطة ومسايرتها بدل أن ترشدها إلى الصواب وتقنعها بذلك.

  • عقبة

    منطقيا بدون تحيز ما يثار حول الغاز الصخري مبالغ فيه جدا و لا يشكل هذا الكم الهائل من الاخطار اذا كنا نهتم بالبيئة و جد حساسين من التلوث فالاولى بنا تنظيف مدننا لان التلوث الحاصل بها لا يمكن مقارنته باحتمالات تلوث البيئة جراء الغاز الصخري.لسنا اكثر الماما بالبيئة من كندا و امريكا.
    المشكل الحقيقي هو التهميش الكبير الذي يعيشه سكان الجنوب و كانهم تابعون لدولة اخرى هذا التهميش ينشئ ردود فعل و اعراض ظاهرية اخرى مزيفة لا معنى لها مثل مشكل غرداية و احتجاجات الغاز الصخري الارهاب الطائفية العنصرية...