إدارة الشعوب بـ”شغب” الحكومات
الفتنة التي أثارها اعتداء وزارة العمل على صلاحيات لجنة الأهلَّة في وزارة الشؤون الدينية، قد لا يكون محض خطأ ارتكبته وزارة العمل، أو سوء تقدير أو تنسيق بين الوزراء، كما بدأنا نشك منذ حين في عفوية “الأخطاء” الموسمية التي تصدر عن وزارة التربية باعتداءاتها المتكررة على مشاعر المواطنين كان آخرها حادث “البسملة”.
من المعلوم أن وزارة العمل لم تكن معنية أصلا بإصدار أيِّ إعلان بشأن محرَّم، وهو مدرجٌ رسميا ضمن قائمة الأعياد الوطنية والدينية التي تلزم المؤسسات العمومية والخاصة، وإلا كانت الوزارة ألزمت نفسها في ما بقي من الأعياد المعنية بالعطل مدفوعة الأجر منها خمسة أعياد دينية: محرَّم وعاشوراء والعيدان والمولد النبوي الشريف.
بعيدا عن هذا الجدل المتوارَث والمفتعَل في الجزائر وفي بقية الدول الإسلامية، يبقى أن تطاول وزارة العمل على اختصاص منحه القانون لغيرها قد أحال لجنة الأهلَّة إلى البطالة الاضطرارية على الأقل في ما بقي من أدوار لها حتى نهاية السنة، ومنها تحديد يوم عاشوراء وبقية الأعياد الدينية في السنة القمرية الجديدة 1439 هـ.
مثل هذه التداعيات تمنع أن يكون ما صدر عن الوزارة محض خطأ، ولا أرى كيف يجازف وزير العمل بقرار لم يكن قد بحث على الأقل على مستوى مجلس حكومي مصغر بحضور وزير الشؤون الدينية الذي يفقد بعدئذ حق الاحتجاج، ويترتب عن هذا التخبُّط حتما وجودُ جهة تعمل خلف الستار، هي من تحرك “عرائس الظل” بقرارات مُنتِجة حتما للفتن قبل أن يحمل الوزراء وزرها كما حدث مع وزيرة التربية صاحبة الرقم القياسي.
ظاهريا، ليس من مصلحة حكومة أويحيى ـ ولا من سبقها من الحكومات ـ استفزاز الرأي العام المسلم بقرارات تعلم مسبقا أنها لن تمر بسلام، حتى مع غياب رأي عام مهيكل ومشهد سياسي وجمعوي متحفز للدفاع عن مقومات الهوية الوطنية والدينية، في وقتٍ يُفترض أن الحكومة بحاجة إلى المسح على جلد المواطن في اتجاه الشعر، وهي تتأهب لتمرير إجراءات تقشفية موجعة، تحتاج حتما إلى استدامة حالة مقبولة من السلم الاجتماعي.
وحيث أنه بمجرد استبعاد المستحيل ـ وفق بديهية شيرلوك هولمزـ فإن ما تبقى ـ ومهما كان غير محتمل ـ هو الحقيقة، والحقيقة أن الحكومة وكل حكومات العالم اليوم بحاجة إلى إشغال الرأي العام بإثارة المواضيع الخلافية التي لها صلة بالهوية والدين، بل وبصناعة أحداث لها تحت رايات كاذبة عند الضرورة، يراد لها أن تبعد المواطنين عن تخصيص ما بقي من حكمةٍ ومعرفة وجهد لرصد سياسات الحكام وبحث وتدبُّر تبعاتها.
وكما أن حملات “الإسلاموفوبيا” في الغرب قد صارت اليوم صناعة تُرصد لها أموالٌ طائلة، وجيشٌ من الكتبة والإعلاميين وخبراء “الأجيت بروب” إنما تشغل اليوم القسط الأكبر من الفضاء الإعلامي، فإن حكوماتنا تريد إشغالنا بملفات تعلم جيدا مقدار حساسيتها في المخيلة الجمعية، وإلا ما هي حاجة دولة مثل تونس، لم تخرج بعد من وحل تخاريف “الربيع” إلى طرح مشاريع تشريعية تعتدي على أحكام الشريعة في الميراث وفي زواج المسلمة التونسية من غير المسلم، لم يقترب منها حتى المستعمِر؟! أو حاجة حاكم مصر إلى تجنيد فضائياته للهجوم على “الصحيحين” وعلى مؤسسة الأزهر؟!