إذا انهارت الدولة تبعثر الوطن
ما حصل بعد سقوط الدولة الليبية من إعلان عن فيدرالية برقة واحتمالات لتحركات مشابهة لدى الطوارق وأقاليم أخرى في ليبيا، وما حصل قبلها بالإعلان عن إقليم كردستان وصلاح الدين في العراق بعد سقوط الدولة العراقية، وما حصل بعد سقوط أو إسقاط الدولة اليوغسلافية من إعلان عن ميلاد كيانات جديدة وغيرها من الدول في العقود الأخيرة، إنما يعطي إشارة مهمة لإعادة فهم دور الدولة في حياة الناس، وأين يجب التوقف عن المماحكة بالدولة؟؟
كان ميلاد الدولة المعاصرة إجابة على تحديات كثيرة تعرض لها الناس فيما له علاقة بالمعيشة والقانون والأمن الاجتماعي، ولكنها سقطت في امتحانات عديدة على صعيد إفساح المجال للحريات السياسية للأفراد وتوفير الفرص بالسوية بين الناس وتحرير المال من سلطانه السياسي والاجتماعي والتوزيع العادل للثروة ..وكان على الدولة المعاصرة إجراء تعديلات مستمرة لمواكبة التطور الإنساني وسد الثغرات التي تنشأ عن تسيبات إدارية أو قصور للقوانين في مواجهة مستجدات حياتية..وهنا تأتي أهمية التعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة حسب قناعة الناس واختيارهم.
إن الدولة بشكلها المعاصر كمؤسسات جامعة على الأصعدة جميعها تتمتع في جوهر فكرتها بالارتقاء بالإنسان بنقله من انتماءات قبلية متنافرة، أو انحيازات مذهبية، أو تفرقات ثقافية، إلى انتماءات إنسانية أرقى يتم تنميتها في المؤسسات والهياكل الاجتماعية المنبثقة عنها، ففي الدولة هناك الإمكانية الكبيرة لتولد المواطنة التي تؤمن بالمشترك الاجتماعي والثقافي والسياسي، وعلى أساسها يكون ميلاد المجتمع الذي يحمل رسالة، ويحتكم لقيم وقوانين مشتركة، وتكون الحركة فيه متكاملة مضبوطة بمعايير موحدة نحو هدف جماعي واحد..أي أنه لا يمكن أن يكون للتجمع البشري وظيفة، وهدف، وإمكانية سير نحو الهدف إلا عندما يكون هذا التجمع منظم في إطار دولة..وبمقدار ما تكون هذه الدولة ملبية لتطور المجتمع وملبية لاحتياجاته الجوهرية بدون خلل أو ارتباك تكون شرعية الدولة وتكون قدرتها على المواصلة.
من هنا يصبح الحفاظ على الدولة إنما هو في حقيقة الأمر حفاظ على المصالح العليا للناس، على أمنهم وأرزاقهم وأعراضهم وأنفسهم ..وتصبح المزاوجة بين الإصلاح والتغيير في عناصر الدولة التي يكون أصابها البلى أو العفن أو التخلف من جهة والحفاظ على الدولة من جهة أخرى عملية في غاية الدقة والحساسية..
من الواضح أنه كلما ضعفت قوة الدولة ووهنت قدرتها على التحكم بمقادير البلاد، كانت تلك الفرصة السانحة لميلاد التفسخات العديدة في البلد..وكلما كانت الدولة متماسكة حيوية ونشطة وقوية كان الوطن بعيدا عن احتمالات التفسخ..وهنا لابد من إضافة جملة ضرورية لكي يكتمل المشهد أنه كلما كانت الدولة قوية ومتماسكة كشرط أساسي يتبعه شرط أساسي آخر، وهو تلاحم الدولة مع الشعب وتكريسها خلق المساواة والحق والحزم يكون البلد كله بأهله غير قابلين للاختراق.
من هنا بالضبط تأتي الرسائل للجميع أن الكل يتحمل المسؤولية ..فلا شيء يعصم الدولة من الانهيار إلا تمسك شعبها بها .. ومن هنا كان لزاما التصدي للمخطط الغربي الهادف إلى إسقاط دولنا، والتي لا يخلو كثير منها من مفاسد ومظالم وقهر لأن البديل الذي تقدمه الإدارات الغربية لنا هو التجزئة الفسيفسائية وحرماننا من أن نكون في مستوى التطور الإنساني الذي تعارف على الدولة ودفعنا إلى أسفل السلم الحضاري ..فهل ننتبه؟؟