إرادة وسلاح لحماية الأمن الرقمي الجزائري
في العصر الرقمي الحديث، أصبحت السيادة الوطنية أكثر تعقيدا وتشابكا مع التكنولوجيا والفضاء السيبراني، فالعالم اليوم يعيش في ظل ثورة رقمية كبرى تتسارع بشكل غير مسبوق، ومعها تأتي تهديدات غير تقليدية، تفرض نفسها على جدول أولويات الأمن القومي للدول، والجزائر، كغيرها من الدول ذات السيادة، تواجه تحديات كبرى للاستفادة من إيجابيات التكنولوجيا والحفاظ على أمنها السيبراني وضمان عدم تعرّضها للهجمات الرقمية التي باتت أكثر دقة وتدميرا وتعطيلا للمصالح.
وإذا نظرنا إلى التفجيرات السيبرانية الأخيرة التي ضربت أجهزة “البايجر” و”التالكي والكي” في لبنان ندرك حجم الخطر المحدق بالجزائر وبغيرها من الدول، إذ لم يعد الأمن السيبراني اليوم ترفا بل ضرورة ملحّة تُفرَض على الدول لبناء سيادتها الرقمية وحماية مصالحها الحيوية من التهديدات السيبرانية المتزايدة، وكما قال إدوارد سنودن، إنّ “الحرب السيبرانية ليست احتمالا مستقبليا، بل هي واقعٌ حاضر، والدول التي لا تستثمر في بناء قدراتها السيبرانية ستواجه تحدياتٍ هائلة في الحفاظ على سيادتها وحماية بنيتها التحتية”.
إن الهجمات السيبرانية ليست مجرد اختراقات عابرة للأنظمة الإلكترونية، بل هي أدواتٌ لزعزعة الاستقرار وتقويض السيادة الوطنية، واختراق السيادة الرقمية بل إنها هجماتٌ تدار من خلف الكواليس، وتنفِّذها دول، أو جهات غير حكومية مدعومة، تسعى لفرض أجنداتها الأمنية والعسكرية، السياسية والاقتصادية، المعلوماتية والاستخباراتية عبر التخريب الرقمي، وفي هذا السياق، يتضح أن الجزائر بحاجة لبلورة منهج جديد وبناء قدرات سيبرانية شاملة لتحصين فضائها الرقمي وحماية مصالحها الوطنية.
والواقع يقول إن السيادة الرقمية لم تعد خيارا بل ضرورة ملحّة في جزائر الرقمنة وتطوير خدمات الفينتاك “المالية الرقمية FINTECH”، إذ تعتمد الدول الحديثة بشكل متزايد على الفضاء الرقمي لإدارة البنى التحتية الحيوية، وإن أي اختراق لهذه الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى شلل كامل في الدولة، كما حدث في عدة دول تعرّضت للهجمات السيبرانية على مر السنوات الماضية، ومنها إستونيا في عام 2007، إذ شلّت البنية التحتية الرقمية للدولة بأكملها، وكانت دليلا جليًّا على أن أي دولة غير محصنة سيبرانيا وقد تكون عرضة للخطر في أي لحظة، وأن القراصنة ومصدِّري البرمجيات الخبيثة بالمرصاد لأنظمة من دون حماية أو حماية ضعيفة، وهو ما دفع هذه الدولة إلى إقامة سفارة رقمية في لكسمبورغ لحماية بياناتها في حالة القرصنة، والغزو، وحدوث انقلاب، خاصة وأن 98 بالمائة من عملياتها الإدارية تجري رقميا وهي لا تملك سجلات مكتوبة.
إن بناء السيادة الرقمية الجزائرية وتعزيزها يستلزم توظيف الموارد التكنولوجية المتاحة وتطوير بنية تحتية رقمية آمنة ومستدامة، ولا يمكن للدول الحديثة الاعتماد فقط على استيراد الحلول السيبرانية الجاهزة، بل يجب أن تركّز على تعزيز قُدراتها المحلية، كما أشار الخبير في الأمن السيبراني بروس شناير في كتابه “اضغط هنا لقتل الجميع: الأمن والبقاء في عالم متصل بشكل مفرط – Click Here to Kill Everybody: Security and Survival in a Hyper-connected World” أشار إلى أن الدول التي لا تمتلك المعرفة السيبرانية الداخلية هي الأكثر عرضة للهجمات، وسيادتها معرضة للانتهاك”، لهذا، أصبح من الضروري تبني رؤية شاملة للأمن السيبراني تشمل إنشاء وكالة متخصصة، وتعزيز التعليم السيبراني، وتطوير تشريعات لتنظيم الأمن السيبراني وتحقيق السيادة الرقمية لحماية الفضاء الرقمي الجزائري.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن الأمن السيبراني في الجزائر من دون الإشارة إلى الحاجة الملحّة إلى تطوير البنية التحتية الرقمية وحمايتها، إذ يبدأ تأمين هذه البنية بتطوير إستراتيجية وطنية شاملة تتضمّن تشريعات واضحة، وبناء قُدرات وطنية فاعلة وفعالة ومُحدثة في مجال الأمن السيبراني، فضلا عن التعاون الدولي المُثمر، فهناك العديد من التجارب الدولية التي يمكن أن تستفيد منها الجزائر في هذا السياق، وعلى سبيل المثال، تعتبر التجربة الصينية في بناء “جدار الحماية العظيم” أو “الجدار الناري العظيم -Great Firewall of China” نظامَ رقابة وإنترنت متقدِّم تستخدمه الحكومة الصينية للتحكُّم في الوصول إلى الإنترنت داخل البلاد، ويهدف هذا الجدار إلى منع الوصول إلى مواقع إلكترونية أجنبية محددة، وتصفية المحتوى غير المرغوب فيه من منظور السلطات الصينية، بالإضافة إلى مراقبة النشاط على الانترنت، إذ يقوم بحجب مواقع الإنترنت و العديد من المواقع العالمية مثل غوغل، وفيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وتطبيقات أخرى يُعتبر أنها تحتوي على محتوى يتعارض مع سياسات الحكومة الصينية.
من الضروري أن تدرك الجزائر أن الأمن السيبراني ليس مجرد مسألة تقنية بحتة، بل هو جزءٌ من أمنها القومي الشامل، فالهجمات الرقمية تستهدف، ليس فقط الأنظمة الإلكترونية، بل تمتد إلى التأثير على الرأي العامّ وإحداث الفوضى السياسية والاقتصادية من خلال وسائط التواصل الاجتماعي المنفلتة، وتؤدّي بعض الدول دورًا كبيرا في استخدام الهجمات الإعلامية والسيبرانية كأداة للتأثير الجيوسياسي من خلال تهييج “سيكولوجية الجماهير”.
فضلاً عن مراقبة النشاط على الإنترنت وتصفية المحتوى إذ يقوم الجدار بمنع ظهور المحتويات التي تُعتبر حساسة أو غير ملائمة، بالإضافة إلى تحكم صارم في الاتصالات الخارجية عبر استخدام تقنيات متقدمة مثل التصفية العميقة لحُزم البيانات (DPI) لمنع الوصول إلى أدوات تجاوز الرقابة مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، لحماية فضائها السيبراني وضمان سيادة الصين الرقمية.
لقد قامت روسيا كذلك بتنفيذ نظام يُعرف بـ”الجدار الناري الروسي” أو “الإنترنت السيادي”، للتحكم في الوصول إلى الإنترنت وتنظيم المحتوى داخل البلاد، كما يفرض هذا النظام رقابة على المواقع التي تعدّ غير مناسبة أو تمثل تهديدا للأمن القومي، ويشمل مراقبة البيانات المتداولة عبر الإنترنت، مما يمكّن السلطات من حجب المحتوى غير المرغوب فيه، كما سنّت قوانين تسهِّل الرقابة، مثل قانون البيانات الشخصية الذي يُلزم بتخزين بيانات المستخدمين داخل البلاد، ويسعى النظام أيضا إلى جعل الإنترنت الروسي أقلَّ اعتمادا على البنية التحتية العالمية، مما يمنح الدولة تحكما أكبر في تدفق المعلومات.
علاوة عن ذلك، من الضروري أن تدرك الجزائر أن الأمن السيبراني ليس مجرد مسألة تقنية بحتة، بل هو جزءٌ من أمنها القومي الشامل، فالهجمات الرقمية تستهدف، ليس فقط الأنظمة الإلكترونية، بل تمتد إلى التأثير على الرأي العامّ وإحداث الفوضى السياسية والاقتصادية من خلال وسائط التواصل الاجتماعي المنفلتة، وتؤدّي بعض الدول دورًا كبيرا في استخدام الهجمات الإعلامية والسيبرانية كأداة للتأثير الجيوسياسي من خلال تهييج “سيكولوجية الجماهير”، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي السيادي لدى الجزائريين بأن هذه العمليات والهجمات ليست مجرد مخططات أو اختراقات عابرة، بل هي مؤامرات وهجمات تستهدف كيان الدولة ذاته.
هذا ما تقوم به إستونيا لحماية نفسها مما تسمِّيه “العدوان الرقمي”؛ إذ تستخدم الدولة الصغيرة الواقعة على بحر البلطيق تعليم “محو الأمِّية الإعلامية” لمساعدة مواطنيها على اكتشاف المعلومات المضلِّلة والحذر منها. ومنذ عام 2010، تقدِّم المدارس العامة الإستونية -من روضة الأطفال حتى المدرسة الثانوية- لتلاميذها دروسا في محو الأمية الإعلامية، ويشارك الطلاب في الصف العاشر أيضًا في دورة إلزامية مدتها 35 ساعة حول “الإعلام وتأثيره”.
وينبغي أن يُرسي التعليم السيبراني قاعدة صلبة لتأهيل الجزائريين تقنيًّا، وقد تأسّست بفضل هذا التوجُّه الرشيد مدرسة عليا للأمن السيبراني، لكن علينا تعميم ذلك، إذ يُمثل النموذج الفنلندي والإستوني في هذا المجال مثالا حيًّا، بعد أن قامتا بإدخال موضوع الأمن السيبراني كجزء من مناهج التعليم، مما ساهم في خلق جيل جديد من الخبراء القادرين على حماية فضاء الدولة الرقمي.