محاكمات الإرهابيين والعمليات العسكرية النوعية كشفت أكبر إساءة للإسلام
إرهابيون يخطفون أسماء صحابة.. وكتائب موت تحمل أسماء “القرآن”
أبانت محاكمة المتسببين في محاولة اغتيال رئيس الجمهورية التي عرفتها محكمة باتنة نهاية الأسبوع الماضي أن استعمال الإرهابيين لأسماء أطهر الناس من صحابة كرام ومبشرين بالجنة قد وصل حدا لا يطاق، فمن غير المعقول أن يكون مفجر نفسه وهو انتحاري مجهول الأبوين قد استولى على اسم أحد أعظم الصحابة على الإطلاق وهو المقداد بن عمرو، الذي كانت صيحته وردّه على الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى تحوّل هام في تاريخ الإنسانية…
-
حيث عندما اشتد الجدل حول أول حرب في تاريخ الإسلام استدار الرسول نحو صحابته، وقال لهم “إني أطلب منكم الشورى”، فرد عليه المقداد بن عمرو وكان اسمه قبل الإسلام المقداد بن الأسود، وهو أيضا حسب بعض الروايات مجهول النسب “إنا لا نقول لك يا رسول الله كما قالت اليهود لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، وإنما نقول لك إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون”.. وللأسف أيضا شهدت ذات المحاكمة تقديم إرهابي استولى على لقب ابن رواحة والإسلام يشهد أيضا أن عبد الله بن رواحة كان من خيرة الرعيل الأول لمسلمي الزمن المحمدي، خاصة في أول مواجهة بين الروم والمسلمين وأول مواجهة ينضم فيها سيف الله المسلول خالد بن الوليد في المعارك الإسلامية، حيث منح الرسول صلى الله عليه وسلم راية المعركة لخيرة الصحابة وكان من بينهم عبد الله بن رواحة الذي استشهد في أول معركة مكّنت المسلمين بعد ذلك من غلب الروم في مواقع كثيرة ومنها اليرموك التي فتحت لهم أبواب الشام ثم آسيا وأوربا .. وأبانت آخر عملية نوعية قامت بها المصالح الأمنية المشتركة في جبال جيجل أن ما حدث من تطاول على أسماء النور الإلهية ومنها حتى أسماء الله الحسنى جاوز كل الحدود، حيث سمّت فرقة ظلامية باسم سرية الفاروق وحاشا الفاروق عمر بن الخطاب الذي هو سيف العدالة الإنسانية أن يكون مثل أهل هذه السرية الدموية وحتى أميرها أخذ كنية أبو هريرة رضي الله عنه أكبر رواة الحديث الشريف الذي طالب بالعلم وبالرحمة، بينما الأمير الذي قضت عليه قوات الأمن كان ينشر الموت والفتنة ..
-
وللأسف فإن هاته الأخطاء والألقاب التي يجتمع فيها عامة الناس والإعلاميين أيضا، الذين يسمون الإرهابيين بالأسماء التي يختارونها هم لأنفسهم عندما ينشطون في إجرامهم حتى تقرأ أحيانا مونشيت في الصفحة الأولى بعنوان يعني أن أبا هريرة ذبح الرعاة ومصعب قتل النساء والمقداد ابتز الفقراء وحرمهم من قوت يومهم، فيكوّنون أنفسهم ويكوّنون رفقاءهم في الإجرام بأسماء كبار الصحابة، خاصة الذين ساهموا في الفتوحات الإسلامية الخالدة التي نشرت الدين الحنيف في أصقاع العالم في عهد الخلفاء الراشدين مثل أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلى رأس الفاتحين خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة وسعد بن أبي وقاص والقعقاع بن عمرو الذين تحوّلوا بجرة قلم دموي إلى أسماء منبوذة، ولا يكتفون بذلك، فحتى السريات والكتيبات يطلق عليها أسماء مشتقة من أسماء الصحابة وحتى من سور القرآن الكريم وتطاولوا على أسماء الله الحسنى مثل الرشيد والرحيم مثل كتيبة خالد بن الوليد والهدى وجند الله وسرية سلمان الفارسي والرحمان والفتح والأرقم بن أبي الأرقم وأخيرا الفاروق التي نسفتها قوات الأمن بداية الأسبوع الحالي في جبال جيجل، وهي مغالطات لطخت الصورة الناصعة لعظماء الإسلام الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل إيصال الدعوة المحمدية إلى مشارق الأرض ومغاربها ومحاولة لتلميع صورة الدمويين الذين استباحوا دماء المسلمين من الأطفال والنساء والشيوخ ونسفوا قرى بأكملها كما حدث في بن طلحة في تسعينيات القرن الماضي.
-
إذ لم نر في التاريخ الإسلامي، صحابي ضحّى بنفسه مثل مصعب بن عمير في غزوة أحد، عندما اشتدت شوكة المشركين، وقاد خالد بن الوليد الذي كان في صف الكفار هجومه الكاسح على مسلمي أحد، ولم يثبت إلا القليلون الذين دافعوا عن الرسول الكريم ومنهم مصعب بن عمير الذي حمل الراية إلى أن قطعت أوصاله ولقي حتفه مع حمزة بن عبد المطلب، وللأسف، يشتق الآن عبد المالك درودكال اسم هذا الصحابي، حيث يكني نفسه بأبي مصعب عبد الودود، وأطلق اسم مصعب على الكثير من الدمويين رغم أن سيرة مصعب بن عمير كلها مسالمة وحتى استشهاده كان دفاعا عن الرسول الكريم الذي أصيب بجروح في غزوة أحد، أما الإرهابي محمد حران الذي قبضت عليه قوات الأمن المشتركة بتلمسان فقد منح لنفسه اسم القعقاع بن عمرو، أحد أكبر قادة الفتوحات الإسلامية في بلادي الروم والفرس، وقضي على الإرهابي محمد حران وعمره 22 سنة، وكان قد غادر مكان إقامته في مغنية بولاية تلمسان عام 2005 وعمره دون 19 عاما، ومستواه الدراسي لم يتعد السابعة أساسي، حيث اشتغل في بيع الرغيف في شوارع مغنية بولاية تلمسان، ثم قرر الالتحاق بالعمل الإرهابي، ودون أن يعلم من سيرة الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو، سرق منه اسمه وصار يقتل به، ويعتبر الصحابي القعقاع من رعيل المجاهدين ضد المرتدين في عهد أبي بكر في حروب الردة ضد مسيلمة الكذاب أولا ثم ضد علقمة بن علاثة الذي ارتد وحاول إقامة دولته في الشام، وتمكن القعقاع من كسر شوكته وعاد إلى المدينة المنورة، وقد ضمن إسلام زوجة هذا المرتد وبناته، وتاب أيضا علقمة بن علاثة على يد القعقاع الذي صار بعد ذلك اليد اليمنى لخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص فحاربوا المرتدين ورافضي دفع الزكاة، وشاركوا في معركتي القادسية واليرموك، وهما أهم معارك الفتوحات الإسلامية على الإطلاق التي أتت على الروم وعلى الفرس وكبار قادتها وجعلت المسلمون أكبرقوة في العالم.
-
هذا هو قعقاع الإسلام قد أعاد المرتدين لدينهم، أما قعقاع مغنية رفض تسليم نفسه رغم أن قوات الأمن حاصرته لمدة سبع ساعات كاملة وكانت نهايته؟
-
مقداد وهران الذي حاول تفجير نفسه في موكب الرئيس بدأ عمله المسلح تحت إمرة نبيل صحراوي، حيث كان قادة الإرهاب الأوائل مثل زوابري وغيره يكتفون بأسمائهم، بينما كان قادة الفيس وما يسمى بجيش الجبهة الإسلامية للإنقاذ معروفين بأسمائهم كساسة، فأبقوا على أسمائهم إلى أن عادوا إلى الحياة بعد الوئام والمصالحة الوطنية..
-
بدأت الأسماء والألقاب الإسلامية مع الجيا وانتشرت مع الجماعة السلفية للدعوة القتال، وترسمت أكثر مع ما يسمى بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، حيث يسمى الإرهابي أمير المنطقة الثانية وهو من قدماء الجيا نفسه بأبي حذيفة أبو يونس، ومعلوم أن حذيفة بن اليمان من الأوائل الذين نادوا بجمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان، حيث عاد من الجهاد في بلاد أرمينيا وأذربيجان وطالب عثمان بن عفان إدراك الأمة قبل أن تهلك، إذ لاحظ اختلاف الناس في قراءة القرآن وخشي الفتنة، فعاد من جهاد أصغر إلى جهاد أكبر ننعم به الآن.. ومن كبار الإرهابيين أيضا والمتورط في وضع قنابل ببومرداس عام 2007 نجد الإرهابي “م.ي” الذي كان يستهدف عناصر الدرك، إذ اختار اسم طلحة، وهو لصحابي مشهود له بالجنة، كما أن الصحابي طلحة بن عبيد الله من ضمن الصحابة الستة الذين اختارهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للإمارة من بعده رفقة كبار الصحابة مثل علي بن أبي طالب أي أن مبشر بالجنة يقتل باسمه إرهابي الناس.
-
الأمر شائع في كل مناطق الجزائر ففي منطقة القبائل، اختار الإرهابيون أسماء صحابة وأرفقوها بأسماء لآلات قتالية وأسلحة مثل حكيم أربيجي، وخالد الميغ، كما هو الشأن بالنسبة للإرهابيين “ب.بوعلام” و”نور الدين بوصيافي”، أما الإرهابي “ف.ج” الذي اختار اسم أبو الهيثم الذي قارب الخمسين من العمر وهو من منطقة بومدفع بعين الدفلة فساهم في القضاء على مائة مواطن واغتصاب ست نساء متزوجات، ثم قتلهن، ورغم أنه متزوج وأب لأربعة أطفال، إلا أنه أتى على فعلته قبل أن يقبض عليه منذ ست سنوات بالبليدة، وقد اختار لقبا لأحد أكبر علماء الإسلام ابن الهيثم أمير العدسيات.
-
ولجأ إرهابيو الجيا لاختيار أسماء معاذ بن جبل، أول سفير في الإسلام، وأسامة بن زيد، أول قائد اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لجهاد الروم وكان دون سن البلوغ، والمثنى بن حارثة أحد قاهري جند الفرس، ثم بدأ التغيير في الأسماء بسبب جهل هؤلاء للتاريخ الإسلامي الواسع والشاسع، فكنى أحد مجرمي قضية أنياب الفيل الموقوف زهير حارك نفسه بسفيان أبي حيدرة وهو المتورط في تهريب السلاح ومحاولة اختطاف الأثرياء، كما سمى مختار بلمختار الأعور نفسه بخالد أبو العباس، أي اشتق اسمه من القائد الإسلامي خالد بن الوليد، ومن عم الرسول العباس الذي حوّل هزيمة غزوة حنين إلى انتصار بسبب موقفه الثابت إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم.
-
الإساءة الشنيعة لألقاب الصحابة والمشهود لهم بالجنة من الرسول صلى الله عليه امتد الأمر إلى إطلاق أسماء كتيبات الموت والسريات باشتقاق سور قرآنية مثل كتيبة النور وسرية الرعد وسرية الرحمان، وكلها أسماء لسور قرآنية يتلوها المسلمون في صلواتهم وتلاوتهم لكتاب الله، كما تمّ اختيار أسماء إسلامية لبعض الكتيبات مثل الفاروق عمر بن الخطاب وكتيبة خالد بن الوليد وسلمان الفارسي والصديق أبو بكر، إضافة إلى أسماء من التاريخ الإسلامي والفرق الإسلامية مثل كتيبة المهاجرين وكتيبة الأنصار والشهداء والموحدون والتوحيد والهدى والاعتصام، وتم اختيار أسماء مخيفة أيضا مثل الملثمون والأهوال والموت، والتعامل مع هذه التسميات هو تلطيخ مؤكد للدين الإسلامي، لأن أسامة بن زيد هو قائد إسلامي ابن الصحابي الذي كان برتبة ابن رسول الله، ولم يكن أبدا قائدا دمويا يدعو الناس للتقتيل ولأشرّ الأعمال الإرهابية.. وعندما يفتي بعض علماء الدولة العثمانية في تركيا منذ ثلاثة قرون على ضرورة تفادي إطلاق اسم محمد على أبنائهم حتى لا يتم سبه أو يكون صورة مشوهة لنبي الإسلام، فإنه من غير اللائق أن نسمي القتلة والمجرمين بأسماء كبار الإسلام الذين بلغوا الرسالة مثل معاذ ومصعب والقعقاع وحذيفة وأسامة وغيرهم.. والمؤلم أن ما يصدر في صحفنا يتم نقله في الصحف العالمية ومنها الفرنسية التي تكتب أحيانا أن سرية الفاروق ذبحت وكتيبة القرآن أحرقت ومصعب اغتصب وهو ما يشوّه الإسلام ويظن العالم أن أسماء الأفاضل كلها لأسوأ الأعمال .. سألنا رجل قانون عن هذا الإشكال الكبير فقال إن العدالة نفسها أحيانا تقاضي إرهابيا في حالة فرار وهي لا تعرف اسمه الحقيقي .. لكن من المفروض أن نسميهم بأسماء أخرى غير الأطهار ونسمي كتائبهم بالدم وليس بالنور كما أرادوه هم.