إسرائيل لم تعد تقدّم في أمريكا باعتبارها نموذج يستحق الدعم غير المشروط
الحرب تركت أثراً عميقاً داخل الولايات المتحدة
الاقتصاد الأمريكي لم يعد يحتمل سياسات الكلفة المفتوحة
لطالما وُصفت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها العلاقة الأكثر خصوصية في النظام الدولي، حتى بدت في نظر كثيرين تحالفاً استثنائياً يصعب أن تهزه المتغيرات السياسية. غير أن السنوات الأخيرة، بما حملته من تحولات داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب المتغيرات الإقليمية والدولية، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه العلاقة وإمكان استمرارها بالصيغة التي عرفتها العقود الماضية. في هذا الحوار، يقدم الكاتب والمحلل السياسي اللبناني بلال اللقيس قراءة لهذه التحولات، ويشرح اللقيس في هذا الحوار مع “الشروق”، لماذا يرى أن واشنطن وتل أبيب باتتا أمام مرحلة جديدة قد تنتهي بإعادة تعريف العلاقة بينهما، لا بإنهائها.
كيف تصفون طبيعة العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية؟ وهل ما تزال تحافظ على خصوصيتها التاريخية؟
لا أعتقد أن هناك علاقة في النظام الدولي تشبه العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فهي ليست مجرد تحالف سياسي أو تعاون عسكري أو شراكة أمنية، وإنما علاقة مركبة تشكلت عبر عقود طويلة، وتداخلت فيها الاعتبارات السياسية والإستراتيجية والأيديولوجية والدينية والمجتمعية.
منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، أصبحت إسرائيل، برأيي، إحدى أدوات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتجسيداً لمصالح قوى الهيمنة الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. لكن رغم هذا التقارب الكبير، ظلت واشنطن حذرة من الذهاب إلى التزام أمني مؤسسي كامل يشبه التزاماتها مع دول حلف شمال الأطلسي، ما يعني أنها أبقت دائماً مساحة للمراجعة وفق حسابات المصلحة.
ما الذي يدفعكم إلى القول إن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة مختلفة؟
خلال العقد الأخير، ولاسيما في السنوات الثلاث الماضية، شهدنا تداخلا غير مسبوق بين السياسات الأمريكية والإسرائيلية، إلى درجة أن الإدارات الأمريكية تبنت في كثير من الملفات الرؤية الإسرائيلية بصورة شبه كاملة.
لكن في المقابل، بدأت تظهر تحولات نوعية داخل الولايات المتحدة نفسها، وفي البيئة الدولية والإقليمية، تجعل استمرار العلاقة بالشكل التقليدي أكثر صعوبة. لذلك أعتقد أن السؤال لم يعد يتعلق بمتانة العلاقة فقط، وإنما بقدرتها على الاستمرار بالصيغة نفسها.
ما أبرز هذه التحولات داخل الولايات المتحدة؟
أهم تحول يتمثل في تغير المزاج العام داخل المجتمع الأمريكي. فإسرائيل لم تعد تقدّم في نظر قطاعات واسعة من الأمريكيين باعتبارها النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي يستحق الدعم غير المشروط.
نسب متزايدة من الأمريكيين باتت تعتبر إسرائيل دولة تمارس سياسات عنصرية، كما ارتفعت بصورة واضحة نسبة الرافضين لاستمرار الدعم الأمريكي لها، ووصلت في بعض الاستطلاعات إلى أكثر من ثلثي المستطلعين، بينما ترتفع هذه النسبة أكثر لدى الأجيال الشابة.
اللافت أن هذا التحول لم يعد مقتصراً على الحزب الديمقراطي أو التيارات اليسارية، بل أصبح يتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وهو ما يمنحه وزناً سياسياً متزايداً.
هل يقتصر هذا التغير على الرأي العام؟
إطلاقاً، الجامعات الأمريكية، ووسائل الإعلام، والعديد من الشخصيات الأكاديمية، وحتى المؤسسات الدينية، وخاصة الكنيسة الكاثوليكية، أصبحت أكثر جرأة في توجيه الانتقادات لإسرائيل.
هذه المؤسسات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وبالتالي، فإن تحول مواقفها ينعكس تدريجياً على الأحزاب والمرشحين وصنّاع القرار، لأن أي سياسي أمريكي لا يستطيع تجاهل التحولات الاجتماعية إذا أراد الفوز في الانتخابات.
وماذا عن تأثير اللوبيات المؤيدة لإسرائيل؟
لا يمكن القول إن نفوذها انتهى، لكنه لم يعد يتمتع بالمطلقية التي عرفها في السابق. منذ سنوات، كتب عدد من الباحثين وصنّاع القرار الأمريكيين عن التأثير الكبير للوبي الصهيوني في السياسة الخارجية، واعتبروا أن هذا التأثير ألحق ضرراً بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
اليوم، أصبحت هذه الانتقادات أكثر وضوحاً، كما أن بعض التجارب الانتخابية الأخيرة أظهرت أن بعض المرشحين باتوا قادرين على تحقيق نتائج جيدة من دون الارتهان الكامل لتمويل هذه اللوبيات، وهو تطور يستحق المتابعة.
هل يمكن أن يكون العامل الديموغرافي مؤثراً في مستقبل العلاقة؟
بالتأكيد، جيل الشباب الأمريكي، وخصوصاً جيل (Z)، يحمل رؤية مختلفة للعالم، فهو أكثر اهتماماً بقضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وأقل اقتناعاً بفكرة التدخلات العسكرية الأمريكية.
هذا الجيل أصبح رقماً صعباً في الانتخابات الأمريكية، وإذا أضفنا إليه تنامي أدوار الجاليات العربية والإسلامية والإيرانية، خاصة في الولايات المتأرجحة، فإننا نتحدث عن تغيرات ستترك آثارها تدريجياً على طبيعة القرار السياسي الأمريكي.
كيف انعكست الحرب الأخيرة على إيران على هذا النقاش؟
أعتقد أن هذه الحرب تركت أثراً عميقاً داخل الولايات المتحدة، لأنها دفعت كثيراً من الأمريكيين إلى التساؤل: هل تخوض بلادنا الحروب دفاعاً عن مصالحها أم دفاعاً عن أجندات الآخرين؟
عندما يشعر المواطن الأمريكي أن بلاده تتحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما لا يرى مكاسب مباشرة تعود عليه، فإن ذلك ينعكس تلقائياً على نظرته للتحالفات الخارجية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل.
إلى أي مدى تؤثر الأوضاع الاقتصادية الأمريكية في مستقبل العلاقة مع إسرائيل؟
لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن الواقع الاقتصادي الداخلي. الولايات المتحدة تواجه اليوم تحديات مالية غير مسبوقة، مع ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، وتزايد الضغوط على الموازنة الفيدرالية. لذلك لم يعد الناخب الأمريكي يتقبل بسهولة استمرار الإنفاق الخارجي من دون أن يلمس انعكاساً مباشراً على حياته اليومية.
في العقود الماضية، كان البعد الأيديولوجي يحتل موقعاً متقدماً في رسم السياسة الخارجية الأمريكية، أما اليوم، فهناك عودة واضحة لمنطق المصلحة المباشرة. السؤال الذي يطرحه الأمريكي أصبح بسيطاً: ماذا نجني من هذه العلاقة؟ وما حجم الكلفة التي ندفعها مقابلها؟ هذا التحول في طريقة التفكير ستكون له، برأيي، انعكاسات تدريجية على مختلف التحالفات، بما فيها العلاقة مع إسرائيل.
هل تقتصر التحولات على الولايات المتحدة، أم أن إسرائيل أيضاً تعيش تغيرات داخلية؟
إسرائيل اليوم ليست هي إسرائيل التي عرفها الغرب قبل عقود. صعود اليمين القومي والديني المتشدد غيّر صورة الدولة داخلياً وخارجياً. أصبحت شخصيات مثل بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير تمثل الوجه الأكثر حضوراً في المشهد السياسي، وهو ما انعكس على صورة إسرائيل في العالم.
في المقابل، شهد المجتمع الإسرائيلي موجات هجرة معاكسة لشرائح من النخب، وازدادت الانقسامات الداخلية، بينما تراجعت الصورة التي كانت تقدم إسرائيل باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. اليوم تواجه إسرائيل انتقادات واسعة من منظمات دولية وقطاعات كبيرة من الرأي العام العالمي بسبب الحرب والانتهاكات المرتبطة بها.
كيف أثرت الحروب الأخيرة في مكانة إسرائيل الإستراتيجية؟
أحد أهم التحولات أن إسرائيل لم تعد قادرة على حسم الحروب بالسرعة التي اعتادت عليها. دخلت في حروب استنزاف طويلة، وواجهت تحديات أمنية وعسكرية معقدة، وهو ما انعكس على صورتها كقوة قادرة على فرض الوقائع بسرعة.
إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الصراعات لفترات طويلة يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية على إسرائيل، كما يضاعف الأعباء التي تتحمّلها الولايات المتحدة في دعمها، وهو ما يعيد طرح أسئلة حول جدوى هذا النموذج من العلاقة.
ماذا عن البيئة العربية والإقليمية؟ هل شهدت هي الأخرى تغيرات مؤثرة؟
نعم، وهذا تحول مهم. حتى بعض الدول العربية التي لم تكن تنتمي إلى محور المقاومة، وكانت تنظر إليه باعتباره مصدر التهديد الأول، وجدت نفسها أمام واقع مختلف نتيجة السياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
الكثير من هذه الدول بدأ يميز بين مصالحه الوطنية وبين السياسات الإسرائيلية، واتجه إلى توسيع هامش حركته، والتواصل المباشر مع صانع القرار الأمريكي من دون المرور عبر البوابة الإسرائيلية، وهو ما يقلل تدريجياً من الدور الذي لعبته إسرائيل تاريخياً باعتبارها قناة النفوذ الأساسية داخل واشنطن.
كيف تنعكس التحولات الدولية على مستقبل هذا التحالف؟
الولايات المتحدة تدرك أن المنافسة الكبرى في المرحلة المقبلة ستكون مع الصين، وأن مركز الثقل العالمي يتحول تدريجياً نحو آسيا. لذلك، فإن استمرار الانغماس في أزمات الشرق الأوسط بالوتيرة نفسها لم يعد ينسجم مع أولوياتها الإستراتيجية.
لهذا السبب، تبرز داخل مراكز القرار الأمريكية أسئلة جديدة: هل من الأفضل استنزاف الموارد في نزاعات إقليمية مفتوحة، أم توجيه الجهد نحو المنافسة مع القوى الصاعدة؟ هذه الأسئلة ستفرض نفسها أكثر فأكثر خلال السنوات المقبلة.
هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة قد تتخلى عن إسرائيل؟
لا أعتقد أن الحديث يدور عن تخل كامل أو قطيعة، فالعلاقة أعمق من أن تنتهي بقرار سياسي. لكن ما أراه هو أن واشنطن قد تعيد تعريف هذه العلاقة، بحيث تصبح قائمة بصورة أكبر على حسابات الكلفة والمصلحة، لا على فكرة الدعم غير المشروط.
لقد بدأت الولايات المتحدة تعيد النظر في طبيعة علاقاتها مع عدد من حلفائها التقليديين، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط، وهذا يعكس تحولا أوسع في السياسة الأمريكية يرتبط بتراجع القدرة على تحمّل أعباء الالتزامات المفتوحة.
كيف تلخصون مستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية؟
أعتقد أننا نعيش مرحلة انتقالية لم تكتمل معالمها بعد. التحولات داخل المجتمع الأمريكي، والتغيرات التي تشهدها إسرائيل، وصعود قوى دولية منافسة، وإعادة تشكيل النظام العالمي، كلها عوامل تدفع نحو مراجعة الكثير من المسلمات التي حكمت العلاقات الدولية طوال العقود الماضية.
السؤال اليوم لم يعد: هل ستبقى العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية قائمة؟ بل: بأي صيغة ستستمر؟ وهل ستبقى إسرائيل شريكاً استراتيجياً بالمعنى الذي عرفناه، أم ستتحول إلى حليف يخضع، مثل غيره، لمعادلات المصلحة والكلفة؟
أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستتحدد بمدى قدرة الولايات المتحدة على إعادة تعريف دورها العالمي، وبمدى قدرة إسرائيل على التكيف مع بيئة إقليمية ودولية مختلفة، لم تعد تشبه البيئة التي نشأت فيها هذه العلاقة قبل عقود.