“إصلاح البكالوريا”.. الوزارة مطالبة بالتوضيح!
كشفت وزارة التربية الوطنية، مؤخرا، عن اتخاذ “قرار بحذف المواد الثانوية غير المرتبطة بالتخصص، لتخفيف العبء عن التلاميذ في الأقسام النهائية، وضمان تحصيل أفضل للمعارف الأساسية”.
وحسب تعليل مسؤول القطاع أمام “برلمان الطفل”، فإنّ “الهدف هو تمكين الطلاب من التركيز على المواد الرئيسية المرتبطة بالتخصص من دون إثقالهم بمواد ثانوية لا تنتمي إلى شُعبهم”، مشيرًا إلى أن اللجنة المكلفة بالدراسة قد “خلصت إلى أن التلاميذ الموجهين إلى شعبة معينة، يجب أن يحصلوا على فرصة أكبر للتركيز والتعمق في المواد الأساسية المرتبطة بتخصصهم”.
على أهمية التوجه الإصلاحي التربوي، وضرورة دعمه مبدئيّا، فإنّ اللافت للنظر حتى الآن هو غياب تفاعل شركاء القطاع مع تصريح الوزير سعداوي، رغم حساسية ملف البكالوريا، باعتبارها تتويجًا لمسار التعليم العام ونهاية طور التنشئة المدرسية لأبناء الجزائريين، باستثناء تحركات “تنسيقية أساتذة العلوم الإسلامية” مع رئاسة لجنة التربية بالغرفة السفلى للبرلمان.
لا يمكننا استباق الموقف وإصدار أيّ حكم قبل معرفة التفاصيل من الجهة الوصية، لكن تركيز الوزارة وخطابها الرسمي قد يؤشران على التوجه نحو التخلص من مقررات ذات صلة بالهوية الوطنية في الامتحانات النهائية، تحت عنوان التحلّل من “المواد الثانوية”، أو على الأقل زحزحتها إلى آلية “التقييم المستمر”، عوض الامتحان فيها على قدم المساواة مع “المواد الأساسية” للتخصص.
من غير المقبول إطلاقًا الطعن في نية المسؤولين على القطاع أو اتهامهم بإقصاء مادة بعينها، على غرار العلوم الإسلامية أو التاريخ أو اللغات، خاصة بالنسبة للشعب العلمية والرياضياتية والتقنية، ثم الشعب الأدبية بدرجة أقل، مقابل ذلك، يتعين على الوصاية وضع الرأي العام، وفي المقدمة منه شركاؤها والأولياء ونواب الشعب، بتفاصيل المشروع الإصلاحي، لأجل بلورته بشكل تشاركي، توافقي، لضمان نجاحه مستقبلاً، وتفاديًا لأيّ مقاومة ميدانية من أي طرف قد يراه مساسًا بجوهر العملية التربوية وأهدافها الوطنية الكبرى.
إن طرح مثل هذه الهواجس لا ينبع من التشكيك أو “نظرية المؤامرة”، بل من سوابق عاشها القطاع قبل عشرين عامًا، حيث تمّ، على سبيل المثال لا الحصر، غلق شعبة العلوم الإسلامية من التعليم الثانوي في الجزائر، تحت شعار “إصلاح المناهج”، بينما لا يزال مطلب إعادة إدراجها بصفتها شعبة مستقلة، بمرحلة التعليم الثانوي، قائمًا حتى اليوم.
ينبغي الاعتراف، ولو بأثر رجعي، أن حذف تلك الشعبة كان ضمن مخرجات لجنة بن زاغو التي عملت في مناخ “الإملاءات الأمريكية للعالم”، ولا ضير، بل من الواجب، مراجعة القرار، وفق تقييم موضوعي في عهد الجزائر الجديدة التي أرسى الرئيس تبون دعائمها على قواعد الندية والسيادة الوطنية.
لذلك من الطبيعي، أن يثير مجددا إعلان الوزارة، عن تصنيف المواد التعليمية في نهاية الأطوار التعليمية إلى أساسية وأخرى ثانوية، حفيظة المنتقدين، ويصنع الجدل حول معايير التقسيم نفسه، لأنّ زوايا النظر ستختلف وفق أهداف الرؤية الإستراتيجية للتربية، بين تنشئة مواطن جزائري، بالمفهوم الحضاري، أو تخريج متعلمين بشهادات علمية أو الدمج التوفيقي بين المسلكين؟
بهذا الصدد، هناك توجه واضح في السياسات العامة للتركيز على التكوين التقني العلمي لمخرجات المدرسة الجزائرية ومؤسساتها الجامعية، وهو بلا شكّ خيار مقدّر بل محمود، في إطار حاجيات التنمية الوطنية، لكنه لا يبرر إغفال العلوم الإنسانية أو التقليل من أهميتها وخطورتها في الاستجابة للتحولات السوسيولوجية في بلادنا، وضرورة تكفل البحث العلمي الوطني بكل الانشغالات المطروحة على الدولة والمجتمع.
لكن التأهّل إلى هذا المستوى من الرهانات العلمية يستوجب بداية الاهتمام بهيكلة التعليم العام لتخريج، بالموازاة مع الكفاءات التقنية، نوابغ في حقل المعرفة الإنسانية.
وبما أن وزارة التربية تحضّر حاليا لإعادة ضبط البرامج وتطويرها، عن طريق “اللجنة الوطنية لجودة التعليم”، فإنه ينبغي تذكيرها أنه صار مطلوبًا إنشاء مؤسسات تعليمية وطنية متخصّصة، لاحتواء نجباء العلوم الشرعية والآداب والفلسفة واللغات، على غرار ثانوية الرياضيات الوطنية، ثم مرافقتهم جامعيا أيضا من خلال معاهد عليا متخصصة، لإحداث التوازن في رعاية الكفاءات وإعلاء قيمة العلوم الإنسانية.
إنّ ما نثرناه في هذه المساحة من أفكار متفرقة في سياق مسألة “إصلاح امتحان البكالوريا”، يحيل تلقائيا إلى إثارة مطلب عودة العمل بهيئة “المجلس الأعلى للتربية”، أو ما شابهها، والذي لا يمكن الالتفاف عليه بـ”اللجنة الوطنية للبرامج”، على أهمّية تركيبتها ودورها في السهر على انسجام الموارد المعرفية والمناهج مع السياسة التربوية الوطنية.
لقد مهّد دستور 2020 بتنصيصه على “مبدأ حياد المدرسة” المجال لاستحداث “سلطة تربوية عليا مستقلّة”، تتشكّل بطريقة ديمقراطية من خبراء مؤهّلين، لتتولّى الإشراف الكامل على ضبط السياسة التربوية، في أهدافها العامة والإجرائية، واتجاهها الرسالي ومضامينها المعرفية ومقاربتها البيداغوجية، بينما يوكل إلى وزير القطاع التنفيذ الميداني للمشروع التربوي والتسيير الإداري.
لا يمكن أن تبقى وزارة التربية، على حساسية دورها في إعداد الأجيال، تحت تصرّف الإداريين، مع كامل الاحترام لنزاهتهم وكفاءاتهم، أو خاضعة لإصلاحات ظرفية أو مبادرات مرحلية، بل هي في الأصل “سياسة دولة” قارّة، تخطط وتحدّد مستقبل المجتمع عبر المدرسة الوطنية، بعيدا عن التجريب والرغبات الفئوية.
إنّ قضية التربية مسألة قاعدية عميقة وجوهرية، ينبغي الانتهاء سريعا من ضبطها، بالرسو على مشروع وطني، يكرّس الانتماء الحضاري ويفتح آفاق الاستفادة من التجارب الإنسانية.