الرأي

إصلاح السياسات والنظم الإدارية في مجالات التنمية الاقتصادية المحلية

محمد شيدخ
  • 211
  • 0

اذا كان الاستقرار السياسي في السابق مرتبطا اساسا بالمحافظة على كيان الدولة ووجودها، فانه في الوقت الحالي يشمل كل مناحي الحياة جراء توسع مفهومه وآثاره سواء كانت ثقافية او اجتماعية او اقتصادية، إذ كانت علاقة الاستقرار السياسي بالتنمية المستدامة علاقة تكاملية بحتة، لأن استقرار السياسات الاقتصادية شرط لازم لتحقيق النمو الشامل في إطار حوكمة رشيدة تسعى لتنفيذ البرامج بعقلانية وإشباع عادل لحاجيات المواطنين، فكان العمل على المطالبة بإصلاح السياسات والنظم الإدارية في مجالات التنمية الاقتصادية المحلية ركيزة كل مشروع وبرنامج نهضوي واعد، على اعتبار أنه لا حديث اليوم عن السياسة بعيدا عن الاقتصاد، ولا يمكن تجسيد أي نمط سياسي مهما كان من دون مراعاة الجوانب الاقتصادية للدولة، لأن الاقتصاد السياسي يدرس الإنتاج والتجارة وعلاقتهما بالقانون والعادات وتوجه الحكومة، ويسمح بالانزلاق النمطي نحو سياسة اقتصادية محلية في اطار جهوي يراعي خصوصيات المنطقة وتطلعات ساكنيها وأولوياتهم وفق طابع المنطقة واحتياجاتها.

قد يحتاج تحقيق ذلك إلى تكريس الديمقراطية وتدعيم وتأهيل الكفاءة محليا مع تحرير الطاقات الفاعلة وخلق آليات لمرافقة المبدعين والمتميزين وتشجيعهم قصد تأسيس قاعدة معرفية واسعة تكون اللبنة الأساسية لسلسلة الابتكار والإبداع الملازمين لعملية التنمية الشاملة محليا وجهويا ثم وطنيا. ولنا في أدبيات الاقتصاد ودراساته تجارب لبعض الدول التي أطلقت مبادرات تنموية محلية شاملة في اطار ما أطلق عليه اسم “مدن التغيير” بإطلاق حوار شامل مع الفاعلين وكل أطياف المجتمع المدني وكذا كل الناشطين الاقتصاديين والاجتماعيين في المدينة أو البلدية لأجل خلق الثروة وتحريك عجلة التنمية المحلية بتوفير فرص العمل وتطوير الإنتاج، وقد نسميها عندنا “مدن التنمية” ونسعى لترتيبها وفق تخطيط استراتيجي محكم عبر مراحل وتنظيمات ملائمة من خلال تنظيم الجهود عبر إنشاء مجلس المدينة داخل هيئات المجلس البلدي كترتيب مؤسساتي استثنائي لتوحيد الجهود وجمع الشمل وتوجيهه نحو عمل ونشاط عمومي اقتصادي خاص وعامّ تتجلى من خلاله مهارات وخبرات أبناء البلدية، وتتبلور فيه رؤية مشتركة لبلوغ أهداف التنمية. تليها عملية تقييم الاقتصادات المحلية للتعرف على خصائص الاقتصاد المحلي، ثم تحديد إستراتيجية ملائمة، وبعدها يجري إعداد هذه الإستراتيجية وبلوغ منهج متكامل للتخطيط مع المرور إلى تنفيذ محاور وخطوات العملية كاملة، وتكون المراقبة هي النقطة المحورية للتأكد من سلامة الإستراتيجية ومدى احترام نصوصها.

تحقيق الهدف الأول يفسح المجال مشجعا على انجازات أخرى مع مقاومة الاندفاع والتهور ومحاربة الإرضاء النفسي الذاتي والفوري في الوصول إلى الأهداف بتحكيم التريث والصبر، وهذا جزء من قاعدة الانطلاق الحضاري لمالك بن نبي من خلال تحديد اللزوميات الشرطية في عملية البناء الحضاري الذي يتحقق في ظل إصلاح عامّ تؤسس له الفكرة الدينية والقيم الأخلاقية التي تؤلف الانسجام بين العناصر المكوِّنة للحضارة المنتِجة بدل حضارة التكديس والاستهلاك.

إن استلهام خطة مدروسة بعد الاسترشاد بالتجارب الجديدة لاقتصادات دول التحول والدول النامية وتجارب أمريكا الشمالية والاتحاد الأوروبي ومن شبكة “مدن التغيير” لدول الخليج، هي أفضل طريق موضوعي وعلمي لتحقيق نقلة نوعية في إطار التنمية المحلية التشاركية الشاملة، إذ نأمل في هذا الصدد أن يعمل الشركاء من القطاع العام والخاص والحكومة من خلال الإدارة المحلية وكل الناشطين بشكل جماعي تفاعلي ومتكامل من أجل توفير ظروف أفضل لبلوغ النمو الاقتصادي المقصود وخلق الثروة وفرص العمل محليا حتى تكون الإدارات والمؤسسات العمومية المحلية قادرة على التكيف مع اليات اقتصاد السوق الديناميكي على المستوى المحلي من خلال جلب وجذب الاستثمار والمستثمرين وتوليد الاستثمارات والحفاظ عليها.
إن خلق شراكة سلسة بين مختلف القطاعات هو تدعيم للحوكمة المحلية الراشدة. وعلى هذا الأساس يكون طلب تكييف وإصلاح السياسة الاقتصادية الكلية والاصلاحات المالية النقدية بما يتلاءم والتطلعات المحلية أكثر من ضرورة، فلا يمكن تغافل دور العوامل الخاصة بالبنية التحتية أو الخدمات الأساسية، لأنها الوحيدة التي تحدد الى درجة كبيرة الميزة النسبية الخاصة بالمجتمع، إذ تشكل كفاءة وحجم هذه البنية والخدمات حجر الزاوية في الاقتصاد المحلي الناجح مثل توسيع شبكات الكهرباء والغاز وتدعيم وسائل النقل المختلفة وتحديث وسائل المواصلات بشتى أشكالها وضمان التزود بالماء مع جرد كل الأراضي التي يمكن تطويرها واستغلالها… إلى غير ذلك من توفير دائم لكل الهياكل الضرورية تحقيقا للنقلة المرجوة في المرور من القلة والندرة إلى الكثرة والوفرة.
إنَّ التحوُّلات السياسية والاقتصادية العميقة والمتميزة والتي كان على رأسها الانتقال من أشكال الحكم الشمولي إلى الديمقراطية الحقيقية، والمرور السلس من الاقتصاد المسير والمركزي إلى الاقتصاد الذي تحكمه قواعد السوق وتنافسية القطاع الخاص والانفتاح على التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي وتنفرد الدولة بمهام التخطيط والتوجيه والتطوير والحماية والمراقبة.
إن استقرار الخيارات الاقتصادية يسمح بتحقيق الأهداف على مستوى كل البرامج سواء كانت ذات مدى قريب أو على مستوى المدى البعيد، مما يسمح بضمان نجاعة المشاريع وديمومتها، فيتجلى ذلك محليا على مستوى فاعلية المبادرات والنشاطات التنموية المحلية بتحقيق ثباتها وتطوُّرها، مع العلم أن التغيير نحو الأحسن لا يمكن أن يكون إلا مشروعا ثقافيا بعيدا عما سماه المفكر مالك بن نبي رحمه الله “الاقتصادانية” أي (تجميع كل مشكلات الأمة في البعد الاقتصادي). وأرجع الاهتمام بكيفية التعاطي النفسي والفكري مع الأشياء فيقول إن المانيا لما انقسمت عقب نهاية الحر بالعالمية الثانية إلى دولتين، كان لكل منهما نظام سياسي مستقل واقتصادي مختلف، لكنهما حافظتا على الفاعلية الاجتماعية الألمانية بكل سماتها الثقافية الموحدة والتي أضاءت الطريق أمام الألمانيتين لكي تنجحا اقتصاديّا، ونحن اليوم نعوّل على دور المجتمع المدني كحاضنة لمشروع السلطة الجديدة في بعده السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تحريك التنمية المحلية بالتشارك الايجابي مع الإدارة المحلية بخلق دوافع ومحفزات وفق منظومة فكرية معرفية تعبّر عن موقف وطموح المجتمع في تحقيق النجاعة والبحبوحة في إطار المصلحة العامة، بعنوان التشاركية ومحاربة الفساد وفق عملية اصلاحية تحركها دوافع نفسية خاضعة لآليات التفكير والتوجُّه العقلي حسب مقتضيات وحاجيات المجتمع محليا، قوامها تحديد وتركيز الجهود على هدف واحد في وقت واحد لما له من فاعلية حسب علماء النفس الاجتماعي، لأن تحقيق الهدف الأول يفسح المجال مشجعا على انجازات أخرى مع مقاومة الاندفاع والتهور ومحاربة الإرضاء النفسي الذاتي والفوري في الوصول إلى الأهداف بتحكيم التريث والصبر، وهذا جزء من قاعدة الانطلاق الحضاري لمالك بن نبي من خلال تحديد اللزوميات الشرطية في عملية البناء الحضاري الذي يتحقق في ظل إصلاح عامّ تؤسس له الفكرة الدينية والقيم الأخلاقية التي تؤلف الانسجام بين العناصر المكوِّنة للحضارة المنتِجة بدل حضارة التكديس والاستهلاك.

مقالات ذات صلة