الرأي

إصلاح مناهج التّعليم.. من أين نبدأ؟

لمباركية نوّار
  • 405
  • 0

منذ أن شرعت أفكر في هذا الموضوع، انصرف ذهني إلى ملاحظة أحسب أنها ذات قيمة رغم أن فحواها لا يقع في المتن، ولكن يمكن أن يُرفق بالهامش. وفحواها مختصرا، هو أن العرب تفرِّق بين لفظتي”الإصلاح” و”التصليح”، ولا تزج بهما كمترادفتين مترافقتين، وإنما تخصص لكل واحدة منهما سياقها الذي يناسبها؛ فـ”الإصلاح” يوظف مع القضايا المعنوية، كأن يقال: إصلاح المجتمع أو الحركة الإصلاحية على سبيل المثال. وفي المقابل، تلتصق لفظة: “التصليح” بالأمور المادية، كأن يقال: تصليح الأحذية أو تصليح السيارات، وما شاكل ذلك.
والمناهج التعليمية في أصلها مادية، لأنها تخرج في صورة كتيّبات أو كنانيش تُوزَّع على المعلمين والأساتذة للتقيد بتنفيذها والتدرّج معها، إلا أن مراجعتها وعلاج نقائصها وتعديلها اقترن بلفظة: “الإصلاح”، ولا يمكن فهم هذا الشذوذ عن القاعدة اللغوية السابقة المنسوجة إلا في إطار تغليب روح المنهاج، أي مضمونه ذو الصبغة المعنوية الذي ينفع في التنشئة والإعداد وتقديمه على جانبه المادي الورقي.
عندما عجزت اللغة الفرنسية عن إيجاد كلمة قحة من بنات صلبها تقابل بها كلمة: “المنهاج” استنجدت باللغة الأنجليزية مضطرة، واستلفت منها لفظة: Le curriculum وجمعها: Curricula، حتى تواري نقصها وتخفي ضعفها؛ ذلك لأن كلمة المنهاج أوسع وأرحب دلالة من كلمة: البرنامج .Le programme وفي المقابل، تتمتع كلمة: المنهاج في اللغة العربية بمعان متعدّدة ومتفرقة، والعودة إلى المناجد تعفيني من الجري خلفها. ولم يكن المنظّرون التربويون الفرنسيون يرضون بهذا الاقتراض اللغوي لسد فجوة وغلق شرخ في لغتهم لولا أهمية الكلمة في حدّ ذاتها.
هناك قولة قديمة قرأتها منذ سنوات تنص على ما يلي: (في العالم الثالث، تستطيع أن تنتظر حركة أطراف الأموات. ولكن، لا تنتظر تحريك المناهج المدرسية). والعالم الثالث زمن الحرب الباردة هو العالم المتخلف الذي يحتل مكانه بعد العالم الأول الذي تمثله أمريكا بنظرتها الليبرالية والعالم الثاني الذي يتصدّره الاتحاد السوفياتي الغارق في إيديولوجيته الاشتراكية الشمولية.
لكل عمل يراد إنجازه ومهما كان صنفه وحجمه نقطة انطلاق تُعلّم وخطوة بداية تحدّد.
والسؤال: من أين نبدأ إصلاح المناهج التعليمية؟ هو سؤال يتصدر كل الأسئلة، ولا يجوز القفز عليه أو استبعاده. وتحديد نقطة البداية يسهِّل ضبط الأهداف التي نصبو الوصول إليها، وتؤمن طريق السير، وتساعد في انتقاء الوسائل المعينة على إنجاز العمل المطلوب.
تعدّ نقطة البداية من أهم المراحل في إصلاح المناهج، وإن الخطأ في تعيينها قد يراكم المساوئ ويعقّدها ويطمس علامات الاهتداء، إذا لم يزد الطين بلة والأقدام غوصا في الأوحال، فلا يمكن أن نطمح إلى إصلاح قويم إذا كانت المعلومات المقتنَصة مشوبة بالخلط والكدر. فالبيانات المشوَّهة والناقصة لا تضيء آفاق الإصلاح.
يبدأ إصلاح المناهج التعليمية بخطوة الاستعلام، أي جمع المعلومات التي تعبِّر عن الاختلالات والنقائص التي تزرع الشين والقبح في المناهج المتداولة. ومن بعد ذلك، تأتي مرحلة تصنيفها وتحديد درجة الإعاقة الناجمة عنها، والبحث عن أسبابها بحثا عميقا دقيقا.
لا يُقبل أن يجري الاستعلام عشوائيا وبشكل فوضوي أو بطريقة مرتجلة سطحية، فإذا كانتالمعلومات التي يراد جمعها متوفرة في بيئة تفتقد إلى النقاء والصفاء، فلا يوصى بالركون إليها، ولا يعتدّ بها؛ لأنها لا تلتفع بمعياري السلامة والمصداقية. وعليه، فلا أحد يقر بجدوى جمع معلومات حول مناهج تشترك في تنفيذها المدارس النظامية من جهة والدروس اللصوصية من جهة أخرى، ولا أحد يفتي بجواز بناء إصلاح عليها.
يمكن أن نحدث نمذجة مبسَّطة لتقريب الفهم من الأذهان حول هذا الاستعلام؛ فالفلاح الماهر لا يقدِم على نثر البذور في حقوله إلا بعد أن يهيئ لها التربة، لأنه يعلم أن البذور التي يزرعها لن تزدهر ولن تنمو نموا كاملا ولائقا في محاضنها إذا زاحمتها الأعشاب الضارة، وضايقتها النباتات الدخيلة، ونافستها في الماء والهواء، وضيَّقت عليها عيشها. وليس أمامه من حل سوى القيام بعملية عزق لتنقية التربة. ولا أحد ينكر أو ينفي أن تنفيذ برامجنا التعليمية يجري في ظروف ملوَّثة من جراء الدروس اللصوصية. وما علينا سوى مجاراة الفلاح في عمله البسيط والإقدام على عزق الدروس اللصوصية أي حظرها حظرا نهائيا وتجريمها حتى نمنع تأثيرها البذيء والفاحش، ونقصّه من جذوره قبل القيام بعملية الاستعلام.

في وضعنا الحالي، لا أعتقد تماما أنه يمكن الوصول إلى معلومات نطمئن إليها في وجود الدروس اللصوصية؛ لأن كل العمليات التقويمية والملاحظات التي تُجرى لا تعتمد على مخرجات العملية التدريسية في أقسام المدارس لوحدها، وإنما تأتي ممزوجة بالإفرازات الصديدية ذات الرائحة الكريهة للدروس اللصوصية الجوفاء.

يتبيّن لنا من خلال ما تقدَّم، أن الدروس اللصوصية هي أكبر عامل يقود إصلاح المناهج التعليمية إلى ضفاف المغالطة والتيه، ويجهضها، ويتسبب في إبقاء دار لقمان على حالها.
تُستقى المعلومات التي يبحث عنها بواسطة أدوات بحثية معتمدة حتى لا تحوم الظنون حول سلامتها. ولا يمكن أن تُقبل معلومات مستصدرة من ملاحظات انطباعية عابرة وسريعة، وإنما يُشترط التوصُّل إليها من منابع علمية صارمة وقنوات دقيقة ومحكمة. ومن أهم هذه المصادر الفروض والامتحانات المدرسية والرسمية والبحوث الميدانية المستقلة كتلك التي تدور حول بعض المفاهيم المرفَقة بالمناهج والاستبيانات والمقابلات المباشرة التي تكون مع المفتشين والمعلمين والأساتذة والمتعلمين إذا لزم الأمر. كما يمكن الاستنجاد ببعض الأعمال البحثية التي قامت بها دول أخرى في حالة وجود تقاطعات وتصالبات وتشابهات بين مضامين المناهج هنا وهناك.
ومثلما ينصبُّ البحث الاستعلامي على المحتويات المعرفية، فإنه يلاحق المقاربة التدريسية المعتمدة، ومدى تطبيقها في الأقسام ومقدار جدواها في تكوين المتعلمين. كما ينظر في أدوات التقويم المقترحة وطرائق بناء التقويمات وتصحيحها وتحليل النتائج المحصَّلة منها وتصنيف أخطاء المتعلمين المحمولة في إجاباتهم.
من باب التأكيد، وللتفريق بين إصلاح المناهج وترقيعها، نلحُّ على أن عمليات الاستعلام لا تكون مفيدة إذا تلوّثت بمؤثرات ومشوِّشات تخنق صدقها. وفي وضعنا الحالي، لا أعتقد تماما أنه يمكن الوصول إلى معلومات نطمئن إليها في وجود الدروس اللصوصية؛ لأن كل العمليات التقويمية والملاحظات التي تُجرى لا تعتمد على مخرجات العملية التدريسية في أقسام المدارس لوحدها، وإنما تأتي ممزوجة بالإفرازات الصديدية ذات الرائحة الكريهة للدروس اللصوصية الجوفاء.
كانت لنا في الماضي القريب تجربة غير مريحة لم تركن إلى الدراسات العلمية الهادئة والرزينة، وإنما احتكمت إلى تأثيرات بعض الأمزجة انطلاقا من ميول ونزوات ليس لها نصيبٌ من موضوعية العلم، وجرى فيها التخلي عن المدرسة الأساسية بجرة قلم إدارية أوقفت مسيرتها من غير الوقوف على إيجابياتها وسلبياتها. وهذا التصرف الانفعالي الصلف الذي يقطر قسوة وعنفا حذا بالكثيرين إلى التساؤل في حيرة وقلق: هل حظي النظام التعليمي الذي جاءت به المدرسة الأساسية بالدراسة المعمقة الضرورية وبالتقويم النزيه لتجربتها، تمهيدا للإصلاحات التي حلّت من بعد أفول شمسها؟. وبقي هذا السؤال معلقا ومن دون أن يقابَل بإجابة إلى يومنا هذا.
ولا نريد أن نقع في الهوة السحيقة للمطبّ ذاته مرة أخرى وعيوننا معلقة بآمال مستقبل أحسن لمدرستنا الوطنية الذي نهفو إليه بقلوب نابضة وعقول واعية.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن مناهجنا التعليمية قد خطت خطوات تغييرية عملاقة في السنوات الأخيرة من حيث مضامينها العلمية والمقاربات التدريسية المرافقة لها. إلا أن ثمة مشكلة قائمة، وهي أن أغلب المعلّمين والأساتذة لا يفرِّقون بين المنهاج والكتاب المدرسي، وتجد من بينهم من يلتزم بالكتاب المدرسي أكثر من التزامه بالمنهاج رغم أن الأسبقية تُمنح لهذا الأخير. ومنهم من لا يلتزم بمواد المنهاج، ويزيد عليها إضافات غير مقرَّرة بدعوى إفادة المتعلمين، ويتحجَّج في ذلك بخشية خروج التقويمات الرسمية عن حدود المعارف المسطرة. ويتناسى أن المتعلم لا يُمتَحن إلا من خلال محتويات المناهج. وقد أنجب هذا السلوك في التعامل مع المناهج وتنفيذها تضخيما في المعارف وموسوعية باطلة فيها. ولا يعرف هؤلاء أن بناء أي منهاج تعليمي يشبه السجاد الصيني الذي يقع كل خيط منه في مكانه المناسب، أو كالمربكة Puzzle التي تضطرب كل قطعها اضطرابا كليا لو حاولت أن تدخل فيها ولو قطعة واحدة إضافية. وينعكس هذا التشويش على الصفحة الذهنية التي يشيد فيها المتعلم معارفه بطريقته الخاصة.
أمسى بناء المناهج التعليمية تخصصا وفنا مستقلا من علوم التربية، ولذا لا يجوز أن يخوض فيه بآراء سطحية تعبر عن السفاسف والقشور، ولا تذهب إلى سويداء اللب كل من هبّ ودبّ من أولياء أمور المتعلمين ومن النقابيين الذين تقاعدوا عن الاشتغال الميداني في الأقسام منذ سنوات طويلة، ذلك لأن الآراء الانطباعية الهشة لا تجد لنفسها محلا في إصلاح المناهج التعليمية، ولا يمكن أن تأتي بشيء ذي أهمية.

مقالات ذات صلة