! إضراب عن الصلاة
منذ أحداث ما اقترحت السلطة تسميته باحتجاجات الزيت والسكر، والتي حلّتها في بضع ثوان، باستيراد مزيد من الزيت والسكر، وما اقترح الشعب تسميته باحتجاجات الديموقراطية والرأي، وحلّها في بضع ثوان بالنزول، بسبب ومن دونه إلى الشارع، لتعذيب الشعب بالاعتصامات وقطع الطرقات ومشاهد الانتحار والإضرابات، والبلاد في حالة سبات لا يختلف عن الموت، أرضت به السلطة بهذا السقف من أسلوب المواطن في التعامل مع الأوضاع، وارتضى الشعب بأداء سلطة لم تطالبه إطلاقا بالعمل، فصار الكل يحتج في موضة تحوّلت إلى إدمان، سيكون من العبث الظن بأن الشفاء منه، ممكن بقليل من التضحيات.
فبعد المسلسلات التي لم تنته، من عمال قطاع التربية الذين اقتنعوا بأن وظيفة التربية هي حقوق من دون واجبات، فصاروا يطلبون فقط ويمارسون الدروس الخصوصية ولا يهمهم الانهيار العام للتربية والتعليم، وبعد المسلسلات التي لم تنته من عمال قطاع الصحة، الذين اقتنعوا بأن صحتهم المادية أهم من تطبيب الآخرين فصاروا يطلبون فقط، ويمارسون الطب في العيادات الخاصة، ولا يهمهم خطف الرضع، وبراغيث وصراصير الأسّرة التي تجاور المرضى، والجميع اتفق على أن السلطة قد رفعت الراية البيضاء وصار شراؤها للسلم الاجتماعي أسلوب عمل وبرنامجا حكوميا قائما بذاته، ما دام النفط يصبّ مدرارا على الخزائن، حان دور بعض الأئمة الذين صاروا يهدّدون باتباع “بدعة” الاحتجاج، إلى درجة أن بعضهم هدّد بالإضراب عن الطعام على طريقة الهندوسي المهاتما غاندي، من أجل أهداف دنيوية يعلم هو، ويعلم الجميع بأن الإمامة بلفظها الفقهي بعيدة جدا عنها.
وعندما يمهل أئمة وهران مثلا وقبلهم أئمة الشرق والوسط وزارة الأوقاف شهرا لأجل الاستجابة لمطالبهم، قبل التوقف النهائي عن العمل، إن كانت الإمامة مهنة مثل بقية المهن أصلا، فمن الصعب أن نضع إمام الزمن الحالي في نفس خانة الإمام علي بن أبي طالب أو الشافعي أو الإمام عبد الحميد بن باديس وغيرهم من أئمة الأزمان الجميلة في التاريخ الإسلامي. لقد مرت هذه السنوات الجافة من العمل والفكر في الجزائر المشلولة بقطع الطرقات ومشاهد الانتحارات الجماعية، من دون أن يقوم الإمام بدوره لأجل أن يقول لهذا الذي يغسل جسده العاري بالبنزين أمام أبنائه في مشهد ليّ ذراع الدولة بأنه أخطأ، ولا أن ينصح الذي يقطع الطريق بأنه يأتي ببعض أعمال السدوميين الذين قال فيهم تعالى: “وتقطعون السبيل”، بل انتقلوا إلى التقليد، وبلغوا مبتغى السلطة التي دفعت المواطنين والعمال عموما إلى أن يختصروا مطالبهم في أجور وسكنات، كما اختصر مليون ونصف مليون طالب جامعي أهدافهم في وجبة وغرفة جامعية.. وفقط.
لقد قال المواطن – ومن حقه– إن الأستاذ ساهم في انهيار مستوى التعليم، وانتقد إضراباته وطلباته، وقال– ومن حقه– إن الطبيب ساهم في عودة الأمراض المنقرضة وضياع الصحة، وانتقد إضراباته ومطالبه التي لا تنتهي، وقال– ومن حقه أيضا– إن التجار مارسوا كل أنواع الاحتيال على المواطن وعلى الدولة. وانتقد مختلف طرق احتجاجاتهم، وقال– وبالتأكيد من حقه– إن الدولة لم يهمها هذا الشلل، بل أحيانا تدفع الناس إليه، وسيقول– ومن حقه والله أعلم– بأن الأئمة برغم عشرات الآلاف من الخطب، لم يتمكنوا من توقيف هذا النزيف الأخلاقي الذي جعل الفرد لا همّ له سوى مصلحته الخاصة.. وبعده الطوفان.