-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إعادة قراءة مفهوم الحياد الإيجابي ضرورة اليوم…

إعادة قراءة مفهوم الحياد الإيجابي ضرورة اليوم…

باتت العلاقات الدولية اليوم ظاهرة مُرَكَّبة بكافة المقاييس. ليس بالإمكان فهمها بأدوات التحليل البسيطة أو من خلال النظريات التقليدية التي كانت تَصلح لتفسير السلوك الدولي بموضوعية إلى حد ما في العقود السابقة، اليوم أمامنا نماذج غير مسبوقة في التاريخ. أكبر قوتين دوليتين متنافستين استراتيجيا، تربطهما علاقات تجارية قوية.

بلغ حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة نحو 582 مليار دولار في سنة 2024 (صادرات الولايات المتحدة إلى الصين 143.2 مليار دولار، ووارداتها 438.9 مليار دولار) وفقا لمكتب الإحصاء الأمريكي! ودول أخرى كثيرة أصبحت تفصل علاقاتها التجارية عن العلاقات السياسية بوضوح وتعتمد ما يعرف بسياسة “فصل المجالات” بين الاقتصادي والسياسي والعسكري، الأمر الذي لم يكن معروفا إبان حقبة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي سابقا والولايات المتحدة. كانت المجالات جميعها مُدمَجة، العسكري مع السياسي مع الأيديولوجي مع الثقافي… لا تجد دولة شيوعية تربطها علاقات في مستوى عال مع الدول الرأسمالية إلا في الحدود الدنيا أو ما تقتضيه الالتزامات الدبلوماسية أو بعض القضايا الإنسانية عكس ما يحدث اليوم تماما.

وقد لعبت العولمة دورا بارزا في هذا المجال، إذ زادت من ترابطات الاقتصاد العالمي ولم تعد الدول تستطيع التحكم في علاقاتها الاقتصادية كل التحكم، ذلك أن الشركات العالمية الكبرى عديمة الجنسية أصبحت تستطيع في كثير من الأحيان الالتفاف على مختلف الضوابط التي يضعها الجانب السياسي إذا أرادت ذلك. وهو ما مَكَّن بعض الدول الأوروبية مثلا من شراء البترول الروسي المُكرَّر من قبل الهند وبأسعار تنافسية مثلما فعلت هولندا، فرنسا، رومانيا، إسبانيا، بلجيكا، متجاوزين العقوبات القانونية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، وقس على ذلك الشركات الإيرانية التي باتت تستطيع تجاوز العقوبات الأمريكية من خلال العلاقات غير المباشرة مع أطراف أخرى برغم الاحتياطات الأمريكية في هذا الصدد… هذا يدل على اتساع المناطق الرمادية في العلاقات الدولية في العقود الأخيرة، وعلى ازدياد الحاجة لإعادة صوغ السياسات الخارجية للدول وفق منطق مغاير على ما كانت عليه من خلال اللجوء إلى ما يُعرَف بسياسة التوازن الذكي على الصعيد الدولي من دون التخلي على المبادئ الأساسية التي تحكم سياستها الخارجية.

ويبدو أن مبدأ عدم الانحياز الإيجابي – الذي طُرح رسميا في مؤتمر بلغراد سنة1961  – سيكون ملائما بدرجة عالية لمثل هذا الواقع الجديد، بل سيتطابق مع مفهوم التوازن الذكي، حيث أن عدم الانحياز للقوى الدولية الكبرى لا يعني الوقوف موقف المتفرج من الدفاع على القضايا العادلة ورفض الظلم أو العدوان حيثما كان. وهو الموقف الذي ميَّز السياسة الخارجية في حركة عدم الانحياز عندما تبنت موضوع عدم الانحياز الإيجابي بكل وضوح. ويبدو أننا اليوم أمام واقع للعلاقات الدولية يفرض إعطاء هذا الطرح نفسا جديدا، إذ به وحده فقط يمكن صوغ سياسة خارجية فعّالة وغير مرتبطة بالتجاذبات الدولية التي من شأنها الضرر بمصالح جميع الدول الصاعدة التي ترفض التلاعب بمصالحها وترفض إقحامها ضمن منطق لعبة الصراعات الدولية الكبرى كطرف خاسر بالضرورة مثلما هو واقع في (أوكرانيا، سوريا، السودان…) أو ضمن منطق بعض نماذج الصراعات المحدودة (باكستان – الهند – أفغانستان)، باعتبارها جميعا لم تُحسن التكيف مع تعقيدات العلاقات الدولية المعاصرة من خلال إعادة صوغ سياستها الخارجية بما يتناسب والمرحلة الحالية من دون الانفصال على خبرتها التاريخية من خلال إعادة قراءة مفهوم الحياد الإيجابي من جديد والالتزام بذلك ميدانيا، وهو المطلوب اليوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!