إلزموا أولادكم!
قال أحد علماء الاجتماع الأمريكيين: “إن كثيرا من الآباء، بعد أن يقضوا نهارهم كله في العمل، يبحثون عن ساعات إضافية في المساء لكسب مزيد من الدولارات لكي يشتروا بها لعبة جديدة لأبنائهم، وكم يخطئ هؤلاء الآباء عندما يظنون بأن إضافة لعبة مسلية لأولادهم أنفع لهم من قضاء ساعة أو ساعتين معهم!”
عندما تأملت في هذه الكلمة حضرني قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه: “الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم” فوجدتني أفكر في عالم الطفل عندنا وفي واقعنا وما يعانيه من مشكلات ومن اضطرابات، وما أفرزته من أمراض وآفات اجتماعية متفاقمة بالرغم من الجهود المبذولة من أجل تحصين النشء منها، وعلاجها؛ ثم في القدر الزهيد من العناية التي نوليها لهذا العالم الفسيح.. عالم الطفل، بالقياس إلى غيرنا من المجتمعات المتقدمة التي يتزايد اهتمامها بهذا العالم “الصغير الكبير“، فتبرز فيه تخصصات علمية دقيقة وتوضع فيه بحوث ودراسات وتنظم له ملتقيات وترصد للباحثين فيه جوائز معتبرة تكريما لهم وتشجيعا.
ففي اليابان اليوم مثلا ما يزيد عن ألف عنوان في أدب الأطفال، فكم عنوانا نمتلك نحن في هذا المجال؟!
إن مما لا يخفى على أحد أن تحقيق مجتمع عصري متماسك متوازن يقتضي، من جملة ما يقتضيه من الشروط بعد العقيدة ومنظومة القيم الموحدة التي تثمرها، أن تسود رؤية متناسقة للكون والإنسان والحياة عند جميع أفراده، وإنا تفاوتت هذه الرؤية بعد ذلك في العمق والشمول، ومن المعلوم كذلك أن هذه الرؤية ينبغي أن ترسم ملامحها العريضة بوضوح، وتضبط أبعادها الأساسية بدقة في مرحلة مبكرة من حياة الفرد، عن طريق فلسفة تربوية متميزة تحتضن عالم الطفل النفسي والاجتماعي، تولد فيه شعورا متناميا بوجود “تناسق وانسجام بين مختلف المجالات التي تشكّل عالمه “الصغيرة“، ثم تتسع مداركه مع الزمن فيزداد اقتناعا بأن هناك حقا نسقا عاما موحدا يسير عليه مجتمع “الكبار” الذي يتحرك يه.
فإذا قارن بعد ذلك بعقله الصغير، أو قل بحسه الطفولي، بين ما تقدمه له المدرسة من رصيد معرفي “نظري” وبين أنماط من العيش والسلوك في المحيط الأسري الخاص، والمحيط الاجتماعي العام، وما تلتقطه حواسّه المرهفة من جديد جذاب في مختلف قنوات الإعلام، فإنه يكتشف أن الذي يتغير من حوله ويتلون ويتجدد إنما هو “الموقع” وحده، وأما “الموقف” فإنه واحد لا يتعدد ولا يتلون ولا يتجدد.
إن هذا الإحساس والاكتشاف والإدراك هو الذي يتوقف عليه تكوينه ونموه الصحي السليم، لا شيء يؤثر تأثيرا سلبيا في عالم الصغار كشعورهم بتناقض عالم الكبار، تناقض قد “لا يعيه” الطفل ولا يدركه إدراكا مباشرا؛ ولكنه، بالتأكيد، يحسه إحساسا عميقا ويؤثر بقوة في تشكيل ذهنيته وصياغة وجدانه، وهذه حقيقة ما فتئت تؤكدها مختلف الدراسات المتخصصة في هذا المجال.
من المعلموم عند الجميع أن هناك عوامل عديدة متكاملة إليها يعود بناء شخصية الطفل، ولكل من هذه العوامل جوانب متكاملة أيضا، تنضوي كلها تحت فضاءات واسعة، بداية من الأسرة إلى المدرسة إلى “الشارع” والمحيط العام؛ وأريد هنا أن أوجه النظر إلى جانب هام من هذه الجوانب المؤثرة بقوة في بناء شخصية الطفل، يتعلق بالمحيط الأسري ألا وهو “الملازمة” التي وردت في الحديث المذكور؛ وبديهي أن المقصود بملازمة الأب لابنه أو ابنته ليس هو الحضور الجسدي، أي كون الأب حاضرا بجسده غائبا عن ابنه أو ابنته بأفكاره وهمومه وانشغالاته، وإنما المقصود بالملازمة، كمهمة تربوية خطيرة، هو المساهمة الواعية المستمرة في التخفيف من حدة التناقضات التي يحسها الطفل من حوله في محيطه الأسري الصغير أو في محيطه الاجتماعي العام، هذا الحضور الدافئ المؤنس يساهم كثيرا في ضمان التوازن لشخصية الطفل، لأنه يشعر من خلاله بأنه “كائن معتبر” وشخصية كاملة “مستقلة” تشكل طرفا جادا في حوار صادق صريح يفتح فيه نفسه الملأى بالأسرار والتساؤلات، ويرسلها على سجيّتها، تكشف عن مواهب وتعبر عن “هموم” صغيرة وتطلعات لعلها تحظى بمباركة ورضى وتشجيع.
إن كثيرا من الآباء يكتفون في علاقتهم بأبنائهم بالواجب “المادي” المحصور في توفير كل ما يحتاجه الطفل من الضروريات والكماليات، من غذاء صحي ولباس وأدوات مدرسية و.. “لعب“، ويتفاءلون بعد ذلك خيرا بما سيحدثه المعلم وحده في هذه “العجينة اللينة“، الطفل، من العجائب.
إن المقولة الشهيرة المنسوبة للإمام علي كرم الله وجهه “ربّه سبعا وعلمه سبعا وصاحبه سبعا” مايزال واقع المجتمعات الحديثة، المتقدمة منها والمتخلفة في حاجة ماسة إلى تحقيق مضمونها وخاصة منها عنصرها الأخير الذي عبر عنه “بالصحبة“، بالرغم من تقدم الدراسات في شتّى ميادين التربية وعلم النفس، لأن الحياة العصرية التي تزداد مع الأيام تعقيدا جعلت من هذه الصحبة التي يقوم عليها انسجام نمو شخصية الطفل أمرا يكاد يكون مستحيلا بفعلا التطور المذهل “لتكنولوجيا التسلية والترفيه” التي غزت كل البيوت، فحلت “الآلة” محل هذه الصحبة الدافئة، وأصبحت وساطة جافة بين الطفل وأبويه، تعزله عنهما من حيث يظن الجميع أنها تفيده.
إن هذه “الصحبة” التي حث عليها رسول الله صلى الله عليها وعلى آله وصحبه وسلم هي التي “أفاض الحديث عنها المفكر الفرنسي جون جاك روسو في كتابه الشهير “إميل” معتقدا أنه حقق سبقا في هذا المجال، واعتبره الأوروبيون والغربيون عموما “فتحا” في الفكر التربوي الحديث.