-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إلزموا أولادكم!

حمزة يدوغي
  • 2005
  • 9
إلزموا أولادكم!

قال أحد علماء الاجتماع الأمريكيين: “إن كثيرا من الآباء، بعد أن يقضوا نهارهم كله في العمل، يبحثون عن ساعات إضافية في المساء لكسب مزيد من الدولارات لكي يشتروا بها لعبة جديدة لأبنائهم، وكم يخطئ هؤلاء الآباء عندما يظنون بأن إضافة لعبة مسلية لأولادهم أنفع لهم من قضاء ساعة أو ساعتين معهم!”

عندما تأملت في هذه الكلمة حضرني قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه: “الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهمفوجدتني أفكر في عالم الطفل عندنا وفي واقعنا وما يعانيه من مشكلات ومن اضطرابات، وما أفرزته من أمراض وآفات اجتماعية متفاقمة بالرغم من الجهود المبذولة من أجل تحصين النشء منها، وعلاجها؛ ثم في القدر الزهيد من العناية التي نوليها لهذا العالم الفسيح.. عالم الطفل، بالقياس إلى غيرنا من المجتمعات المتقدمة التي يتزايد اهتمامها بهذا العالمالصغير الكبير، فتبرز فيه تخصصات علمية دقيقة وتوضع فيه بحوث ودراسات وتنظم له ملتقيات وترصد للباحثين فيه جوائز معتبرة تكريما لهم وتشجيعا.

ففي اليابان اليوم مثلا ما يزيد عن ألف عنوان في أدب الأطفال، فكم عنوانا نمتلك نحن في هذا المجال؟!

إن مما لا يخفى على أحد أن تحقيق مجتمع عصري متماسك متوازن يقتضي، من جملة ما يقتضيه من الشروط بعد العقيدة ومنظومة القيم الموحدة التي تثمرها، أن تسود رؤية متناسقة للكون والإنسان والحياة عند جميع أفراده، وإنا تفاوتت هذه الرؤية بعد ذلك في العمق والشمول، ومن المعلوم كذلك أن هذه الرؤية ينبغي أن ترسم ملامحها العريضة بوضوح، وتضبط أبعادها الأساسية بدقة في مرحلة مبكرة من حياة الفرد، عن طريق فلسفة تربوية متميزة تحتضن عالم الطفل النفسي والاجتماعي، تولد فيه شعورا متناميا بوجودتناسق وانسجام بين مختلف المجالات التي تشكّل عالمهالصغيرة، ثم تتسع مداركه مع الزمن فيزداد اقتناعا بأن هناك حقا نسقا عاما موحدا يسير عليه مجتمعالكبارالذي يتحرك يه.

فإذا قارن بعد ذلك بعقله الصغير، أو قل بحسه الطفولي، بين ما تقدمه له المدرسة من رصيد معرفينظريوبين أنماط من العيش والسلوك في المحيط الأسري الخاص، والمحيط الاجتماعي العام، وما تلتقطه حواسّه المرهفة من جديد جذاب في مختلف قنوات الإعلام، فإنه يكتشف أن الذي يتغير من حوله ويتلون ويتجدد إنما هوالموقعوحده، وأماالموقففإنه واحد لا يتعدد ولا يتلون ولا يتجدد.

إن هذا الإحساس والاكتشاف والإدراك هو الذي يتوقف عليه تكوينه ونموه الصحي السليم، لا شيء يؤثر تأثيرا سلبيا في عالم الصغار كشعورهم بتناقض عالم الكبار، تناقض قدلا يعيهالطفل ولا يدركه إدراكا مباشرا؛ ولكنه، بالتأكيد، يحسه إحساسا عميقا ويؤثر بقوة في تشكيل ذهنيته وصياغة وجدانه، وهذه حقيقة ما فتئت تؤكدها مختلف الدراسات المتخصصة في هذا المجال.

من المعلموم عند الجميع أن هناك عوامل عديدة متكاملة إليها يعود بناء شخصية الطفل، ولكل من هذه العوامل جوانب متكاملة أيضا، تنضوي كلها تحت فضاءات واسعة، بداية من الأسرة إلى المدرسة إلىالشارعوالمحيط العام؛ وأريد هنا أن أوجه النظر إلى جانب هام من هذه الجوانب المؤثرة بقوة في بناء شخصية الطفل، يتعلق بالمحيط الأسري ألا وهوالملازمةالتي وردت في الحديث المذكور؛ وبديهي أن المقصود بملازمة الأب لابنه أو ابنته ليس هو الحضور الجسدي، أي كون الأب حاضرا بجسده غائبا عن ابنه أو ابنته بأفكاره وهمومه وانشغالاته، وإنما المقصود بالملازمة، كمهمة تربوية خطيرة، هو المساهمة الواعية المستمرة في التخفيف من حدة التناقضات التي يحسها الطفل من حوله في محيطه الأسري الصغير أو في محيطه الاجتماعي العام، هذا الحضور الدافئ المؤنس يساهم كثيرا في ضمان التوازن لشخصية الطفل، لأنه يشعر من خلاله بأنهكائن معتبروشخصية كاملةمستقلةتشكل طرفا جادا في حوار صادق صريح يفتح فيه نفسه الملأى بالأسرار والتساؤلات، ويرسلها على سجيّتها، تكشف عن مواهب وتعبر عنهمومصغيرة وتطلعات لعلها تحظى بمباركة ورضى وتشجيع.

إن كثيرا من الآباء يكتفون في علاقتهم بأبنائهم بالواجبالماديالمحصور في توفير كل ما يحتاجه الطفل من الضروريات والكماليات، من غذاء صحي ولباس وأدوات مدرسية و.. “لعب، ويتفاءلون بعد ذلك خيرا بما سيحدثه المعلم وحده في هذهالعجينة اللينة، الطفل، من العجائب.

إن المقولة الشهيرة المنسوبة للإمام علي كرم الله وجههربّه سبعا وعلمه سبعا وصاحبه سبعامايزال واقع المجتمعات الحديثة، المتقدمة منها والمتخلفة في حاجة ماسة إلى تحقيق مضمونها وخاصة منها عنصرها الأخير الذي عبر عنهبالصحبة، بالرغم من تقدم الدراسات في شتّى ميادين التربية وعلم النفس، لأن الحياة العصرية التي تزداد مع الأيام تعقيدا جعلت من هذه الصحبة التي يقوم عليها انسجام نمو شخصية الطفل أمرا يكاد يكون مستحيلا بفعلا التطور المذهللتكنولوجيا التسلية والترفيهالتي غزت كل البيوت، فحلتالآلةمحل هذه الصحبة الدافئة، وأصبحت وساطة جافة بين الطفل وأبويه، تعزله عنهما من حيث يظن الجميع أنها تفيده.

إن هذهالصحبةالتي حث عليها رسول الله صلى الله عليها وعلى آله وصحبه وسلم هي التيأفاض الحديث عنها المفكر الفرنسي جون جاك روسو في كتابه الشهيرإميلمعتقدا أنه حقق سبقا في هذا المجال، واعتبره الأوروبيون والغربيون عمومافتحافي الفكر التربوي الحديث.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
9
  • مواطن

    دفعني المقال إلى التذكير بأهمية الطفولة الأولى المحددة في علم النفس.ذلك أن الحضارة اليونانية ثم الرومانية شددتا على ضرورة الاعتناء بتربية الطفل بمجرة انفصامه واختيار مربية له لها من السمات ما ينميه حاذقا في الذكاء وقادرا على التعبير السليم وقويا جسميا.أما تقاليد العرب فكانت تعتمد على المرضعة الصالحة لمنح تربية مبنية على الأخلاق والتعاطف وفصاحة الكلم في بادية توفر المناخ المنعش بين مجتمع متآزر متعاون على مواجهة ظروف الحياة مثلما علمتنا السيرة النبوية.إفراطنا شامل بفعل تخلينا عن تقاليدنا السليمة

  • نورالدين الجزائري

    و يدخل منه المستقبل ، فلا تحرموا أولادكم من تربية قيادية. أي شعور جميل و أروع أن تكون لك في الحياة مَن يمنح لك طفل وديع فطري النفس بريء ضد و عكس و نقيض ما نراه في مجتمعنا من حزن و أسى ظلم و جور من عنف و ضياع الحقوق.. أن يعطيك يده لتستريح في يدك يد صغيرة دافئة كفرخ الحمام في حضانة أمه و ما أصغر تلك اليد التي توقظ لديك منتهى الحكمة و الشجاعة أن تحافظ عليها و هي تتحرك في المجتمع بتلك الصورة و اللطف مستقبلا
    و مَن اشرقت بدايته اشرقت نهايته!
    ربي يسر ألطف أرحم و اهدينا سبيل الرشاد لما تحب و ترضى .

  • نورالدين الجزائري

    الأيدي .. و هي حاجة الأطفال إلى نماذج للعمل أكبر من حاجتهم للنقد و لهذا نجد قاعدة : إذا كثر و دوما الصراخ في البيت و بدأت الصحون تتكسر فاعلم أن الفطرة تتكسر تالية لها و بهذا نعلمهم السير في الصغر و الحبو في الكِبر ! . و عندما ترى أحد الأبوين حكيم عاقل في تصرفاته كمن يمسك كتاب مثلا فإن الطفل سيهتم بالقراءة و هذه بعض معاني الرقي و الحضارة ، و إذا علموه الرقص و الأهل و الجيران يصفقون له ، فأكيد تجعله هذه الطريقة طائشا خفيف الحركة و تبقى مع باقي عمره .
    إنها لحظات سعيدة في الطفولة عندما نفتح الباب

  • نورالدين الجزائري

    هذه السن . ما بين 7 ـ 14 : تتكون العادات و الأساليب من طريقة الطعام الملبس تنظيم أموره المدرسية المنزلية ، و يبدأ يتأدب في الكلام المنظبط مع والديه و الناس أجمعين ... بعد سن 14 لابد من مراقبة فيها حذر لأنه دخل في سن المراهقة فهو لا رجل و لا طفل ، فإذا عاملته كرجل خيّب ظنك و إذا أخذت به كطفل فهو لا يتحمل و ينزعج لأنها مرحلة صعبة تحتاج للصبر التصحيح الرفق و المسامحة ..
    الأولاد من سن 2 ـ 5 يتعلمون بنسبة 70 بالمئة بالنظر و المشاهدة أكثر من السمع، من حركة الأبوين كيف ينزع الحذاء كيف يأكل يتكلم حركة

  • نورالدين الجزائري

    في بناء و تشكيل منهم شخصية العقول النيّرة ! و هو سهل في مرحلة الطفولة و كلما صعدنا في العمر و الزمن لا يرحم و لا يتوقف صارت المسألة أصعب و أكثر تعقيدا ، و مما يحزنني و يشتت فكري أن الكثير منا يمارس رعاية الأولاد البيولوجية و هي رعاية و ليست تربية ، لأن النمو الفيسيولوجي للطفل هو التربية الحاسمة التي تحدد مساره مستقبلا .
    مراحل التربية في الإسلام : يذكرني هذا بالحديث الشريف ( مَن كان له صبي فالتصابى له ) ، في السن ما بين 5 ـ 6 : أن يتصابى الوالدين للصبي و كأنهم صبية معه و غير هذا لا معنى له في

  • نورالدين الجزائري

    يدرك الأشياء المحيطة به على حقيقتها : هذا حاضر غائب/ أسود أبيض/ ليل نهار/ صدق نيّة صافية عفوية ، و هو في الصدق يعيش فكيف يكذب و يظن الناس أن الطفل موّلع بالكذب ؟ هذا خطأ ! هو إنعكاس لمايرى ، يرى الأم تكذب على جارتها : أنت يا بني رأيت كذا فلا تقول كذا ! أو يتصل بالأب شخص فيقول لإبنه : قل له أبي غير موجود ! فتدمر فطرته في الصدق لتعوض بالحيلة و ( القْفَازة ) !
    التربية ! الطفل يحتاج إلى عدت تربيات منها العقلية و الحسية خاصة عن طريق النظر و المشاهدة ، فسبحان الله الذي جعل في الأطفال قدرة غير عادية

  • نورالدين الجزائري

    و يبدأ بالبكاء و الصراخ وهي مرحلة زمنية يكون فيها الطفل قريبا من آية: صلاة الفجر، المنبهة للقيام ، و كلمة : الفجر من إنفجر الشيء ، فهذه الدواب تريد أن تفك من عقالها { و الصبح إذا تنفس } بداية حركة داؤب! و الطفل لا علاقة له بتاتا بصلاة الفجر ، و إنما من طبيعة حالة المخلوق أن ينهض في هذا الوقت . و لكن أبواه يريدان النوم و أن ينام الطفل حتى لا يزعجهم ، فيسكتوه و قد يضربوه ، المرة تلو المرة و مع الأيام تدمر فيه هذه الخصلة الحميدة في قيامه بكورا . الطفل لا يكذب لأن الفطرة لا تعرف ذلك و هو معافى سليم

  • نورالدين الجزائري

    الحياة الطفولية بين تنمية الفطرة و التربية !
    الفطرة هي خزائن مكنونة هائلة من القيّم ، تُولد مع الطفل و هو حديث غفلنا عنه ينبغي للمرء تعلمه و ذكره لأهميته القصوى . الفطرة كاشفة للمعرفة و طريق لها ! يخرج الإنسان من بطن أمه خلقًا مطابق للأصل (يولد على الفطرة) . إن الكثير من الأولاد دمرت فطرتهم في طفولتهم و ليس في شبابهم و لا كهولتهم بسبب البيئة الغير الملائمة لذلك ، و أضرب مثال عن مفهوم الفطرة و إن كان ساذجا عند البعض فقد يراه الآخر جوهري نفيس : الطفل في كفن والديه يصحو أغلب الأوقات مع صلاة الفجر

  • nordine idoughi

    bara allaho fik ya ostadh eldjil